الأربعاء ١ - ٤ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تشرين الأول ١, ٢٠١٣
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الإخوان المسلمون والسعودية - سعود المولى
لا يمكن فهم التطور الذي حصل داخل التيار العام للحركة الإسلامية العربية في إتجاه السلفية المتشددة ، إلا بالعودة إلى قراءة العلاقة الملتبسة التي نشأت بين الإخوان المسلمين من جهة والسعودية بشقيها الرسمي الملكي والدعوي الوهابي من جهة ثانية.
 
عند قيام التجربة السعودية الوهابية الجديدة بقيادة الملك عبدالعزيز آل سعود، عمل هذا الأخير على إستمالة الرأي العام الإسلامي ومفكريه لتدعيم شرعيته الإسلامية خصوصاً في ظل تجاوزات الوهابية السابقة ضد العراق والكويت وضد الحجازيين، وفي ظل الصراع مع اليمن. وبحسب زكريا سليمان بيومي فإن عبد العزيز سعى لإستمالة بعض الكتاب من التيار السلفي المصري (رشيد رضا ومجلته "المنار"، محب الدين الخطيب ومجلته "الفتح") إلى جانب بعض مشايخ الأزهر وحتى بعض زعماء الطرق الصوفية من أمثال الشيخ محمد ماضي أبو العزايم.. وقد إتصل بالسيد رشيد رضا وبالأمير شكيب أرسلان اللذين صار لهما مكانة خاصة عند عبدالعزيز... وكان رشيد رضا مدافعاً عن الوهابية متبنياً لها وللدولة السعودية الناشئة. وقد أصدر لاحقاً مقالاته في "المنار" في الدفاع عنها في كتاب بعنوان "الوهابيون والحجاز".

وكان حسن البنا شديد التأثر في مطلع عهده بسلفية مجلتي "المنار" و"الفتح". وهو يقول في ذلك: "كما كان ينّفس عن نفسي التردد على المكتبة السلفية. حيث نلتقي الرجل المؤمن المجاهد العامل القوي العالم الفاضل والصحفي الإسلامي القدير السيد محب الدين الخطيب. كما نتردد على دار العلوم ونحضر في بعض مجالس الأستاذ السيد رشيد رضا. " كما أن البنا تولى إصدار الأعداد الأخيرة من "المنار" قبل توقفها النهائي.

وبحسب البنا نفسه فإن مستشار الملك عبد العزيز "فضيلة الشيخ حافظ وهبه حضر إلى القاهرة رجاء إنتداب بعض المدرسين من وزارة المعارف ليقوموا بالتدريس في معاهدها الناشئة. وإتصل الشيخ حافظ وهبه بجمعية الشبان المسلمين لتساعده في إختيار المدرسين، فاتصل بي السيد محب الدين الخطيب وحدثني في هذا الشأن فوافقت مبدئياً"... وجاءه بعد ذلك خطاب من الدكتور يحيى الدرديري المراقب العام للجمعية بتاريخ 6 تشرين الثاني سنة 1928 يدعوه للحضور "لمقابلة صاحب الفضيلة الأستاذ حافظ وهبه مستشار جلالة الملك إبن سعود للإتفاق معه على السفر وشروط الخدمة للتدريس في المعهد السعودي بمكة... وفي الموعد إلتقينا وكان أهم شرط وضعته أمام الشيخ حافظ ألا أعتبر موظفاً يتلقى مجرد التعليمات لتنفيذها، بل صاحب فكرة يعمل على أن تجد مجالها الصالح في دولة ناشئة هي أمل من آمال الإسلام والمسلمين وشعارها العمل بكتاب الله وسنة رسوله وتحري سيرة السلف الصالح"... ولا نعرف السبب الحقيقي لتعثر هذا المسعى للتدريس في الدولة الناشئة! ومع أن البنا يعيد الأمر إلى تعقيدات بيروقراطية إلا أن المعروف أنه جرى إنتداب الأستاذ إبرهيم الشورى للتدريس في السعودية. فهل كان عدم إنتداب البنا لسبب مصري رسمي (لا نظن ذلك فهو لم يكن معروفاً بعد بموقف معارض للدولة) أم لسبب سعودي رسمي؟ نرجح الظن الثاني كما سنرى لاحقاً.

بعد ذلك تأسست الدولة السعودية وصارت واقعاً فرض نفسه على العالمين العربي والإسلامي وصار الحج مناسبة سياسية بإمتياز يستخدمها إخوان البنا للدعوة لحركتهم. وهكذا فحين توجه حسن البنا للحج أول مرة (1936) فإن ذلك كان بهدف الدعوة حيث يقول محمود عبد الحليم بخصوص هذا الحج إن "الأستاذ المرشد قد كاشفنا بأن فكرة الهجرة بالدعوة إلى بلد آخر من البلاد الإسلامية يكون أقرب إلى الإسلام من مصر قد سيطرت على تفكيره وملأت نفسه". إلا أن البنا بعد عودته من الحج قال لجماعته ما نصه: "وقد إتصلت بالمحكومين والحكام في كل بلد إسلامي وخرجت من ذلك بإقتناع تام بأن فكرة الهجرة بالدعوة أصبحت غير ذات موضوع وأن العدول عنها أمر واجب".

ماذا جرى في الحج حتى قرر البنا أن العدول عن الفكرة "أمر واجب"؟؟ ينقل محمود عبد الحليم أخبار إهتمام الصحافة السعودية (جريدة "أم القرى" وكانت يومها شبه رسمية) بخبر زيارة البنا ويقول إنها "نشرت في مكان الصدراة خطاباً للأستاذ البنا". والحقيقة أن الجريدة كتبت تحت عنوان "على الرحب والسعة"، تشير إلى وصول البنا مع غيره "الكثير من الشخصيات المصرية المحترمة... نذكر منهم الأستاذ الكبير حسن أفندي البنا المرشد العام لجمعية الإخوان المسلمين".

وبحسب مصادر إخوانية مختلفة فإن اللقاء الشهير بين البنا والملك عبد العزيز إنتهى بأن طلب البنا إنشاء فرع للإخوان المسلمين في السعودية فكان "جواب الملك ذكياً وديبلوماسياً" حين رفض الطلب قائلاً للبنا "كلنا إخوان وكلنا مسلمون". ويبدو أن المملكة رفضت كل الطلبات اللاحقة المقدمة من قيادات الإخوان المسلمين لتأسيس فرع لهم في السعودية.

وحين زار الملك عبد العزيز مصر عام 1945 إستقبله جوالة الإخوان المسلمين في مطار القاهرة بالمشاعل والهتافات الإسلامية. كما إستقبلوه أثناء زيارته للإسكندرية في تجمع في ملعب الأولمبي.

ويبدو أن العلاقات بين السعودية والإخوان المسلمين توترت إثر ثورة اليمن التي أعلن الإخوان المسلمون أنهم هم من خطط لها. فيقول محمود عبد الحليم "إن فكرة إعداد الشعب اليمني للثورة قد نبتت في المركز العام... وعند تناول هذه الثورة نجد أنفسنا أمام شخصيتين من غير اليمنيين كانا قطبي رحى هذه الثورة هما الفضيل الورتلاني وعبد الحكيم عابدين".

وقد أبدى الإخوان المسلمون غضبهم للموقف السعودي الداعم لحكم الإمامة الزيدية الوراثية في اليمن على حساب الثورة التي كانوا أبطالها. وكان تقديرهم (بحسب محمود عبد الحليم) أن العاهل السعودي "قد لا يسعده أن يقوم حكم في جارته المتاخمة له يضرب بنظام الوراثة والأسر المالكة عرض الحائط ويختار الأصلح غير عابىء بالأسرة التي ينتمي إليها"... ولكن الأخطر هو التقارب بين الملكين فاروق وعبد العزيز "وقد قربت ثورة اليمن ما بينهما وأنستهما الخلافات التي كانت بينهما". وهكذا دخل الإخوان المسلمون سنة حرب فلسطين ثم الصراع العنيف مع النظام المصري وهم في حالة جفاء (حتى لا نقول عداء) مع النظام السعودي... سبق ذلك على كل حال إشارة وردت في مقال قد يكون لحسن البنا نفسه (بتوقيع م.ع.) في جريدة "الإخوان المسلمون" حول فلبي بعنوان: "الحاج عبد الله فلبي هل هو من المسلمين الأطهار أم من دعائم الإستعمار؟" حيث قال الكاتب: "أما أنا فلا ألوم المستر فلبي فهو رجل قد وقف نفسه على خدمة أمته وبلاده، إنما ألوم العرب إذا أنخدعوا بأمثال هؤلاء وغرتهم مظاهرهم. ألوم أولئك الذين لا يزالون يعتقدون بإخلاصهم وولائهم. وكم أرجو لو أعادوا النظر. وفي ما بدر عبرة لمن إعتبر".

وبعد إغتيال البنا ثم قيام ثورة الضباط الأحرار في مصر ووفاة الملك عبد العزيز في السعودية كانت مرحلة قمع الإخوان وإعتقالهم. يومها حضر الملك سعود بن عبد العزيز للوساطة بينهم وبين الحكومة بعد قرارات الحل الأول (1954) "وفعلاً جامله أعضاء الثورة وفتحوا صفحة جديدة مع الإخوان". ويبدو أن سياسة الملك الجديد سعود إختلفت عن سياسة والده تجاه الإخوان المسلمين نظراً الى قيام النظام الثوري الجديد في مصر والى بداية نشوء سياسة الأحلاف والتكتلات في المنطقة. ولذا نلحظ دعوته المبكرة للمرشد حسن الهضيبي في مطلع صيف 1954 إلى السعودية ومنها إنتقل إلى سوريا ولبنان حيث قام بنشاطات دعوية بارزة... وفي السنوات التي تلت حملة 1954 فتحت أبواب المملكة أمام الهاربين من بطش السلطات المصرية (ثم السورية) خصوصاً بعد تصاعد الصراع المصري-السعودي (وفي الأعوام 1958-1965 بشكل أكبر). وقد إستقدمت المملكة الآلاف من قيادات وأفراد الإخوان المسلمين ووفرت لهم العمل والمراكز والمناصب الحساسة وحصل الكثيرون منهم على الجنسية السعودية وبعضهم على الجواز الديبلوماسي حتى. ونظراً إلى لجوء معظم قيادات وكوادر الإخوان إلى السعودية ودول الخليج فقد تشكلت "لجان للعضوية في الكويت وقطر والإمارات وفي الرياض والدمام وجدة". وفي مجلس الشورى العام، وهو السلطة التشريعية للجماعة، "كان هناك 3 من السعودية... وكانت السعودية وأقطار الخليج ممثلة بثقل يفوق أهميتها بكثير نظراً لحاجة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين إلى المال وهذا يتم تلبيته من خلال ذلك". فمندوبو السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت، وعددهم 7 من أصل 38، "يتم دائماً توظيفهم في عملية جباية الأموال للتنظيم الدولي".

وكما أثّر الإخوان المسلمون في الشبيبة السعودية (خصوصاً أنهم أمسكوا بمفاصل التعليم والجمعيات الخيرية والمؤسسات الإسلامية ودور النشر والمطابع) فقد تأثروا هم أيضاً بالوضع السعودي. "فإستفادوا بقدر ما أفادوا أدبياً ومادياً".
 
استاذ جامعي لبناني
¶ حذفت الهوامش لضيق المجال



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
التقرير الأميركي حول اغتيال خاشقجي يتّهم بن سلمان... والسعودية تردّ: تقييم زائف
السعودية أطلقت الناشطة لجين الهذلول
زيارة غير مسبوقة و"محادثات سرية" بين نتنياهو وبن سلمان في نيوم... إنهاء حالة العداء؟
خبيرة أمميّة تندّد بالأحكام الصادرة في قضيّة خاشقجي
العاهل السعودي يقيل اثنين من الأسرة الحاكمة في تهم فساد بوزارة الدفاع
مقالات ذات صلة
السعوديّة الجديدة: تقوية الوطنيّة وتقييد محدود للإسلام المُتشدّد؟ - سركيس نعوم
السعودية بين الـ2017 - 2018 والـ2019 - سركيس نعوم
أسوأ المجالس البلدية - علي القاسمي
الجزيرة العربية في المصادر الكلاسيكية - حاتم الطحاوي
مناقشة في المقال الأخير لجمال الخاشقجي - جهاد الزين
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة