الأحد ٢٢ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تموز ١٧, ٢٠١٣
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
هل يخطئ الإخوان المسلمون مرَّتين؟ - صلاح أبوجوده
تكمن في صميم الأزمة المفتوحة التي تعيشها مصر حاليًّا ثلاث حقائق يمكن أن تؤدّي العوامل الاقتصاديّة والخارجيّة المتداخلة والضاغطة، إلى حرف النظر عن دروها الحاسم في استمرار الأزمة أو تجاوزها.
 
"على كلّ مسلم أن يعتقد أنّ هذا المنهاج كلّه (منهاج جماعة الإخوان) من الإسلام، وأنّ كلّ نقص منه نقص من الفكرة الإسلاميّة الصحيحة".
(مؤتمر جماعة الإخوان المسلمين الثالث، 1935)

الحقيقة الأولى هي فصل جماعة الإخوان المسلمين التقليديّ بين الديموقراطيّة بصفتها مجموعة قيم تُلهم طريقة الحياة والسلوك الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ، فرديًّا وجماعيًّا، وتُحدِّد مكان الدين في المجتمع ودوره في الحقل العامّ، والديموقراطيّة بصفتها آليّة انتخاب.
والحقيقة الثانية هي ميل جماعة الإخوان إلى مصادرة تمثيل الإسلام السياسيّ، وبالتالي نزعتها التلقائيّة إلى الانفراد بالحكم.

أما الحقيقة الثالثة، وهي بمثابة الخطأ الفادح، فتتمثل باخفاق قيادات جماعة الإخوان التي التحقت بالانتفاضة الشعبيّة التي أدّت إلى إسقاط حكم الرئيس مبارك، في فهم طبيعة التغيير الذي حصل في الأوساط النخبويّة القادرة على تعبئة الأوساط الشعبيّة عفويًّا باسم الحريّة والديموقراطيّة والحقوق الفرديّة، بقدر ما يمكن جماعة الإخوان (وخصومهم السلفيّين) تعبئتها عفويًّا أيضًا باسم الدين.

ولعلّ عدم الفهم هذا نتج من عدم قراءة جديّة وموضوعيّة المشهدَ الثوريّ، كما من غياب برامج سياسيّة واضحة تُعبِّر عن روح التغيير الثوريّة. وإذا كان يمكن اعتبار الحقيقتين الأولى والثانية من نتائج التطوّر الطبيعيّ لفكر جماعة الإخوان السياسيّ في ضوء المبادئ التي قامت عليها، فإن تلاقي هاتَين الحقيقتَين مع الحقيقة الثالثة أدّى إلى إنهيار مبكّر لحكم الجماعة.

يعلم قياديّو جماعة الإخوان تمام العلم أنّهم قادرون على الانتصار في أيّ استفتاء شعبيّ أو انتخابات عامّة تجري في جوّ ديموقراطيّ سليم، وخصومهم يعلمون ذلك جيّدًا. فلقد برع الإخوان طوال عقود من الاضطهاد والعزل في مخاطبة مجتمعٍ عصبيّتُه الدينيّة أصلاً قويّة- شأن سائر مجتمعات الدول العربيّة والإسلاميّة-، رابطين بين الظلم اللاحق بهم وإهانة "حقوق الله"، ومعزّزين موقف العداء الشعبيّ لحكمٍ استبداديّ لم يسعَ لبنيان مواطنين ودولة القانون والمؤسّسات، أيضًا شأن سائر الدول العربيّة والإسلاميّة.

لذا، لم يكن غريبًا أن تبدأ جماعة الإخوان، بعد تسلّمها السلطة، بـ"أخونة" الدولة رويدًا رويدًا، متسلّحة بقدرتها على تمرير قراراتها "ديموقراطيًّا"، الأمر الذي أدّى إلى انتفاضة نخبويّة ثانية حشدت جموعَها، ولجأت إلى العسكر لإسقاط الرئيس مرسي. وفي هذا السياق، لا يمكن الاكتفاء بالرأي القائل بأنّ أسباب الانتفاضة المذكورة ينحصر في عدم كفاءة الإخوان بالحكم، وعجزهم عن مواجهة حالة البلد الإداريّة والاقتصاديّة المزرية التي خلَّفها النظام السابق. يعتبر أصحاب هذا الرأي، في الواقع، أنّ الانتفاضة الثانية ألحقت ظلمًا بجماعة الإخوان، وأجهضت التجربة الديموقراطيّة الناشئة. فكان يجب إعطاء الجماعة فرصة لتكتسب خبرة في الحكم وتتجاوز الأوضاع الصعبة الموروثة.

ينطوي هذا الرأي على شيء من الصواب، ولكنّه يبقى نسبيًّا ويهمل الأساس. فعند النظر إلى الأخطاء التي ارتكبها حكم الرئيس مرسي، تتّضح نيّة "أخونة" الدولة، إضافةً، بالطبع، إلى قلّة الدراية بإدارة الشؤون العامّة. فمن تلك الأخطاء: الإعلان الدستوريّ في تشرين الثاني 2012 الذي جعل القرارات الرئاسيّة نهائيّة غير قابلة للطعن، وتكليف جمعيّة تأسيسيّة يهيمن عليها الإخوان صياغة دستور جديد (عمل أُنجز بــ 18 ساعة فقط!) جرى الاستفتاء عليه في العام نفسه (حصل على نسبة 63،8 %)، والسعي المستمرّ للسيطرة على القضاء، والتضييق على الإعلام ونشاط المنظّمات غير الحكوميّة، وعدم الجديّة في دعوة المعارضين إلى الحوار، وتعيين محافظين وموظّفين حكوميّين من الإسلاميّين المتشدّدين، إضافة إلى العجز عن مواجهة الأزمة الاقتصاديّة الخانقة، بالرغم من دعم قطر والولايات المتّحدة الأميركيّة، واتّخاذ موقف بدا مؤيّدًا الدعوةَ إلى الجهاد في سوريا.

لا يمكن جماعة الإخوان في ضوء فكرها السياسيّ التقليديّ السائد إلاّ أن تعمل في سبيل تحقيق دولتها الدينيّة كما تفهمها. فلو أظهر حكم الرئيس مرسي براغماتيّة في التعاطي مع المعارضة، ومهارة في مواجهة التحدّيات الاقتصاديّة، كان سيؤجّل الأزمة لا أكثر. ذلك أنّ التغيير الثوريّ الذي حصل في الوسط النخبويّ وجلّه من الشبيبة، قد فرض التعدديّة السياسيّة الفعليّة في المجتمع، وأسّس معارضة متنوّعة حرّة وقويّة، وخلق جوًّا عامًّا بات يمقت كلّ استبداد أو أحاديّة في الحكم. لقد انتهى زمن السكينيّة وزمن حكم الحزب الواحد وزمن تأليه القائد، وأتى زمن المجتمع المدنيّ الحيويّ، ولا يمكن العودة بهذا التغيير إلى الوراء.

لا أحد يعلم إلى أين تذهب الأوضاع في مصر الآن. فالقوى الثوريّة لا تجد حاليًّا إلاّ الاستعانة بالعسكر سبيلاً لإبعاد خطر أخونة الدولة. والعسكر الذي كان لوهلة راضيًا عن حكم الإخوان الذي حفظ له امتيازات غير ديموقراطيّة في الدستور الجديد (الموادّ 195-198 التي تنصّ على أن يكون وزير الدفاع ضابطًا في الخدمة، وحقّ المحاكم العسكريّة محاكمة مدنيّين يرتكبون جرائم تلحق الأذى بالقوّات المسلّحة، ومشاركة العسكر في التصويت على الموازنة العسكريّة)، لم يستطع تجاهل روح التغيير الثوريّة، ولا يريد العودة إلى النظام السابق الذي يعلم مسبقًا أنّه لن تكتب له الديمومة. أمّا النظام الانتقاليّ القائم فيبدو منهمكًا في توسيع قاعدة شرعيّته داخليًّا وخارجيًّا.

أمّا داخليًّا فمن طريق مسايرة السلفيّين إلى حدّ تعزيز دور الشريعة الإسلاميّة كما ورد في المادّة الأولى من الإعلان الدستوريّ (جمهورية مصر العربيّة دولة نظامها ديموقراطيّ يقوم على أساس المواطنة والإسلام دين الدولة واللغة العربيّة لغتها الرسميّة ومبادئ الشريعة الإسلامية، التي تشمل أدلّتها الكليّة وقواعدها الأصوليّة والفقهيّة ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة، المصدر الرئيسيّ للتشريع).

وأمّا خارجيًّا فمن طريق إعطاء تطمينات في شأن مستقبل مصر الديموقراطيّ (وإن كان يعلم مسبقًا أنّ انتخابات ديموقراطيّة عامّة لن تجري ما دام بوسع جماعة الإخوان استثمار العصبيّة الدينيّة، وبالتالي تحقيق النتائج التي توصّلوا إليها في الانتخابات السابقة)، فضلاً عن سعيه لتكوين حكومة قادرة على النهوض بالاقتصاد والخدمات العامّة.

وفي المقابل، تبدو جماعة الإخوان قد اختارت طريق المواجهة في الشارع لتعطيل نتائج الانتفاضة الثانية، مع مخاطر الانزلاق في النموذج السلفيّ الجهاديّ التكفيريّ. ولكنّ هذا الاختيار سيؤدّي إلى اعتماد القوى الثوريّة المتزايد على العسكر، وبالتالي استعدادها لتأمين غطاء للممارسات القمعيّة التي بدأت بوادرها بحقّ قيادات الإخوان، أو التعتيم عليها، الأمر الذي سيضعف المسار الديموقراطيّ كثيرًا، ويُدخل البلاد في المجهول.

يمكن نموذج الحكم الإئتلافيّ التونسيّ أن يمثّل مخرجًا للأزمة المصريّة إذا قبلت به الأطراف كافّة، ولا سيّما جماعة الإخوان. فقيادات جماعة الإخوان مطالبة بموقف واقعيّ يُسلِّم بالتغيير الذي أحدثته الروح الثوريّة، وإلاّ فسترتكب خطأ ثانيًا فادحًا بحقّ نفسها وبحقّ دولتها. فلا بدّ من الانفتاح على المشهد الوطنيّ الجديد، لا بصفته أمرًا واقعًا يفرض برغماتيّة معيّنة فحسب، بل حالة تدعو إلى مراجعة نقديّة لفكر الجماعة السياسيّ في ضوء المتطلّبات الديموقراطيّة أيضًا.

ويمكن في هذا السياق أن يستفيد الإخوان من خبرة الكنيسة الكاثوليكيّة في الغرب. فبعد عقود طويلة من رفض الديموقراطيّة الليبراليّة وحقوق الإنسان والحذر منها، تصالحت الكنيسة مع تلك القيم ومن ثمّ تبنّتها، لا لأنّ التطوّرات فرضت واقعًا ما عاد يمكن إلغاؤه، بل لأنّ النقد طال الفكر اللاهوتيّ نفسه الذي لم يمكنه إلاّ أن يقبل بكلّ ما يأتي بالخير والسلام للإنسان ومجتمعه، لأنّ ذلك يتلاقي في نهاية الأمر وجوهر الإيمان.
 
أستاذ في جامعة القدّيس يوسف - لبنان


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة