لاقت الاحتجاجات التي وقعت في ميدان تقسيم التركي صدى واسعاً في مصر، إذ سعت قوى المعارضة المصرية إلى الربط ما بين الخلفيات السياسية والفكرية والاجتماعية لتلك الأحداث، وبين ما يجري الآن في مصر تحت حكم الإخوان، وهذا الربط يشي بأربع ملاحظات مهمة. الملاحظة الأولى هي ذوبان الفجوة التاريخية الفاصلة ما بين الايديولوجيا والميتافيزيقا، فقد نشأت الأولى في القرن التاسع عشر لتأكيد فرضية أساسية وهي امكان إنتاج نمط من المعرفة مناقض للميتافيزيقا، إلا أن حال الاستقطاب والصراع الإسلامي العلماني في تركيا ومصر على حد سواء تؤكد الطابع الميتافيزيقي لكلتا الإيديولوجيتين، والذي يعبر عن ذاته دائماً في صراع الهوية العميق والمتجذر في ما بينهما وهو ما يقودنا إلى الملاحظة الثانية. وهي غلبة البنية الفوقية التي تتعلق بالأيديولوجيا ونسق القيم والأفكار على البنية التحتية التي ترتبط بالآثار الاقتصادية والاجتماعية المباشرة لتطبيقها على أرض الواقع. فعلى رغم أن أحداث ميدان تقسيم التركي قد تشير ظاهرياً إلى تماهي كلتا البنيتين معاً، إلا أنها تؤكد من منظورها البنيوي غلبة ما هو أيديولوجي على ما هو مطلبي وجماهيري. فبناء مركز تجاري في هذا الميدان لم يكن ليثير أبداً تلك الموجة العارمة من الاحتجاجات لولا وجود مشروع لإنشاء مسجد وقلعة عثمانية تاريخية بالتوازي معه، ومن ثم فإن سياسات أردوغان الاقتصادية ذات التوجه الرأسمالي وانعكاساتها على محدودي الدخل في تركيا لم تكن هي الفتيل الذي أشعل تلك الأزمة التي اندلعت بفعل الدلالة الإيديولوجية لإنشاء المسجد والقلعة التاريخية، وهو ما يحدث في مصر أيضاً. فحركة الاحتجاج الكبرى التي تواجه الرئيس محمد مرسي والتي تعبّر عنها بامتياز حملة «تمرد» اندلعت هي الأخرى تحت وطأة التخوفات من شـــبح أخونة الدولة المصرية. فعلى رغم فشل الرئيس المصري في إنجاز أيه تحولات اقتصادية أو اجتماعية ايجابية يجني ثمارها المواطن العادي، إلا أن ذلك لم يكن ليدفع معارضيه إلى الولوج في مسار خلعه من السلطة على رغم احتمالاته الدموية، ولكن تخوفهم العميق من احتمالات هيمنة الإخوان على مفاصل الدولة هو ما دفعهم إلى ولوج هذا المسار. أما الملاحظة الثــالثة فهي بزوغ أممية علمانية مصـــرية معارضة في مواجهة الأممية الإسلامية الحاكمة. فقد اهتمت النخبة العلمانية في شكل يبدو مبالغاً فيه بأحداث ميدان تقسيم التركي وسعت إلى الربط القسري ما بين التطور التاريخي لتجربة حزب العدالة والتنمـــية في تركيا وبين التطور التاريخي لتيار الإسلام السياسي في مصر ممثلاً بجــماعة الإخوان على رغم أن لكل منهما طبيعته النوعية الخاصة التي تعبر عن رؤيته للعالم، كما تعكس في الوقت ذاته طبيعة التفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل كلا المجتمعين. أما الملاحظة الرابعة والأخيرة فهي تضاؤل احتمالات نشأة تعددية سياسية أو ثقافية حقيقية في المجتمعين التركي والمصري. فكلتا التجربتين وقعتا في المساحة الرمادية ما بين الصيغة الشمولية التي يهيمن فيها حزب أو تيار على مقاليد الدولة وبين الصيغة التعددية التي تسمح لتيارين متعارضين جذرياً بتداول السلطة من دون حدوث اضطراب عميق على الصعيدين الأيديولوجي والثقافي. فعلى رغم وجود الإسلاميين في السلطة، إلا أنهم لم يستطيعوا القضاء على جذوة المعارضة في الشارع وتدشين حكم شمولي، كما أن المعارضة العلمانية في المقابل على رغم زخمها وقدرتها على الحشد، إلا أنها لم تستطع حتى الآن الوصول إلى السلطة في شكل ديموقراطي بفعل ضعف قاعدتها الشعبية. وهو ما يعني في النهاية أن الإسلاميين والعلمانيين في مصر وتركيا باتوا إلى الأبد أســـرى المنطق الهيغلي التجريدي الذي يُعنى بما هو كلي ونهــائي على حساب ما هو نسبي وجــزئي، الأمر الذي ستــترتب عليه تداعيــات خطرة على الحالة الديموقراطية في كلتا التجربتين على رغم التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة بينهما. * كاتب مصري
|