|
سوسن أبو ظهر
خبر مقتضب في وسائل الإعلام. الانتخابات البلدية الثانية في تاريخ المملكة العربية السعودية تجري اليوم. لا اهتمام كبيراً بها، إذ يجمع كثيرون على كونها صُورية، كما انتخابات المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي الأسبوع الماضي. الحدث إذاً ليس في ذهاب السعوديين إلى صناديق الاقتراع لاختيار نصف أعضاء المجالس الـ1632 من 5324 رجلاً، بل في غياب النساء ترشيحاً واقتراعاً. وهذا واقع موروث ثمة أمل في تغييره، بعد أربع سنوات على الأقل. أما اليوم، فلا حضور للسعوديات بين الناخبين... والسائقين.
العاهل السعودي قرر الأحد، "بعد التشاور مع كثير من علمائنا في هيئة كبار العلماء وآخرين من خارجها"، "مشاركة المرأة في مجلس الشورى عضواً اعتباراً من الدورة القادمة (سنة 2013)"، و"اعتباراً من الدورة القادمة (سنة 2015) يحق للمرأة أن ترشح نفسها لعضوية المجالس البلدية. ولها الحق كذلك في المشاركة في ترشيح المرشحين بضوابط الشرع الحنيف". وأكد أن "التحديث المتوازن المتفق مع قيمنا الإسلامية مطلب مهم في عصر لا مكان فيه للمتخاذلين والمترددين". يعيد الأمر إلى الأذهان إقرار التعليم العام للفتيات في عهد الملك سعود عام 1959. في حينه مرت سنوات قبل أن يصير هذا الحق الأساسي الذي اعتبره المتشددون "طامة كبرى"، مقبولاً لدى أولياء الأمور. لكن هل القرار كاف للنساء، ويلبي تطلعات مجتمع يزداد حراكاً وينشد حقوقاً سياسية للمواطنين كافة، رجالاً ونساء، سنة وشيعة؟ باختصار، أهذه بداية لـ"ربيع سعودي"؟
خطوة كبيرة أم... المهندسة نادية باخورجي التي كانت المرأة الأولى تسجل اسمها عام 2004 لخوض الانتخابات على رغم إدراكها أن طلبها سيُرد، اعتبرت أن العاهل "ذهب مباشرة إلى القمة وبدأ من فوق متجاوزاً العديد من المراحل مثل قيادة النساء وحرية السفر". وتوقعت أن تلي إصلاحات كثيرة لأن "هذه الخطوة كانت الأكبر والأكثر صعوبة. وبعدما استطاع الملك اتخاذها، سيكون على الجميع الخضوع والقبول والقول: نعم، الملك محق، النساء مساويات للرجال". ماذا بعد؟ "يجب تمكين السعوديات من سوق السيارات". وتلك مسألة كان يجب حلها "قبل أعوام طويلة، إذ هناك الكثير من الأمور المنسية مثل حقوق الإنسان". قرار الملك بدا غير مفاجئ لأنصاره الذين يعتبرونه أكثر أفراد الأسرة الحاكمة ميلاً إلى الإصلاح. وفي سجله إجراء الانتخابات البلدية الأولى عام 2005 ومواكبة دخول النساء الغرف التجارية وافتتاح جامعة مختلطة أولى عام 2009 وتعيين نورة بنت عبدالله الفايز نائبة لوزير في خطوة لا سابقة لها.
وفي رعايته صارت نسبة الأمية 22 في المئة بين النساء بعدما كانت 98 في المئة في السبعينات من القرن الماضي. والفتيات يمثلن 60 في المئة من طلاب الجامعات، وإن يكن حضورهن في سوق العمل لا يتجاوز 15 في المئة. وفي موازاة تلك الإنجازات، ثمة أكثر من 45 ألف امرأة في حوزتهن رخصة سوق دولية، و40 في المئة من السيارات تعود إلى نساء. وتقول المدونة إيمان النجفان إن أكثر من مليون عامل أجنبي أُحضروا إلى البلاد لقيادة آليات بدل مالكاتها. النساء والسيارات، الموضوع الشائك عينه، اختار العاهل السعودي التغاضي عنه.
أسهل الإصلاحات تنقل "الغارديان" عن أميرة مقيمة في جدة أن "ما قام به الملك أمر جيد جداً، لكنه يدرك، شأننا جميعاً، أنه لا يمكن دفع مجتمع كهذا إلى تقبل الكثير في وقت قصير. لقد فهم الغرب ذلك أيضاً. الديموقراطية أمر سيستغرق وصوله إلى هنا أجيالاً وأجيالا". لكن ثمة واقعا لا يمكن إنكاره. "الربيع العربي". ووجوده في البحرين واليمن يرغم الخليج على التعامل معه بما يتجاوز التقديمات الاجتماعية العملاقة.
يشير الصحافي البارز جمال الخاشقجي إلى أن "المناخ أكثر ملاءمة للتغيير الآن، هناك قوة التاريخ والضغط المعنوي والتحولات التي تجري حولنا". وتكتب صبرية جوهر في "سعودي غازيت" أنه "للاحتفال بنصرنا، علينا الالتفات إلى الربيع العربي والدماء التي سالت في بلدان الشرق الأوسط المجاورة. من دونها، قد نكون لا نزال نتوسل للحصول على حقوقنا... أنا مقتنعة أن الملك كان ليمنح النساء حق الاقتراع وعضوية مجلس الشورى من دون نزول جيراننا إلى الشوارع. لكنه بالتأكيد لمَس حاجة ملحة الى ذلك الآن وليس في أي وقت لاحق". وفي المقابل، تساءلت نساء :"لماذا لا نقترع في انتخابات الخميس (اليوم)"، و"كيف أخوض حملة انتخابية من دون سيارة"، و"هل يحمي الملك حقي إذا منعني المُحرم من الترشح".
قالت الناشطة مهى القحطاني التي تعمل في وزارة التربية وكانت ممن شاركن في حملة "سأقود سيارتي بنفسي" في 17 حزيران :"لم نطلب السياسة بل حقوقنا الأساسية. طالبنا بمعاملتنا كمواطنين متساوين ورفع الوصاية عنا". وأكدت زميلتها في الحملة الكاتبة وجيهة الحويدر ضرورة "مراجعة نظام الهيمنة الذكورية لأنه يمس الحياة اليومية لكل امرأة"، وتحدثت عن الحاجة إلى قيام أحزاب ومنظمات غير حكومية ومكافحة الفساد وتطوير النظام القضائي. ورأى معارضون رجال أن "مسألة النساء" هي الوسيلة الأسهل لـ"تلميع سمعة النظام في العالم". ذلك أن الاقتراع والترشح يتمان مرة كل بضع سنوات وليس ممارسة يومية مثل قيادة السيارات التي تؤدي إلى استقلالية السعوديات وتحررهن من التبعية لرجال أُسَرهن وتصطدم بالمؤسسة الدينية المحافظة.
ولا ننسى التأثير الفعلي المحدود لاقتراع النساء وترشحهن. فالبلديات ليست برلماناً، ولم تحقق نجاحات حقيقية. كما أن لا شيء يضمن أن تجري الانتخابات سنة 2015، ذلك أن مجالس 2005 انتهت ولايتها في 2009 ومددت سنتين لـ"أسباب تقنية". أما مجلس الشورى فمجرد هيئة استشارية تأسست عام 1993. وكان معارضون يطالبون بتحويله كياناً منتخباً بصلاحيات تشريعية وسلطة للرقابة والمساءلة.
وفي كل الأحوال تبقى بعض الأمور العملية مبهمة. هل تخوض النساء الانتخابات ضمن كوتا، وماذا عن الشيعة منهن؟ وهل ثمة قيود على الفئات العمرية والاجتماعية؟ وكيف يشاركن بفاعلية في الجلسات في ظل وجود حاجز منع الاختلاط؟ وفي انتظار أن يقدم الملك نفسه أو وزارة الداخلية أجوبة أولية، يبقى الواقع على حاله لكثير من النساء، وبينهن نجلاء الحرير وشيماء جستنيه. الأولى استدعيت للتحقيق بعد ساعات من خطاب العاهل السعودي وستحاكم مع أخريات لقيادتها سيارة. والثانية صدر الثلثاء قرار بجلدها عشر جلدات بالتهمة عينها...
|