الأثنين ٣٠ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ٢٣, ٢٠١٣
المصدر: جريدة الحياة
هل اليهود والنصارى كفار؟ - علي العبدالله
يسود بين المسلمين فهم مجمل لموقف الإسلام من اليهود والنصارى (المسيحيين) منطلقه اعتبارهم كفاراً. وهذا يستدعي، وفق القراءة السلفية للنص الديني، مقاطعتهم وعدم التعامل معهم، بل محاربتهم، من دون نظر في جذر القضية وسياقها وتبعاتها.
 
فهل هم كفار بالمطلق أم ثمة فارق بينهم وبين الكفار الذين ينكرون الوجود الإلهي والميعاد والرسالات السماوية؟
 
ينطوي الرأي السائد بين المسلمين على سوء فهم وسوء تقدير في آن، حيث أن الإسلام قد اعترف بكل الأديان الأخرى، السماوية، وغير السماوية كذلك. قال تعالى: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» (البقرة: 285). واعتبر اتباعها مؤمنين بقوله: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» (البقرة:62). وقوله: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» (المائدة: 69). أو قوله عز من قائل: «إِن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد»(الحج:17).
 
لكنه مــــع ذلك لم يتغــــاض عمــــــا حصل بين اتباع الأديـــان السماوية بخاصة من تحول في موقفهــــم فــــي قضية بالغة الأهمية والخطورة بالنسبة للإيمان: الألوهية، وتصورهم لطبيعة الإله وانعــكـــاسه على عقيدة التوحيد. فقد انتقد اعتبار اليهــــود عزيــــراً ابن الله، والنصارى المسيح ابن الله: «وقالت اليهود عزيـــر ابـــن الله وقالــــت النصارى المسيح ابن الله ذلك قـــــولهم بأفواههم يضــــاهئون قول الذين كفروا من قبــــل قاتلهـــم الله أنى يؤفكون»(التوبة:30). وكذلك اعتقاد بعض النصارى بعقيدة التثليث: «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من اله إلا اله واحد وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم» (المائدة: 73)، أو اعتبار بعضهم أن الله هو المسيح: «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم» (المائدة: 17 و72).
 
واقع الحال أن اليهود والنصارى لا يختلفون عن المسلمين في أصول العقيدة (الألوهية، الميعاد، الرسالة) بل يتطابقون معهم فيها، فهم يؤمنون بوجود اله واحد، وبيوم الحساب/ القيامة، وبرسالة سماوية، وهي الأقانيم الثلاثة التي تجعل الإنسان مؤمناً بالمطلق، ثم يأتي الانتماء إلى رسالة سماوية محددة (رسالة موسى أو عيسى في حالتي اليهود والنصارى).
 
غير أن الأمر لم يقف عند هذه الأصول حيث حصل ما أشرنا إليه أعلاه بخصوص طبيعة الألوهية، إن لجهة تجسيدها في شخص (عزير بالنسبة لليهود والمسيح بالنسبة للنصارى) أو لجهة اختلاط واضطراب في طبيعة التوحيد نجم عن التعاطي مع مسألة دقيقة وحساسة، وفوق قدرة كثير من البشر على تصورها وتقبلها: ولادة إنسان من أم لم يمسسها بشر وتمتعه بقدرات كثيرة: شفاء المرضى، بعث الموتى، معرفة الغيب، مع تواضع قدرة المجتمعات آنذاك على التجريد، ومحاولة تفسيرها لتلك الولادة والقدرات وتبريرها عبر تصور فلسفي أساسه التجسيد أو الحلول.
 
وهنا توالدت نظريات عن طبيعة المسيح، وعقدت مجامع مسكونية عدة (أفسس، خلقيدونية، نيقية، القسطنطينية ..الخ) لمناقشة القضية، لعب فيها القياصرة دور المرجح (نسب إلي الفيلسوف المسلم أبي الريحان البيروني قوله: تروّمت النصرانية ولم تتنصر روما)، صدرت عنها قوانين للإيمان المسيحي انقسمت في ضوئها الكنائس بين شرقية وغربية، بين قائلة بطبيعة واحدة: إنسان، مخلوق (آريوس)، وقائلة بطبيعتين: اله وإنسان من دون امتزاج أو اختلاط (الأقباط)، وقائلة بطبيعة واحدة: اله بعد حلول اللاهوت/الله في الناسوت/ عيسى (الكنائس الغربية).
 
أحدث هذا التحول في نظرة اتباع اليهودية والمسيحية إلى الإله وطبيعته تشوشاً وخللاً في عقيـــدة التوحيد، ما استدعى نزول رسالة سماوية جديدة لــــيس للدعوة إلى الإيمان بوجود خالق ويوم حساب ورسل من جديد، وهي نقاط حسمتها الأديان الســــابقة، بل لإعادة الأمور في قضية التوحيد إلى جادة الصواب وتكريس وتعميق فكرة الإله الواحد القادر المنزّه: «قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد»، لما لذلك من أثر على الحــــياة الاجتماعية والعلاقات بين الناس. فالتسليم بإله واحــــد أساس للمساواة بين البشر لأنه ينفي وجـــــود آلهة أو أنصاف آلهة من البشر ويؤسس لندية اجتماعية، وسياسية كذلك، ويحرر البشر من الخضوع لبـــشر مثلهم بدعوى التميز والعلاقة الخاصة بالإله عبر الحلــــــول أو التجسد أو التقمص وينفــــي القــــداسة عــــن مطلق إنسان. واختير لحملها شعب من الأمييــــن، لم يسبق أن نزلت فيهم رسالة، كي لا تخــــتلط الدعوة الجديدة بالثقافة الدينية المشوهة.
 
فرضت عملية إعادة الأوضاع إلى نصابها الرد على التحول الذي حدث في عقيدة التوحيد على أيدي اليهود وبعض النصارى فنزلت آيات قرآنية في الموضوع، آيات دقيقة وموجزة ومكثفة. نلاحظ دقة القرآن الكريم حين ناقش القضية حيث انطوى حديثه عن موقف النصارى على إشارة إلى وجود مواقف من القضية حيث قال: «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم» و «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة»، ولم يقل كفر النصارى بالمطلق، بينما في حالة اليهود هناك إجماع حول اعتبار عزير ابن الله فقال: «قالت اليهود عزير ابن الله»، فرضت دعوة أصحاب هذه المواقف إلى العودة إلى ما جاء في رسالتي موسى وعيسى عليهما السلام والتي لا تختلف، كما أسلفنا، عما جاء في رسالة محمد عليه السلام بخصوص أصول العقيدة، والتخلي عن التصورات المغلوطة حول طبيعة الذات الإلهية.
 
وهذا استدعى من الرسالة الجديدة عرض هذه المواقف وأخذ موقف واضح منها لكنها لم تتجاهل المشترك الإيماني معهم (الألوهية والميعاد والرسالة) فاعتبرت المواقف المستجدة طارئة وغير جوهرية ووصفت تبنيها بالكفر لكنها لم تعتبر أتباعها كفاراً مثل الذين ينكرون الوجود الإلهي والميعاد والرسالة قالت الآية «كفر الذين قالوا»، أي اقترفوا ذنب الكفر، ولم تقل إنهم كفار، ودعتهم إلى العودة عن هذا الموقف والانحياز إلى التوحيد الخالص، التوحيد المنزه. كما جعلت محاسبتهم أخروية يوم الحساب، قالت الآية: «إِن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد» (الحج: 17). وقالت: «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من اله إلا اله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم» (المائدة: 73). ولم تدعُ إلى مقاطعتهم أو مفاصلتهم، قالت الآية: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» (الممتحنة: 8) وفي آية أخرى: «وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين» (الأنعام: 68).
 
إذن الله يفصل بين أصحاب المواقف المتناقضة في الإيمان أو في بعض جزئياته ويعاقب المنكر وفاسد الإيمان، وليس من حق أحد محاسبتهم في الدنيا ما لم يقعوا في جرم الحرابة، كما شرّع لاستمرار العلاقة مع اتباع هذه الأديان والتعاون معهم واعتزال مجالسهم فقط إذا كانوا يتحدثون عن آيات الله عز وجل بسوء حتى يغيروا الحديث، أما في الحالة الاعتيادية فعلاقات إنسانية طبيعية في خدمة الإنسان كإنسان بصرف النظر عن عقيدته الدينية والمذهبية.
 
* كاتب سوري.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة