السبت ٢١ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تموز ٢٢, ٢٠١٣
المصدر: جريدة الحياة
أزمة الحكومة المغربية - محمد الأشهب
يستطيع رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بن كيران تحقيق اختراق في صفوف المعارضة، أقله جذب حزب أو أكثر إلى ما تبقى من الائتلاف الحكومي، لإكمال غالبية نيابية تعوض انسحاب حزب الاستقلال. ويستطيع بقدر من التفاهم والتنازل ضمان السير العادي لحكومة أقلية، في حال ساندها حزب أو أكثر، من دون الحاجة إلى حيازة حقائب وزارية. بخاصة وأن له تجربة في هذا السياق تمثلت في دعم « العدالة والتنمية» حكومة رئيس الوزراء السابق عبد الرحمن اليوسفي من دون المشاركة فيها.
 
لأن السياسة تستنسخ بعضها، فقد أقر الحزب الإسلامي الذي يقوده اليوم بن كيران معارضة حكومة اليوسفي. و لم يترتب على ذلك أي انزعاج أو تذمر. وبالتالي يبدو موقفه بعد انسحاب الاستقلال غير مفهوم. إلا في نطاق أنه تسبب في انهيار الغالبية، لم يترك لرئيسها أي فرصة لالتقاط الأنفاس، عدا البحث عن حليف جديد، من بين أحزاب لم يكن يفكر أنه سيأتي وقت يضطر إلى التحالف معها. إذ لا بديل أمامه سوى الإذعان للخروج من المأزق أو تقديم استقالته والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
 
الأصل في هذا المأزق أن الائتلاف الحكومي الذي كان يضم أحزاب العدالة والتنمية والاستقلال والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية أملته اعتبارات في مقدمها أن أي حزب أو تكتل لم يحز غالبية مطلقة في الاستحقاقات الاشتراعية الأخيرة، فيما الدستور يرهن اختيار رئيس الحكومة بالانتساب إلى الحزب الذي احتل الصدارة، ويترك له حرية اختيار حلفائه الذين يستطيع من خلالهم تأمين غالبية تصدق على البرنامج الذي يعتزم تنفيذه. لكن هذه البديهيات تصطدم بواقع سياسي على صعيد النظرية والتطبيق. وحين يشتكي حليف مثل الاستقلال من أن التجربة الحكومية اتسمت بمحاولات فرض هيمنة حزب دون غيره بصرف النظر عن مدى صدقية الأمر من عدمه، فإن ذلك يحيل على نوع المخاوف في حال تمكن أي حزب وحده من حيازة الغالبية.
 
وما يضفي على السؤال طابعاً ملحاً أن المؤاخذات الموجهة إلى العدالة والتنمية المغربي صادفت تململاً في الشارع العربي إزاء تجارب حكم الإسلاميين في بلدان ما يعرف بالربيع العربي. أي أن المشكل يتجاوز نطاق الاستئثار بالتدبير الذي هو من اختصاص أي حكومة نحو فرض رؤية حزبية لا تتماشى وأنماط التعددية التي تبيح الاختلاف دون إقصاء، لكن رئيس الحكومة يضع المشكل في إطار آخر. أقربه أن اللوبيات المناهضة لخطة الحرب على الفساد وتكريس التغيير تتحرك في الخفاء لوضع العراقيل أمام التجربة الحكومية الراهنة.
 
بالقدر الذي ترفض أحزاب تمرست طويلاً في المعارضة أن تلصق بها هكذا توصيفات، حرص بن كيران على انتزاع موقف داعم له من المجلس الوطني لحزبه، كي لا يقال إنه يرجح كفة الاستمرار في الحكومة على التزامات ومواقف الحزب أو في أقل تقدير يستند إلى دعم سياسي يقيه نعوت الانفراد بالقرار.
 
ثمة تطور آخر شمل إشراك الحليفين الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية في مسار المفاوضات المرتقبة لشغر الفراغ الذي خلفه انسحاب الاستقلال، وفي الواقع لو عمد رئيس الحكومة لهذا الأسلوب قبل الوصول إلى المأزق المسدود لكان في الإمكان احتواء واستيعاب الأزمة الناشئة مع الاستقلال، كونه لم يرد على مذكرته التي طالب فيها بإجراء تعديل حكومي ولم تفلح بعض الوساطات في تقريب فجوات التباعد بين الحزبين اللذين يشتركان في النهل من مرجعية واحدة. فقد ظل الاستقلال قبل تنامي ظاهرة الإسلام السياسي يبشر بأنه ذو مرجعية إسلامية. وقد يكون لبعض التشابه في الأدوار والمنطلقات أثره في احتدام خلافات وصلت إلى القطيعة.
 
غير أن الأهم أن رئيس الحكومة الذي صم أذنيه عن سماع طلب إجراء تعديل وزاري، كان سيقتصر على وزراء الاستقلال أكثر من غيرهم. يبدو اليوم مكرهاً على تنفيذ تعديل أكبر. ومن غير الوارد أن يقبل أي حزب تعويض الاستقلال داخل الائتلاف الحكومي بما هو أقل مما كان يطالب به، فقد ارتفع السقف على قياس الأزمة. وبعد أن كان رئيس الحكومة سيد ميدانه في صوغ آليات العرض والطلب، بات اليوم مضطراً لاجتياز النفق بأي ما يمكن من الخسارة. وبعد أن كانت التطورات تلعب لفائدة حزبه، في ظل تداعيات الربيع العربي وسيطرة إخوان في المرجعية على الحكم وحدوث انبهار لم يترك الفرصة لالتقاط الأنفاس تغيرت المعادلة.
 
الأكيد أنه لولا الإقدام على عزل الرئيس المصري محمد مرسي. لما تأتى لانسحاب الاستقلال أن يضرب عرض الحائط بالتزاماته داخل حكومة بن كيران. فثمة ترابط في النظرة إلى حكم الإسلاميين. وعلى رغم الفارق بين التجربتين المصرية والمغربية، كون الأولى تسعى لبناء الدولة فيما الثانية تراهن على تطوير بنياتها، فإن العدوى تذهب دائماً نحو الظواهر ذات الحساسيات الزائدة. وأقربها كل ما يتعلق باجتهادات في الدين والدولة. لكن السياسة لا تترك دائماً حرية القرار، بخاصة عندما يتعلق الأمر بالبحث عن طوق النجاة.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
المغرب: زعيم حزبي يعد بعدم رفع الضرائب إذا تولى الحكومة المقبلة
المغرب: لجنة نيابية تصوّت اليوم على «تقنين» القنب الهندي
المغرب يعلن عن «استقبال استثنائي» لجاليته في الصيف
سياسي مغربي: الحزب المتصدر للانتخابات لن يتجاوز 80 مقعداً برلمانياً
«النواب» المغربي يناقش «تقنين زراعة القنب الهندي»
مقالات ذات صلة
الانتخابات المقبلة وضعف النقاش السياسي في المغرب - لحسن حداد
استياء مغربي من «تهجم على الملك» في قناة جزائرية
الجميع مستاء وسؤال المستقبل مطروح على المغرب - انتصار فقير
عن أزمة النخب السياسية في خطاب العاهل المغربي - بشير عبد الفتاح
الحركات الاحتجاجية المُطالبة بالتنمية تُوحَّد بين البلدان المغاربية - رشيد خشانة
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة