حفلت الساعات الماضية بتطوّرات متسارعة حيال الوضع السوري. وشكّلت المبادرة الروسية القاضية بالطلب الى نظام الأسد التخلّص من أسلحته الكيماوية مفاجأة، وبدت للوهلة الأولى مناورة مربكة للإدارتين الأميركية والفرنسية اللتين كانتا قد حسّنتا وضعيهما الداخلي والخارجي نسبياً في اليومين الأخيرين تحضيراً لعمل عسكري ما في سوريا. كما بدت طوق نجاة أو وسيلة كسب وقت للأسد الذي سارع بعد دقائق الى قبولها، متخلّياً بالتالي عن "التوازن الاستراتيجي" الشهير وعن أحد عناصر "المناعة الوطنية" الذائعة الصيت. لكن التدقيق بالمبادرة الروسية وبما يمكن أن يتبعها من مفاوضات وأحداث يشير الى "مخاطر" جديدة سيتعرّض لها النظام في دمشق ولو حالت المبادرة دون وقوع الضربة العسكرية الغربية عليه أو على الأقل أخّرتها قليلاً. فثمة أربعة أمور لن يمكن لمن يدخل في مبادرة من هذا النوع القفز فوقها. الأمر الأول ظهوره مظهر الضعيف المذعور من التهديد العسكري، الجاهز للتنازل عن عناصر قوة أو ابتزاز أساسية قيل إنه يتمتّع بها، وظلّ التداول بشأنها حتى قبل استخدامها في المقتلة في الغوطة واحداً من الأمور التي يتذرّع بها خصومه لعدم التعرّض له خوفاً من فقدان السيطرة عليها وتهديدها أمن "الجوار". وهذا سيفتح باب "التهديد الجاد" ضده واسعاً ليلزمه كلّ فترة بالتخلّي عن واحد من "امتيازاته" المرعبة الأخرى. والأمر الثاني تأكيد حيازته مخزوناً كبيراً من الأسلحة الكيماوية، مع ترك انطباع بالاعتراف الروسي الضمني (والإذعان الأسدي) بمسؤوليته عن استخدامها في 21 آب، والقبول بالتخلّص منها مقابل الإفلات من العقاب. وهذا يدفع الى القول بأن لا شيء يحول دون أن يكون الإفلات المذكور مؤقّتاً، ومعطوفاً على تسليم "سلاح الجريمة"! الأمر الثالث هو الاضطرار الى الدخول في مسار شائك، قد تكون خاتمته قراراً من مجلس الأمن وفق الفصل السابع يفرض كشفاً دولياً وتفتيشاً لمراكز تخزين الأسلحة الكيماوية، ويشكّل لجاناً عسكرية وقانونية ستشهد على الدوام تجاذبات وتحذيرات تبقي النظام الأسدي تحت الضغط والمراقبة لفترة لن تكون قصيرة. أما الأمر الرابع والأهم فهو أن مشروطية القبول بوقف التحضير لضربة عسكرية غربية أو تأجيلها قد تنصّ على إقران التفتيش واستلام الأسلحة الكيماوية وإتلافها بالتحقيق في استخدامها في الغوطة الشرقية، والطلب بموجب قرار أممي إحالة ملفّها الى محكمة الجنايات الدولية. وهذا إن حصل أو طُرح يُعدّ تغيّراً كبيراً في المعادلة السورية- الدولية القائمة منذ آذار 2011. التطوّرات في سوريا وحولها دخلت إذاً في دينامية تتولّد منها معطيات وطروحات متعددة. التهديد باستخدام القوة الأميركية – الغربية كان كفيلاً بإطلاق جانب منها وبإظهار حدود الغطرسة الروسية الايرانية الداعمة للنظام. أما الجانب الآخر، فقد أطلقه صمود السوريين والسوريات على مدى 900 يوم في وجه كل أنواع الأسلحة.
|