الأثنين ٢٣ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تموز ٢, ٢٠١٣
الكاتب: زياد ماجد
المصدر: nowlebanon.com
عُجالة مصرية
يمكن تسجيل الكثير من الملاحظات على الأوضاع المصرية، خاصة بعد المظاهرات الضخمة التي شهدتها القاهرة والاسكندرية وأكثر المدن والمحافظات ضد الرئيس محمد مرسي وجماعة الأخوان المسلمين. النصّ التالي إشارة الى ثلاث منها.
 
الملاحظة الأولى، أننا أمام تأكيد جديد لعمق التحوّل الذي أحدثته ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011. فالنشاطية السياسية والتعبئة الشعبية ومدى الحرّيات السياسية والإعلامية والفنّية غير المسبوق منذ العام 1952 لم تكن لتتحقّق لولا جذرية الثورة التي أطاحت بحسني مبارك وحكمه، والتي حالت عام 2012 دون عودة فلول النظام البائد الى موقع الرئاسة.
 
الملاحظة الثانية، أننا نشهد منذ الانتخابات الرئاسية العام الماضي حالة صراعية لا تشكّل بالضرورة استمراراً للثورة، ولا هي بثورة ثانية. فالثورة حصلت وشارك فيها الأخوان المسلمون (ولو غير مبادرين) وأسقطت النظام القديم، وأتاحت الانتخابات الأولى التي تلتها وصول مرشّح "الأخوان" الى الرئاسة. ولسنا أمام ثورة ثانية إذ أن معظم معارضي مرسي و"الأخوان" لا يطالبون بإسقاط "النظام الجديد" الذي وُلد بعد الثورة والذي لم تتبلور كامل معالمه بعد، بل يريدون إسقاط ثقافة الحكم وممارساتها التي اعتمدها الرئيس المُنتخب وحزبه والتي تُناقض ما شاؤوا تأسيسه من نموذج ديمقراطي مدني. وهم لا يواجهون مؤسسات الدولة "الجديدة" جميعها، لا سيّما الأمنية والعسكرية، كما كانت الحال في الثورة وكما هي الحال عادةً في الثورات. بل يصحّ القول إن بعض الفاعلين في هذه المؤسسات لا يقلّون عنهم عداءً لمرسي ولتياره السياسي، ولو لأسباب مختلفة (وغير ديمقراطية في أغلب الأحوال).
 
والملاحظة الثالثة أننا أمام مفارقة كبرى في الحياة السياسية المصرية (والعربية). فمحمد مرسي هو أول رئيس مُنتخب ديمقراطياً في تاريخ مصر (ومن القلّة في التاريخ العربي). كما أنه أول رئيس غير عسكري. لكن الرجل وقادة تيّاره الأخوانيّ لم يكترثوا لمعنى ذلك ولثورية دلالاته. فاعتبروا أن التفويض الانتخابي يعني السلطة المطلقة لهم، وحاولوا الاستئثار بمؤسّسات الدولة السياسية والإدارية و"أخوَنَتها". وفاقم من الأمر أن غرورهم وقلّة حنكة الرئيس وفقر مخيلّته وتمنّعهم على مدى أشهر عن الانفتاح على القوى التي حملت الثورة أو شاركت فيها، أدّت الى تراجع شعبيّتهم خارج حلقة أعضاء التنظيم الأخواني والمستفيدين منه، والى تخوّف كثر ممّن صوّتوا لمرسي (قطعاً للطريق أمام مرشّح بقايا النظام "القديم") من الأضرار التي قد تتسبّب بها سياساته وثقافة تيّاره على مستقبل حياة سياسية ما زالت قيد التأسيس...
 
في المقابل، ليس جميع معارضي "الأخوان" ديمقراطيين. فبعضهم ينتمي بالفعل الى "الفلول" (وثمة "فلول" التحقوا بالأخوان والسلفيّين أيضاً)، وبعضهم من الشعبويّين الذين يتناسلون من تيّارات قد لا تكون أقل تعطّشاً للسلطة ولاحتكارها من "الأخوان" ذاتهم.
 
المهمّ أننا أمام لحظة تظهر، بمعزل عن القيادات السياسية، رفضاً شعبياً مصرياً عارماً للممارسات التسلّطية المستظلّة بالدين. والمهمّ كذلك ألّا يؤدّي هذا الرفض الضروري الى صدامات أهلية تبرّر أي انقلاب يعيد الجيش مرة جديدة، ولو تحايلاً، الى السلطة. فإن كانت المواجهات الدائرة بين "الأخوان" ومعارضيهم تحرّر السياسة من محاولات "تديينها" وتنهي غرور جماعات الإسلام السياسي مبيّنة التنوّع في المجتمع المصري وفشل الحكم الفئوي، فإنّ عودة العسكر تُعد نكوصاً للسياسة وللتنوّع وللحرّيات التي انتزعها المصريّون في ثورتهم قبل عامين ونيّف. والتصدّي لاحتمالات عودةٍ كهذه لا يقلّ أهمّية عن التصدّي لما تبقّى من سعيٍ استئثاري أخواني، ولو أن الكفاح على جبهتين سيكون مرحلياً مهمّة صعبة...



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
إقرأ أيضا للكاتب
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
فلسطين العصيّة على الممانعة والتطبيع
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
عن بكركي والمعارضات اللبنانية
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة