السبت ٢٨ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ١٠, ٢٠١٣
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
فكرة الضربة وما بعدها - ماجد كيالي
يبدو أن الضربة الاميركية للنظام السوري باتت بمثابة مسألة اميركية ودولية، أكثر من كونها مسألة سورية، لاسيما أن فكرة "الضربة"، وبغضّ النظر عن حصولها من عدمه، باتت تتجاوز سوريا، واللحظة التاريخية الراهنة، إلى إعادة تركيب النظام الدولي، وقواعد العلاقات الدولية، للعقود المقبلة.
 
والحقيقة فإن عرض الرئيس أوباما هذه المسألة على الكونغرس للبتّ فيها، متنازلاً عن صلاحياته، وتحوّل أعضاء الكونغرس لاستمزاج أعضاء دوائرهم الانتخابية، يعبّر عن نقلة "ثورية" في الحياة السياسية، وقواعد الديموقراطية، وعلاقة المنتخبين بالناخبين، لن يكون بإمكان أي رئيس تجاوزها في المستقبل. ولعل الاستقبال الذي حظيت به هذه الفكرة في البلدان الأوربية، أيضاً، يبشّر بذلك، ويدلّل على تطوّر الديموقراطية الليبرالية في هذه البلدان، وازدياد قوة المجتمعات المدنية فيها، بفعل تزايد شبكات التواصل الاجتماعي، التي أسست لمشاعر وقيم مشتركة فوق وطنية، وعالمية.

هذا يعني أن القرارات الكبيرة التي تمسّ حياة المواطنين، وضمنها شنّ الحرب على دول أخرى، لم تعد بيد الرئيس ولو كان منتخباً، ولا بيد الحكومات ولو كانت منتخبة، وإنما في يد ممثلي الشعب، الذين لابد أن يأخذوا في الاعتبار آراء ناخبيهم ومصالحهم. كما يعني ذلك أن إعادة تجربة صعود قادة منتخبين، من نمط هتلر، والتي دفعت اثمانها أوروبا باهظاً، باتت متعذّرة، وربما مستحيلة.

التراجيديا السورية وضعت النظام الدولي، أيضاً، أمام تحدّي العمل وفق قواعد "الشرعية"، التي تجنّب نظاما ما المساءلة، أو العمل وفق القيم الأخلاقية، التي توجب، مثلاً، وضع حدّ للمأساة السورية المستمرة منذ ثلاثين شهراً. وقد كشفت هذه التراجيديا أن مفهوم السيادة، الذي تشتغل وفقه الأمم المتحدة، ينطوي على ثغرات، ففي حين يعتبر الشعب مصدر السلطات، في معظم الدول، فإن القانون الدولي يقصر السيادة على الدولة، ممثلة بالسلطة الحاكمة، وهذا ينتج عنه عجز المجتمع الدولي عن التدخّل لحماية أي شعب من عسف النظام الذي يتحكّم به، بخاصة إذا تعمّد استخدام القوة المفرطة ضد شعبه، لاسيما بالطائرات والدبابات والمدفعية.

الراجح أن ارتدادات الحدث السوري ستحض على تصحيح هذا الخلل في مفهوم السيادة، وإنضاج مبدأ التدخّل الإنساني، وإصلاح نظام التصويت في مجلس الأمن.

والواقع فإن مأثرة الثورة السورية، على عفويتها ومشكلاتها وثغراتها، وفائض التراجيديا الكامن فيها، أنها باتت بمثابة حدث عالمي، وأنها عزّزت من حيث لاتحتسب مفهوم الديموقراطية، وساهمت في ضبط نزعة الحكام لشن لحروب، وصدّعت بنية النظام الدولي المتقادمة، وهذا كله يحدث على رغم حالتها المأسوية، ومكابدتها في سبيل تحقيق أهدافها.
 
كاتب فلسطيني



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة