اعترف صائب عريقات، ولقبه "كبير المفاوضين"(!)، في تصريح أدلى به أخيراً بأنه كان على الفلسطينيين قبل توقيع اتفاق أوسلو (1993) الطلب "من إسرائيل أن تحدّد حدودها، كي نعترف بها في تلك الحدود".
ومعلوم أن هذا الاتفاق أغفل قضايا أساسية من ضمنها، نزع الشرعية عن الاستيطان، وتعيين حدود الدولة الفلسطينية المفترضة، وتوضيح ماهية الحلّ النهائي، والمدى الزمني لإنجاز التسوية، وتعريف إسرائيل كدولة احتلال، واعتبار الضفة وغزة أراضيَ محتلة، وليس أراضيَ متنازعاً عليها. وفوق كل ذلك فقد تمّ تمرير تقسيم الضفة ثلاثة مناطق (أ، ب، ج)، والإقرار بسيطرة اسرائيل على المعابر، وعلى الاقتصاد، هذا دون أن نتحدث عن تجاهل قضية اللاجئين.
والحقيقة فإن هذا التصريح يثير التساؤلات حول أهلية الفريق المفاوض، والعقلية القاصرة التي أديرت بها المفاوضات، والمخاطر التي تضمّنها الاتفاق، ويؤكّد صواب النقد الذي وجّه له، منذ لحظة توقيعه، والذي لم توله القيادة المعنيّة أية أهمية.
اللافت أن كبير المفاوضين مازال في موقعه رغم فشل اتفاق أوسلو المجحف والناقص والمهين، والذي تحوّل انشوطة تكبّل كفاح الفلسطينيين، بعد أن حوّل حركتهم الوطنية مجرّد سلطة بائسة، وفوقها فقد بات عضواً في اللجنتين، التنفيذية للمنظمة، والمركزية لـ"فتح"، بدلاً من إقالته، مع المسؤولين عن توقيع هذا الاتفاق. ففي الساحة الفلسطينية ليس ثمة مساءلة ولا محاسبة لأحد، رغم كل الإخفاقات والمشكلات والمخاطر.
لاتكمن المشكلة هنا، فقط، فهي تكمن، أيضاً، في عقلية "الفَهْلَوَة"، التي حكمت الذهاب نحو الاتفاق المذكور، والتي كانت تظن أنها تدير علاقاتها مع إسرائيل على نمط جمهورية "الفاكهاني"، في جهل لطريقة عمل السياسة الإسرائيلية، ولموازين القوى. كما تكمن في الطبقة السياسية التي استمرأت الواقع الذي أنشأته، وباتت مرتهنة له، دون أن تبحث عن أية خيارات أخرى، أو موازية. وأخيراً فإن المشكلة تكمن في أن هذا الاتفاق حصل في طور هبوط الحركة الوطنية الفلسطينية، التي لم تبنِ نفسها على قواعد مؤسّسية وتمثيليّة وديموقراطية، والتي تعتمد على الدعم الخارجي، أكثر من اعتمادها على شعبها.
من يسمع عريقات اليوم يتذكّر، ويا للاسف، كم باع وأمثاله من الأوهام قبل عقدين، حين صوّروا بسذاجة أن الضفة وغزة ستصبح بمثابة سنغافورة أو تايوان أو هونغ كونغ جديدة. واللافت أن هؤلاء مازالوا يبيعون الوهم، باعتبارهم ان لابديل من المفاوضات سوى المفاوضات، رغم أن إسرائيل تبرّأت من حصّتها من اتفاق اوسلو، بعد ان باتت في واقع من الاحتلال المريح والمربح في الضفّة. |