فوق المدخل الرئيسي للقاعة، التي ضمت ممثلي المنتدى الاقتصادي الدولي في مدينة سانت بطرسبرج، يافطة ضخمة تحمل صورة نسر برأسين، شعار الامبراطورية الروسية. الرئيس فلاديمير بوتين الذي خدم في المانيا الشرقية كرئيس لجهاز الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي)، دفعه انهيار الاتحاد السوفياتي، سنة 1990، الى تسلق المرحلة الانتقالية بطريقة أعادت الى روسيا دورها الريادي في التوازن الدولي.
ساعد بوتين على تثبيت هذا الدور التردد الذي أظهره الرئيس الاميركي باراك اوباما خلال ولايته الأولى. ذلك أنه قرر الانسحاب من العراق وأفغانستان على أمل استرجاع ثقة الشعوب العربية والاسلامية التي خيَّب جورج بوش الابن آمالها.
ومن المؤكد أن موجة الثورات في العالم العربي ساهمت في إضعاف النفوذ الاميركي الذي حاول اوباما توظيفه من أجل حلّ الخلاف التاريخي بين العرب واسرائيل. وكان من نتيجة تلك الانتفاضات الشعبية أن تم إسقاط عدد من الحكام الذين عُرِفوا بتحالفهم مع واشنطن. كما تسببت أيضاً في زعزعة العلاقات بين الولايات المتحدة والأنظمة التي صمدت أمام "الربيع العربي".
أثناء ولايته الأولى عيَّن الرئيس اوباما السناتور جورج ميتشل مبعوثه الخاص الى الشرق الأوسط. كل هذا كي يؤكد التزام الادارة الجديدة بمسيرة السلام الفلسطينية-الاسرائيلية. وكانت غايته من وراء تحريك تلك العملية المجمَّدة اختطاف القضية الفلسطينية من ايران التي إستغلتها لكسب مشاعر الناقمين العرب. وتصوَّر اوباما أن نجاح مبعوثه في ترميم جسر المصالحة يمكن أن يُعيد ثقة الشعوب العربية والاسلامية بسياسة اميركا الخارجية. ولما وضع ميتشل تقريره المفصَّل حول ضرورة وقف عملية الاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربية، سارعت اسرائيل الى ممارسة ضغوطها التي إنتهت باقصاء المبعوث الخاص.
مع تمديد حكم اوباما لولاية ثانية، تصاعدت في الولايات المتحدة الدعوة الى ضرورة تخلي الادارة عن التزاماتها الدولية، وخصوصاً حيال الشرق الأوسط. كذلك إرتفعت في الكونغرس أصوات تطالب اوباما بأهمية حصر جهوده بمعالجة الشؤون الداخلية، وأن يتقاسم العبء الأمني مع حليفاته الاوروبيات، وأن يبتعد عن ساحات الحروب الخارجية، إلا في حالات استثنائية.
وترى روسيا، شأن غيرها من دول العالم، أن مركز القوة العالمية ينتقل تدريجياً الى الشرق، وأن صعود الصين يتم على حساب ضمور قوة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. ومن أجل دعم امكانات بيجينغ بادرت موسكو الى مدّ انبوب نفط عبر سيبيريا لتصدير النفط الى الصين. علماً أن هذه الصادرات لا تزيد على ستة في المئة من إجمالي واردات الصين. وفي ظل هذا التعاون تدخلت الدولتان أكثر من أربع مرات لتمنع مجلس الأمن الدولي من إتخاذ قرار يسمح باستخدام القوة العسكرية ضد نظام بشار الأسد.
أثناء وجود المفتشين الدوليين في دمشق، وحصول الهجوم الكيميائي على مناطق خاضعة لسيطرة الدولة، هدد الرئيس الاميركي اوباما بضرب المنشآت العسكرية السورية. وقبل أن ينفذ تهديده، تدخلت موسكو لاقناع واشنطن بأن المطلب الاميركي سيتحقق بالطرق السلمية، لا بالطرق الحربية التي أنهت نظام معمر القذافي.
مقابل تراجع واشنطن عن الخيار العسكري، حصر بوتين إقتراحه الأول ببندَيْن يتعلق أولهما بوضع آليات للرقابة الدولية على المخزون الكيميائي تمهيداً لنقله الى مكان آمن والشروع في تدميره. بينما يقضي البند الثاني بضرورة إتخاذ الاجراءات اللازمة لانضمام سوريا الى منظمة حظر السلاح الكيميائي والتوقيع على الوثائق الدولية التي تحرِّم إستخدام هذا السلاح. ومن تدخل بوتين وُلِدَت نتيجة إيجابية لحوار جديد بين الولايات المتحدة وروسيا ممَثلتَيْن بوزيرَيْ الخارجية جون كيري ونظيره سيرغي لافروف.
ولاحظ المراقبون أن الرئيس بوتين كشف في تصريحاته عن بعض الأسرار المهمة المتعلقة بموضوع السلاح الكيميائي. قال "إن سوريا تمتلك مخزوناً من السلاح الكيماوي يُعتبر، بالنسبة لهذا البلد، العتاد المقابل للسلاح النووي الاسرائيلي".
وكان بهذا التصريح يشير الى الدور الذي لعبته بلاده في تأمين مخزون كيميائي ضخم بهدف موازنة السلاح النووي الاسرائيلي.
وبالتزامن مع استخدام السلاح الكيميائي، أطلقت البحرية الاسرائيلية صاروخين ذكِر أن المضادات الروسية في ميناء طرطوس هي التي أسقطتهما قبل وصولهما الى الهدف المجهول. في حين إدَّعت البحرية الاميركية أنها هي التي فجرتهما في الجو خشية تدخل القوات الاسرائيلية في الحرب. وهكذا ضاعت تفاصيل هذين الصاروخين في زحمة البحث عن مطلق السلاح الكيميائي. في كلمة أخرى، إعترف بوتين أنه ناقش موضوع الكيميائي السوري مع اوباما في قمة سانت بطرسبرغ، وأنه إتفق معه على نقل هذه الترسانة الى السيطرة الدولية.
وبما أن واشنطن لم تُكَذب هذا الادعاء، إعتبرت الأسرة الدولية أن تهديد اوباما، بتوجيه ضربة عسكرية الى المنشآت السورية، لم يكن قراراً صادقاً... وأن تعهد بوتين بازالة السلاح الكيميائي السوري مقابل تجميد الضربة الاميركية: هذه المناظرة المفتعلة لم تكن في نظر المطلعين سوى مسرحية سياسية إتفق الرئيسان على إخراجها وتمثيلها بطريقة مقنعة لجمهور المتفرجين.
في ضوء كل هذا، فان التسوية التي يتحدثون عنها الآن كانت المخرج الأفضل لكل الأطراف. فهي جيدة لروسيا كونها تثبت مكانتها كقوة دولية عظمى شبه مساوية لقوة الولايات المتحدة. وهي جيدة للرئيس اوباما كونها حررته من عبء الكونغرس ومنعته من التورط في حرب لا يريدها.
وهي جيدة لبشار الأسد كونها منحته الفرصة الكافية لتفسير الاتفاق حسبما يريد. خصوصاً أنه لا يضع مخططاً لانهاء الحرب الأهلية أو استبدال النظام بنظام آخر يحكمه الائتلاف المعارض. أو على الأقل فرض عقوبات أو هدنة مؤقتة.
إن العقوبات الوحيدة التي يذكرها الاتفاق تتناول الوضع الذي يرفض فيه الأسد الوفاء بتعهداته. عندها قد يتدخل مجلس الأمن لفرض عقوبات في إطار المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة. ولكنه ليس من المؤكد تمرير مثل هذا القرار لأن روسيا لا توافق البتة على التفسير الاميركي. وبما أنها تملك حق النقض (الفيتو) كالصين، فان سوريا تشعر بأنها محصنة ومصونة. في تصريحه الأخير الى "فوكس نيوز" إعترف بشار الأسد بالتزامه حيال الاتفاق. وأعرب عن رغبته في التخلص من الأسلحة الكيماوية، وعن إستعداده لتسليمها الى أي بلد لا يمانع في المخاطرة بأخذها.
ولما سئل عن إحتمال نقلها الى الولايات المتحدة، قال إن الأسلحة الكيميائية ضارة جداً بالبيئة، وإنه يشك في إستعداد الادارة الاميركية لتحمل مسؤولية نقل مواد سامة الى بلادها. وعن المدة التي تستغرقها عملية نقل المواد السامة من سوريا، قال الأسد إنها تحتاج الى سنة على أقل تقدير، وإن تكاليف النقل لا تقل عن مليار دولار.
ويُستنتج من الرسائل الرمزية التي أرسلها الأسد بواسطة تصريحه، أن التكاليف يجب أن تدفعها الولايات المتحدة مع حلفائها المهتمين بالتخلص من المواد السامة. كذلك أعطى نفسه فترة سنة للاشراف على إنجاز هذا العمل المضني.
يوم الأربعاء الماضي إحتفل بشار الأسد بعيد ميلاده الثامن والأربعين. وأوحى لشلة الأصدقاء، الذين شاركوه هذه المناسبة، أن سنة 2014 ستشهد نهاية ولايته، وبداية مرحلة جديدة خالية من السلاح الكيميائي.
وكان بهذا الكلام يهزأ من سذاجة الاميركيين الذين تراجعوا عن ضربه وإسقاط نظامه مقابل التخلي عن مواد لن تقبل الدول بتخزينها ما عدا روسيا التي وفرتها. وهو يتوقع تراجع "الائتلاف الوطني السوري" أمام الزحف الخارق الذي تحققه عناصر "القاعدة" و"جبهة النصرة." وعليه يرى أن إرهاب الاسلاميين سيدفع الاميركيين للمطالبة ببقائه واستمرار نظامه، كونه الحاكم الوحيد في الدول العربية الذي راهن على الخيار الروسي. في حين خذل باراك اوباما صديق اميركا الرئيس حسني مبارك، مثلما سيخذل النظام العسكري المصري الذي يحاول الاعتماد عليه في نزاعه مع "الاخوان المسلمين".
كاتب وصحافي لبناني |