السبت ٢١ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تموز ٢٣, ٢٠١٣
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مصر: ربيع الدولة - غازي دحمان
مثلما لم يوفق العرب في التنبؤ بالثورات التي حصلت في فضائهم، ها هم اليوم يندهشون إزاء الثورات التصحيحية الحاصلة في سياق ربيعهم. مما يثبت أن الثورات لم تكن سوى حدث سطحي وعابر...

وكنتيجة لذلك، أو كسبب له، لم تؤسس الثورات العربية، رغم مرور ثلاثة أعوام على اشتعالها، تغييراً مهماً في طريقة التفكير المعرفي والسياسي ولم تنعكس في هذين المجالين. وكل ما حصل أن الثورة انتعشت كلحظة حماسية عفوية آنية وعابرة، وبقيت في مجال تلقط الأحداث ووصفها، وظلت عاجزة عن أسباب تفهمها وكنهها.
 
الثورة العربية، وإن لم تظهر هذا البعد كثيرا، إلا أنها كانت ثورة ضد نمط الدولة السائدة، وليس ضد أشخاص وأنظمة بعينها. صحيح أن هؤلاء الأشخاص شكلوا العناوين المباشرة للحراك. مبارك مصر، بن علي تونس، قذافي ليبيا، صالح اليمن وأسد سوريا، إلا أن هؤلاء لم يكونوا سوى الممثلين الحاليين لنمط الدولة التي أفرزت هذا الإرباك التاريخي والذي نتيجته ارتسمت البلاد على طيف واسع من الفشل امتد ليشمل كل شيء. لذا فإن الثورة في مصر كانت تمتد من مبارك إلى عبد الناصر إلى أحفاد محمد علي، وكذا الأمر في سوريا، فإنها ثورة على زمن البعث والوحدة وحسني الزعيم وما قبله.

حسناً، قد يكون هذا الأمر قد جرى التطرق له في عملية البحث عن أسباب قيام الثورة، الثورات في لحظتها الأولى، لكنه، ومثلما لم يجر تمحيصه بعمق والبحث في أسبابه البنيوية، كذلك فإن هذا العامل لم يفقد قدرته التفسيرية للحدث الحاصل.

ما حصل في مصر، ثورة تمتعت بحامل جماهيري، وهذه واحدة من أدوات الثورة، لكن وحدها لا تكفي، الاحتجاجات المطلبية قد تتمتع بمثل هذه النسبة من الحراك، وخاصة بعدما تبين أن هذا النمط الدولتي أعقد بكثير من أن يجري تفكيكه عبر الإتكاء على عنصر واحد من الحوامل الاجتماعية والسياسية. إذ يفترض أن هذا النمط الدولتي وعلى مدار عقود من الحكم والتسلط قد أنتج نظائره المؤسسية والفكرية وعمّقها بحيث أصبح تجاوزها يحتاج إلى ثورات مؤسسية دستورية سياسية اجتماعية طويلة.

في هذه الحالة، ليست ثمة أهمية تعتبر للوجوه والأسماء طالما هي تدور في ذات النسق، حيث ينعدم الفرق بين الإخوان المسلمين وجبهة الإنقاذ في مصر. ولو جربنا أن نفترض نظرياً وصول الثانية بدل الأولى الى الحكم، فالمنطق يقول أنه طالما سيتم إتباع الآليات والطرائق ذاتها فإن الأمور كانت ستصل إلى النتيجة ذاتها، المأزق. القصد أن الطرفين يحكمان وسيحكمان بالعدة ذاتها وأدوات الدولة المصرية الاستبدادية التي تقذف ماكينتها يومياً آلاف المهمشين الجدد، وتلجأ، لتبرير سلوكها وشرعنة إجراءاتها، إلى الإطار الديماغوجي، المصري، بتلوينات متعددة.

وفي الواقع، لم تطرح كل قوى الثورة العربية برامج مهمة لإحداث تغييرات مهمة في حقلي الدولة والسلطة، بل اتكأت على مشاركتها في الثورة ومساهمة مكوناتها فيها. وهذا العمل على أهميته النسبية، لا يضمن حصول تغييرات مهمة في طرائق الحكم وفي الرؤى والتصورات السياسية لضبط المجتمعات، بقدر ما يعكس شيئاً من التنظيم لهذه التنظيمات والمكونات ورغبتها في الوصول للسلطة. ما يحصر نتائج الثورات في صراع هذه الأطر على السلطة. وربما هذا ما يفسر لجوء حركة الإنقاذ المصرية للجيش من أجل إيصالها للسلطة، بعد أن فشلت في الوصول إليها عبر الآلية الديموقراطية. ومن دون التمعن في النتائج المترتبة على مخاطر هذا الانحراف، ودون الاهتمام، أيضاً، بعملية التنمية السياسية بما تعنيه من تطوير دائم للعملية السياسية وحقلها ومفاهيمها.

وإذ بدت الديماغوجيا الأداة الأكثر توافراً، والأكثر إمكانا للإستثمار، تجلى ذلك برفع شعار " الجيش حامي الوطن" في حين أن العملية السياسية، وثقافتها، كانت تستدعي الحذر الشديد من هذا الإقتراب بإعتباره يغامر بوضع الحياة السياسية في مرمى نيران الجيش، وكمقدمة لترويضها بحيث تصبح ممثلة للجيش أو دعوة لتوطينه في عملية الحكم وتحويله المكون الأساسي والحاكم في العملية السياسية برمتها. فهل ثمة تفسير لمثل هذا الخلل؟

يبدو أن الحوامل السياسية للتغيير لم تصبح جاهزة بعد، ثمة إعتبارات بنيوية تاريخية لا تزال تقف عائقاً في مواجهتها، وهذا قد يحتاج إلى صدمات عديدة وزمن أطول وبناء صحيح وصبور عبر تغيير النظم التعليمية والثقافية والقيمية مما ينتج بدوره ثقافة وقيما جديدة ستنتج بشكل بدهي نظائرها في العملية السياسية. ولحين الوصول إلى ذلك المنتهى ستمر البلاد بهبّات كثيرة، وعليها أن تعتبر أنها في مرحلة بناء ولم تصل بعد إلى المستوى المثالي الذي ننشده.

كاتب فلسطيني



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة