لا أعرف إن كان "مؤتمر جنيف2" سينعقد أم لا، ولا استطيع التكهّن بنتائجه في حال انعقاده، فهذا يعتمد على موازين القوى، ولاسيما على إرادات الفاعلين الدوليين والإقليميين، بعد أن انتقلت الحالة من الصراع في سوريا إلى الصراع عليها. مع ذلك يجدر التعاطي مع مؤتمر كهذا، من قبل المعارضة السورية، بخاصّة أنها غير قادرة على فرض ماتريده بقواها الخاصّة، وأنها بحاجة إلى تعاطف الآخرين، بل دعمهم لها. والقصد أن المعارضة معنية بإبداء مرونة تقتضيها أبجديات العمل السياسي، لاسيما أنها لم توضّح كيفية إسقاط نظام الأسد، مع ضعف امكاناتها، أو تصوّرها للنظام السياسي البديل، بعد ثلاثين شهراً على اندلاع الثورة، رغم كل تضحيات السوريين ومعاناتهم.
وكانت هذه المعارضة ممثلة بـ"الائتلاف الوطني"، رفعت شعار "إسقاط النظام" وتوقّفت عنده، كأنّها أصيبت بعدوى "الخطاب الخشبي"، الذي عرف به النظام الأسدي، ما أضرّ بصورتها وبصدقية طروحاتها لدى السوريين، وفي الرأي العام العالمي، فاقم منه تصدّر جماعات "القاعدة"، وخطاباتها المتطرّفة، المشهد السوري.
الآن، وبحسب الأخبار المتداولة، يبدو أن رئيس "الائتلاف"، احمد الجربا، أحدث خرقاً في هذا المشهد، بتقديمه رسالة إلى مجلس الأمن الدولي تؤكد استعداد المعارضة للمشاركة في "مؤتمر جنيف2"، باعتباره يتضمن تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، تؤدّي إلى رحيل نظام الأسد. وكان "الائتلاف"، قبل أيام، أقدم على خطوة أخرى لاتقل أهمية عن هذه، بإصداره بيان أكد فيه خروج تنظيم "القاعدة" ("داعش") من إطار الثورة، وتناقضه مع المبادئ التي تسعى إليها، رغم أنها خطوة تأخّرت كثيراً.
لم يعد خافياً على أحد أن ثورة السوريين تعاني كثيراً جراء الافتقاد للقيادة وللاجماعات الوطنية، والضعف الناجم من تصدّع البني المجتمعية، ومن التقتيل والتدمير في الجسم السوري، ما يجعل من مسؤولية المعارضة البحث عن اية فرصة لوقف هذه المسارات الكارثية.
قد لايرضي هذا الكلام بعض المعارضة، التي تعيش على التوهمات والرغبات، بعيداً عن الواقع، والتي لاتنتبه إلى موازين القوى، والمعطيات العربية والدولية، وللحال المأسوية التي وصل اليها السوريون. ولعل ما ينبغي أن يدركه هؤلاء أن استنقاع الوضع السوري ليس في مصلحة الثورة ولا شعبها، وأن مجرد رفض أية تسوية يساهم في إطالة عمر النظام، وإطالة أمد معاناة السوريين، ويعزل الثورة، بخاصّة إنها لا تستطيع اسقاط النظام بقواها الذاتية. وما ينبغي ان يدركه هؤلاء، أيضاً، أن السوريين اثبتوا ماعليهم اثباته، فقد انتهت حقبة "سوريا الأسد" إلى الأبد، وبات من مسؤولية المعارضة، في غضون ذلك، أن تتأكد أن لايسقط "النظام" على رؤوس السوريين.
|