الأربعاء ١ - ٤ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تشرين الأول ٣, ٢٠١٣
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الاخوان المسلمون والسعودية -2 - سعود المولى
في ما يلي القسم الثاني الأخير من دراسة الدكتور سعود المولى حول تاريخ العلاقة بين حركة الاخوان المسلمين والمملكة العربية السعودية بشقيها الرسمي الملكي والدعوي الوهابي. وقد تناول الكاتب في القسم الأول تاريخ العلاقة منذ تأسيس "الاخوان" في 1928 الى نهاية الستينات.
 
عقب الإفراج عنه، زار حسن الهضيبي، مرشد الإخوان، المملكة عام 1973، حيث عُقد أول إجتماع موسع لقيادات الإخوان منذ محنة 1954 بمكة المكرمة في موسم الحج بغرض إعادة تشكيل مجلس شورى الجماعة وتكوين لجنة لإعادة بناء هيكل الجماعة. ثم بدأت تحركات واسعة بين الإخوان، سافر فيها عدد كبير من قياداتهم وكوادرهم للعمل في المملكة في منتصف السبعينات التي شهدت حركة نهضة واسعة قادها الملك فيصل، كان من نتائجها إنفتاح المملكة وإستيعابها مئات الآلاف من العمال المهنيين والخبراء والأكاديميين المصريين.

وقد كان للإخوان الأولوية في الحصول على الوظائف وفرص العمل نظراً الى التعاطف الذي أبداه السعوديون رسمياً وشعبياً مع الإخوان الخارجين من محن السجون والمعتقلات. فشهدت هذه الفترة سفر عدد من أقطاب ورموز الإخوان المصريين إلى السعودية، مثل: توفيق الشاوي، كمال الهلباوي، على جريشة، عبد المنعم تعيلب، عبد الستار فتح الله سعيد وأحمد العسال... إضافة إلى الشيخ محمد الغزالي والشيخ سيد سابق وآخرين من المحسوبين على الإخوان رغم انفصالهم عنهم تنظيمياً.

وتمدّد الوجود الإخواني في معظم الجامعات السعودية التي تأسست غالبيتها في هذه الفترة وكانت بحاجة إلى استكمال هياكلها الإدارية والأكاديمية، وكذلك في عدد من المؤسسات الإسلامية الرسمية وشبه الرسمية، وأهمها "الندوة العالمية للشباب الإسلامي" التي مازالت محسوبة على الإخوان. وأسس عدد من الإخوان مجموعة مدارس ودور نشر وإصدارات صحافية استوعبت عدداً كبيراً من كوادرهم. وامتدت مشاركة الإخوان إلى الأنشطة الاقتصادية التي استوعبت عدداً منهم، أبرزهم: عبد العظيم لقمة، يوسف ندا (رغم إستقراره في أوروبا) ومصطفى مؤمن... وغيرهم من الإخوان الذين أسسوا عدداً من الشركات العاملة في قطاع البناء والتشييد غالباً بحكم التوسع العمراني الذي ساعدت عليه الطفرة البترولية والإرتفاع الهائل في أسعار النفط بعد حرب أكتوبر.
كذلك استوعبت أنشطة المصارف والبنوك الإسلامية قطاعاً كبيراً من كوادر الإخوان في مجال المحاسبة والتجارة. وتنوعت قنوات العلاقات السعودية الإخوانية لتشمل الدعم الذي كانت تقدمه الهيئات الدينية السعودية الرسمية وغير الرسمية (هيئة كبار العلماء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، إدارة الوعظ والإرشاد والإفتاء...الخ) للجماعات الإسلامية في جامعات مصر، والذي تمثل أساساً في طبع ونشر وتوزيع كميات هائلة لعناوين مختلفة من كتب السلفية الوهابية أثرّت في أفكار قادة هذه الجماعات وأعضائها ونقلها عدد كبيرمنهم ممن إنضموا لاحقاً إلى جماعة الإخوان في نهاية السبعينات، فتأثّر فكر الإخوان بالفكر الوهابي السلفي كما لم يحدث من قبل. وانعكس هذا التحالف الاستراتيجي بين الجماعة والمملكة على أدبيات الإخوان التي أعطت للمملكة وللأسرة السعودية ما لم تعطه لغيرها من الأنظمة والحكومات العربية والإسلامية.

ويروي علي العشماوي أن الحاجة زينب الغزالي حمّلته "رسائل إلى سعيد رمضان والشيخ عبد الرحمن أبو الخير" الذي قالت له عنه "إنه سكرتير الملك سعود" وأعطته "رقم تليفونه الخاص". وتذكر الحاجة زينب الغزالي أن الرئيس محمد نجيب زارها "قبل الإنقلاب بأيام صحبة الأمير عبد الله الفيصل ويس سراج الدين والشيخ الباقوري وشقيقي علي الغزالي بمناسبة وجود الأمير عبد الله الفيصل في مصر". وفي مكان آخر قالت زينب الغزالي "أعطيت حميدة قطب قائمة بالمراجع التي ندرسها وكان فيها تفسير إبن كثير والمحلى لإبن حزم والأم للشافعي وكتب في التوحيد لإبن عبد الوهاب... ودرسنا كذلك وضع العالم الإسلامي كله بحثاً عن أمثلة لما كان قائماً... فقررنا أن ليس هناك دولة واحدة ينطبق عليها ذلك. وإستثنينا المملكة العربية السعودية مع تحفظات وملاحظات يجب أن تستدركها المملكة وتصححها".

يذكر الإخواني السوري الشهير سعيد حوى أنه "كان حريصاً على ألا يحدث تغيير في السعودية لأن التغيير سيجعل مكة والمدينة وأرض العرب في مخاطر مجهولة. وكتبت تحليلاً حول الوضع في السعودية وبنيت عليه بعض الإقتراحات وقد وصل التحليل إلى الملك فيصل رحمه الله وكانت له آثار طيبة في نفسه كما نقل لي وتجاوب مع بعض المقترحات...". وقد أشار الباحثون إلى القدرة التعبوية للجماعات الإخوانية في الجامعات السعودية وتحديداً جامعة الملك سعود وجامعة الملك فهد... وإلى دور أساتذة تلك الجامعات الوافدين العرب وخصوصاً من مصريين وشوام والمحسوبين على الإخوان المسلمين، في إقامة دورات فكرية للطلبة.

وقد طُرح العديد من التقسيمات للإخوان المسلمين في السعودية، بعضها يقسمهم فكرياً إلى بنائيين (نسبة إلى حسن البنا) وقطبيين (نسبة إلى سيد قطب) والبعض الأخر يقسمهم حركياً ثلاثة أقسام هي:

1- إخوان الحجاز وهم منتشرون في الحجاز والجنوب والمنطقة الشرقية وهم الأكثر تنظيماً والأقوى تأثيراً وإنتشاراً.

2- إخوان الرياض أو القيادة العامة وهم النخبة من قيادات وكوادر إقتصر نشاطهم على البيانات.

3- إخوان الزبير وهم مجموعة من أهل الزبير(عوائل سعودية هاجرت في الماضي إلى الزبير جنوب العراق ثم عادت إلى بلادها فسميت بإسم تلك البلدة). وهم مسالمون بعيدون عن الصخب.
هذا فيما قسمهم ناصر الحزيمي فئتين: فئة رئيسية معترفا بها من قبل التنظيم الدولي تتميز بالتنظيم وبحملها لمشروع رؤيوي وتركيزها على كتابات سيد قطب وهم لا يرون البيعة لولي الأمر ويُعرفون عند البعض بالقطبيين؛ وفئة ثانية هم جماعة دار العلم نسبة إلى بيت لهم في دخنة وسط الرياض، وكان يحضر جلساتهم مجموعة من المشايخ".
وقد أقام عدد من قيادات الإخوان في السعودية على فترات متقطعة، وكان أبرزهم عبد الفتاح أبي غدة ومحمد الغزالي وعبد الله عزام ويوسف العظم ومحمد المبارك وعبد الحكيم عابدين وسعيد حوى وسعيد رمضان ومصطفى السباعي وزينب الغزالي ويوسف القرضاوي وعلي الطنطاوي ومعروف الدواليبي وعبد المجيد الزنداني وحسن الترابي وعمر التلمساني ومحمد قطب وحسن الهضيبي ومنير الغضبان وكامل الشريف وعصام العطار... الخ.

ويمكن القول إن أبوة الشيخ المصري مناع القطان الروحية لتنظيم الإخوان المسلمين في السعودية سببها تأسيسه للشرعية الإخوانية داخل المجتمع العلمي السلفي من خلال علاقته بالشيخ عبد الرزاق عفيفي عضو هيئة كبار العلماء في السعودية (ت1994) والذي كان أيضاً الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المصرية. وقد كان جميع أعضاء هيئة كبار العلماء في السعودية من تلاميذه (بإستثناء إبن باز). كما أن القطان تخصص في التفسير وعلوم القرآن وكان من الذين قاتلوا في فلسطين عام 1948. وقد جاء إلى السعودية العام 1953 للتدريس في معاهدها حيث درّس في كلية الشريعة بالرياض ثم في كلية اللغة العربية؛ وصار عضواً في مجلس المعهد العالي للقضاء 1967 ثم أميناً لسره ثم مديراً له، إلى جانب عضوية هيئة التدريس بدرجة أستاذ ثم مديراً للدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود؛ ثم إشرافه على مواد التشريع الإسلامي في كلية قوى الأمن الداخلي، ثم عضواً فمقرراً في لجنة وضع السياسات التعليمية في المملكة...

وقد نتج عن هذا التأثر والتأثير بين الإخوان المسلمين والتيارات السلفية السعودية نشوء حركات مثل السرورية حاولت الجمع بين عباءة الشيخ إبن عبد الوهاب وبنطال سيد قطب ومحمد قطب.

ويبدو أن صراعاً خفياً وعلنياً نشب في السعودية بين الإخوان المسلمين من جهة وكبار تيار الوهابية والسلفية الحديثية من جهة أخرى. وكانت السلطات تغض الطرف عن نشاط الإخوان المسلمين لأنها كانت أيضاً في صراع خفي وعلني مع المتشددين السلفيين وأبرز أعلامهم الشيخ محمد بن إبرهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، وأيضاً مع دعوة الإخوان القديمة التي تجددت عند قيامهم بحادثة الهجوم على التلفزيون.

ومن أبرز مظاهر الصراع تلك الفتاوى السلفية والوهابية التي تحرّم الإنتماء لأحزاب إسلامية، وخصوصاً كتاب الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد: "حكم الإنتماء للفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية، والذي قارن فيه بين هذه الجماعات والفرق العقائدية التي خالفت الجماعة في صدر الإسلام واستحقت الوعيد بالنار. كما أعاد علماء المملكة وفي مناسبات كثيرة تأكيد موقفهم من البيعة بمفهومها الشامل من حيث أنه "لا يوجد في الإسلام إلا البيعة العامة أو البيعة الجامعة وتنعقد بموافقة أهل الشوكة والحل والعقد في الأمة".

وكانت مواقف الشيخ بكر أبو زيد هي الأعنف خصوصاً في كتابه الأشهر "خصائص جزيرة العرب" حيث دعا إلى "وجوب تنظيف هذه الجزيرة من تلكم المناهج الفكرية المبتدعة والأهواء الضالة وأن تبقى عنوان نصرة للكتاب والسنة والسير على هدى سلف الأمة حرباً للبدع والأهواء المضلة".



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
التقرير الأميركي حول اغتيال خاشقجي يتّهم بن سلمان... والسعودية تردّ: تقييم زائف
السعودية أطلقت الناشطة لجين الهذلول
زيارة غير مسبوقة و"محادثات سرية" بين نتنياهو وبن سلمان في نيوم... إنهاء حالة العداء؟
خبيرة أمميّة تندّد بالأحكام الصادرة في قضيّة خاشقجي
العاهل السعودي يقيل اثنين من الأسرة الحاكمة في تهم فساد بوزارة الدفاع
مقالات ذات صلة
السعوديّة الجديدة: تقوية الوطنيّة وتقييد محدود للإسلام المُتشدّد؟ - سركيس نعوم
السعودية بين الـ2017 - 2018 والـ2019 - سركيس نعوم
أسوأ المجالس البلدية - علي القاسمي
الجزيرة العربية في المصادر الكلاسيكية - حاتم الطحاوي
مناقشة في المقال الأخير لجمال الخاشقجي - جهاد الزين
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة