الجمعه ٢٠ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آب ١١, ٢٠١٣
المصدر: جريدة الحياة
المغرب: الملك ونهج المصارحة - محمد الأشهب
هل كان لقضية السجين الإسباني دانييل غالفان أن ترتدي الأبعاد التي اتخذتها، لولا أن الجرائم التي اقترفها ذات صلة باغتصاب أطفال وانتهاك كرامتهم، فالعفو الذي يعتبر من اختصاصات رئيس الدولة طاول متهمين ومتابعين قضائياً في ملفات عدة. لكن الشارع اهتز نتيجة الطابع الاستفزازي للأفعال المنسوبة إلى غالفان. ما يعني أن المجتمعات تقبل التساهل والتسامح، وحتى بعض أشكال المظالم التعسفية التي يحظرها القانون، لكنها مثل أي جسم يرفض السلوكات الدخيلة ويلفظها بقوة.

غير أن ما أثار الجدل ليس تمتع غالفان بعفو، سرعان ما أقر العاهل المغربي محمد السادس التراجع عنه، عندما أدرك أن خطأ جسيماً ارتكب عبر إقحام اسمه في قوائم العفو. ولكن الإجراءات المرتبطة بقرارات العفو، أبانت عن إمكان تسلل أسماء أو إقحام متابعين قضائياً، لا تنطبق عليهم مواصفات الدمج في قوائم العفو. وإذ يتزامن ذلك مع النقاش الدائر حول إصلاح منظومة القضاء وفق ما يضمن النجاعة والإنصاف وسرعة البث في الملفات، فإن ذلك يؤشر إلى أن الترسانة القانونية، مهما كانت دقتها وسلامتها ومدى ملاءمتها القوانين الدولية المتقدمة، لا تكفي وحدها للاطمئنان إلى سلامة الأحكام. بل إن قوة الضمير هي ما ينزع عن الأحكام القضائية أي اختلالات محتملة.

وإذا كان العفو عن غالفان فتح كتاب العفو، وتحديداً من خلال إقالة المندوب السامي لإدارة السجون الذي أبانت تحقيقات عن ضلوعه في ذلك الخطأ، فإن إصلاح منظومة القضاء أصبح يفرض نفسه في مستويين على الأقل، الارتقاء بالقوانين إلى ملاءمة التحولات، أما المستوى الثاني فإنه يطاول نزاهة الضمير الذي يمنح سلطة تقديرية للقاضي.

لا يبدو أن الموقف الذي التزمه العاهل المغربي سيكون بلا انعكاسات، أقله أنها المرة الأولى التي يتراجع فيها ملك البلاد عن قرار اتخذه، من دون أن يكون في صورة الأفعال التي ارتكبها أحد الذين شملهم العفو. وتفسح هذه السابقة في المجال أمام تفعيل الاتفاقات ذات الصلة باسترداد المطلوبين إلى العدالة، عندما يكونون أجانب أو يقيمون في بلدان خارجية. والحقيقة أن المغاربة مثل غيرهم لا يفكرون في أن تظل سجونهم مليئة بالمعتقلين، بقدر ما يهمهم أن تسري العدالة على من ارتكب جرائم اغتصاب طاولت الأطفال. وقد كان للاستقبال الذي خص به الملك محمد السادس ذوي الضحايا أثره البالغ في معاودة الاعتبار.

وأنها لمفارقة أن يكون المغرب أراد من خلال مبادرة العفو الاستجابة لمطالب جارته الإسبانية، فإذا به يسقط في فخ عفو غاب عنه التقدير الضروري في هكذا حالات. وكما انتفضت تنظيمات وفاعليات مدنية، على خلفية انتحار طفلة قاصر أرغمت على الزواج من مغتصبها، فقد خلف العفو عن مغتصب الأطفال ردود فعل غاضبة. ما يعني أن الشارع المغربي بات يضطلع بدور رقابة أكثر صرامة مما تمارسه كل الكتل النيابية في رقابة الحكومة. ولم يعد الأمر يقتصر على مناهضة سياسات غير عادلة، بل أصبح ينحو في اتجاه رفض أي قرارات أو التزامات تستفز المشاعر وتخدش الأخلاق. فالناس يمكن أن يتقبلوا ظلم الطبيعة، لكنهم لا يمكن أن يذعنوا لظلم القوانين الوضعية.

في المسائل الأخلاقية تحديداً تنتفي الخلافات وتتقارب وتنصهر الرؤى، ومن غير الوارد أن يتقبل أي بلد، مهما كان متسامحاً بقاء خارجين عن القانون طلقاء. لذلك فالكرة التي انفجرت في الملعب المغربي تدحرجت نحو إسبانيا التي أقرت متابعة المتهم دانييل غالفان، وفق الوقائع المنسوبة إليه، وأسهمت بذلك في رفع الحرج عن جارها المغربي الذي عاين كيف أن «مكافأة» في غير محلها، لم تخطئ العنوان فقط، بل صنعت موجة غضب عارم، يفيد بأن الدنيا ما زالت بخير، ما دامت الشعوب تحمي أخلاقها.

كان الأمر أشبه بهزة ارتدادية. غير أن السرعة التي واجه بها العاهل المغربي الموقف، عكست استمرارية سياسة الإصغاء إلى نبض الشارع، وقد ذهب بعيداً في مصارحة شعبه بأن أي جهة لم تطلع بأي شكل من الأشكال، وفي أي لحظة، على طبيعة الجرائم التي اقترفها الإسباني غالفان. والواقع أنه في ملفات ترتبط بإفادة آلاف الأشخاص من مبادرة العفو، من غير الوارد أن يتصفح الملك كافة الأوراق والمعطيات، ومسؤولية الأطراف التي تضمها لجنة العفو أن تكون أكثر دقة وأن تستشعر جسامة المسؤولية التي تقع على عاتقها. لكن الجانب الآخر من الصورة يعكس كيف أن قضايا عدة لا تقدم دائماً بوجهها الحقيقي، أو يتم الالتفاف عليها، بدافع الإهمال أو الخوف، ودلت وقائع التجربة التي اجتازها المغرب، على رغم محدوديتها أن التستر على الحاكم لا يكون مفيداً، بل قد يقحمه في مزالق. فالمصارحة تشكل ركناً محورياً في مفهوم الحوكمة الرشيدة، أكان ذلك على صعيد تدبير قضايا إستراتيجية، أو في نطاق الممارسات العادية التي قد تنقلب على أهدافها، في حال أخطأت العناوين.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
المغرب: زعيم حزبي يعد بعدم رفع الضرائب إذا تولى الحكومة المقبلة
المغرب: لجنة نيابية تصوّت اليوم على «تقنين» القنب الهندي
المغرب يعلن عن «استقبال استثنائي» لجاليته في الصيف
سياسي مغربي: الحزب المتصدر للانتخابات لن يتجاوز 80 مقعداً برلمانياً
«النواب» المغربي يناقش «تقنين زراعة القنب الهندي»
مقالات ذات صلة
الانتخابات المقبلة وضعف النقاش السياسي في المغرب - لحسن حداد
استياء مغربي من «تهجم على الملك» في قناة جزائرية
الجميع مستاء وسؤال المستقبل مطروح على المغرب - انتصار فقير
عن أزمة النخب السياسية في خطاب العاهل المغربي - بشير عبد الفتاح
الحركات الاحتجاجية المُطالبة بالتنمية تُوحَّد بين البلدان المغاربية - رشيد خشانة
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة