الثلثاء ٣١ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ٢٩, ٢٠١٣
المصدر: جريدة الحياة
هل من خيار آخر فعلي سوى التدخل الأميركي؟ - عمر قدور
بات شائعاً القول إن المعارضة السورية تستجدي، من دون جدوى حتى الآن، التدخلَ الأميركي لحسم معركتها مع النظام. شيوع هذه المقولة، وعدّها بمثابة تهمة أو نقيصة، لم يعودا يقتصران فقط على حلفاء النظام وجماعة الممانعة، بل تعداهم إلى كثير ممن ينتقدون أداء المعارضة التي تبدو وفق هذا المنظور عاجزة عن إيجاد البدائل عن الدور الأميركي المفترض. فهل هناك فعلاً خيارات أخرى لدى المـعارضة سـوى التعـويل على الدور الأميركي؟

لنستبعد أولاً الشعارات التي يطلقها بعض المعارضين في لحظات غضب من الموقف الأميركي، والتي تنص على الاعتماد أولاً وأخيراً على الشعب السوري، إذ من المؤكد أن الاعتماد ينبغي أن يكون أولاً على الحراك الشعبي، لكن هذا يبقى بمثابة شرط لازم وغير كافٍ، وإلا كانت الثورة المستمرة منذ سنتين ونصف سنة قد حققت أهدافها بقواها الذاتية. الكلام عن دعم لا محدود يتلقاه النظام من حلفائه لتبرير العجز عن إسقاطه لن يكون مفيداً، لأن السوريين منذ انطلاق ثورتهم كانوا يعون المدى الذي يمكن أن يبلغه الحليف الإيراني تحديداً، وأيضاً لم تكن لديهم أوهام في خصوص إمكانية تخلي الروس عن النظام السوري، وإن لم يتوقعوا مقدار الفظاظة الذي وصل إليه نظام بوتين.

إذاً كانت دعوات عقلانيةً مبكرة من المتظاهرين في الأشهر الأولى للثورة أن يطالبوا بالتدخل الخارجي وبمناطق حظر جوي، وإن أتت على مثال النموذج الليبي فهذا لا ينتقص منها لأن الوعي السوري استشرف من حينها أن النظام لن يتورع عن ارتكاب أضعاف ما ارتكبه القذافي من فـظاعات. سيكون وصم أولئك المتـظاهرين بالسـذاجة نوعاً من التعالي، أو بالأحرى العنصـرية الفـكرية، لأن عـدم استجابة المجتمع الدولي لصرخاتهم لا يعني قصوراً منهم عن فهم السياسة، أو قلة حرص على بلدهم وفق الفـهم الـذي راح العروبيـون يشـيــعونه في أثنـاء الـحـديث عن الـضربة الأميـركية المزعومة.

أولاً، يعي السوريون أكثر من غيرهم أن تدخلاً دولياً حاسماً هو الوحيد الذي يضمن تقصير أمد الحرب، بالتالي التقليل من الكلفة الباهظة على الصعيدين البشري والمادي، أي أن المطالبة به تأتي تماماً من ضمن الحرص على مقومات بقاء البلاد، فضلاً عن أن التدخل الخارجي سيضمن إلى حد كبير عدم الانفلات الأمني في بلد يعاني نسيجه الاجتماعي من التهتك، ووفق التـوقعات الـسلبية المتداولة، من المرجح أن يكون صمام أمان إزاء الحرب الأهلية.

ذلك يقودنا إلى المأخذ الأول، وهو اتهام السوريين بالقصور عن فهم السياسة الدولية، ففي الواقع لم يكن أشد المتشائمين بها يرى أن المجتمع الدولي سيسمح بعد العقوبات المتتالية على نظام الأسد، بالتمادي إلى حد استخدام الأسلحة الإستراتيجية ومنها الأسلحة الكيماوية. كما نعلم، سيكون من السهل دائماً لوم الآخرين عندما تخيب توقعاتهم، ومن السهل العثور على المقدمات التي تشي بالنتائج بعد أن تصبح أمراً واقعاً، ودائماً بصرف النظر عن المتغيرات التي حدثت بين الاثنتين.

المسألة الجوهرية في علاقة السوريين بالخارج هي أن القوى الإقليمية والدولية التي لم تكن لها يد في اندلاع الثورة أصلاً، ليست قادرة على وقفها، لكنها قادرة بالتأكيد على عدم تمكينها من النصر. القوى الغربية تحديداً لم تكتفِ بعدم الاستجابة لمطالب التدخل المباشر، بل منعت عن الثورة فرص تحقيق تكافؤ ميداني مع النظام من خلال الحصول على أسلحة دفاعية نوعية. أما التكافؤ النسبي الحاصل حالياً، والذي لا يتيح للنظام تحقيق نصر حاسم، فمردّه إلى الانتشار الأفقي لبقعة الثورة وعدم قدرة ما تبقى من الجيش النظامي على فرض سيطرة مستدامة إلا على المناطق الموالية.

إن خشية الإدارة الأميركية من نصر حاسم للثورة، ومن اليوم التالي، حالت دون تقديم عون ذي مغزى للثوار، في الوقت الذي يتعزز فيه أن تبديد المخاوف الأميركية لن يكون ممكناً إلا عبر تدخل دولي قوي. لقد أتت مسودة «جنيف 1» تعبيراً عن المخاوف الأميركية تحديداً، وهي تتقاطع مع المطالب الروسية بالإبقاء على النظام باستثناء الخلاف حول ما يُسمى «عقدة الأسد». وبات واضحاً قبول المعارضة بتسوية من خلال «جنيف 2» تضمن فقط رحيل الأسد والرموز الأمنية للنظام، أي أن شعار «إسقاط النظام بكل رموزه وأشكاله» صار برسم التحول الديموقراطي المنشود. غير أن تصور الخاتمة السعيدة لـ «جنيف 2» يكاد أن يكون مستحيلاً ما دام الابتزاز الروسي قائماً، وما دامت المراهنة على سلبية الإدارة الأميركية أقوى منه.

سيكون مخالفاً لكل ما خبرناه أن تقبل رموز النظام المتورطة بالدم، التنحي والرحيل طوعاً، كما سيكون تسويفاً وهدراً للوقت والدماء أن ينعقد «جنيف 2» بلا إرادة دولية حقيقية لفرض التسوية المقبولة داخلياً وخارجياً، طبعاً باستثناء النظام وحلفائه. المراهنة على إحراج الروس في المفاوضات هي بدورها كالمراهنة على تنحٍّ طوعي للنظام، وأمام هذا الوضع يصعب تخيّل حلّ قابل للتنفيذ ما لم يكن مشفوعاً بالقوة أو بالتهديد الجاد بها. ثم إن أي تسوية قابلة للتنفيذ ستكون متعثرة ما لم تترافق بالتزام دولي قوي، وربما بقوات دولية لحفظ السلام.

من السهل حتى الآن تبرير السلبية الأميركية باعتبارات المصلحة القومية، لكن هذه التبريرات تنزع عن أميركا صفة الدولة العظمى، تماماً كما يتهم الغرب روسيا بأنها لا تتصرف كدولة عظمى. وإذا كانت موسكو تتذرع بالبنود التي تحترم سيادة الدول في ميثاق الأمم المتحدة، متجاهلة البنود التي تنزع صفة السيادة عن الحكومات التي ترتكب جرائم ضد الإنسانية، فإن الإدارة الأميركية تتجاهل مسؤوليتها كقوة عظمى في تطبيق روح القانون الدولي وواجبها في حماية الأمن والسلم، أو على الأقل إتاحة الفرصة أمام المدنيين السوريين للدفاع عن أنفسهم.

المسألة ليست أخلاقية فحسب؛ مسؤولية فرنسا وبريطانيا وفي المقدمة أميركا تجاه السوريين الذين يتعرضون للإبادة مسؤولية قانونية أيضاً، بحكم تمتع هذه الدول بالعضوية الدائمة لمجلس الأمن، أما التخلي عن هذه الواجبات فيكاد أن يدفع إلى الحنين إلى عهد عصبة الأمم وما تضمّنه ميثاقها من بنود تتعلق بالوصاية والانتداب!.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة