|
استوقفت ملامح جولة موسعة من اللقاءات التي باشرها الرئيس السوري بشار الاسد مع شخصيات لبنانية بدءاً بالرئيس سليم الحص مروراً بالرئيس عمر كرامي ونجله الوزير فيصل كرامي على نحو علني، اهتمام أوساط سياسية رأت فيها بعض المدلولات البارزة على المستويين السوري واللبناني. واذا اضيفت الى سلسلة اللقاءات التي عادت تجري في دمشق الزيارة التي قام بها وفد ديني من دمشق الى بكركي (مقر البطريركية المارونية) قبل يومين، فان من شأن ذلك ان يرسم في نظر هذه الاوساط ملامح اندفاعة للنظام السوري نحو الداخل السياسي اللبناني يراد منها اطلاق رسائل عدة سواء في اتجاه مراجع دولية او في الاتجاه اللبناني نفسه. وتقول هذه الاوساط لـ «الراي» انه لا يمكن عزل هذه الاندفاعة عما نقله الحص عن الاسد من ان الحوادث في بلاده باتت في حكم المنتهية، ما يعني ان الاسد اراد تحريك حضوره اللبناني ونفوذه فيه للقول انه ما يزال يتمتع بالقوة نفسها التي كان يحظى بها قبل اندلاع الثورة السورية قبل ستة اشهر ونيف.
واستوقف هذه الاوساط ان الاستقبالات اللبنانية للاسد التي ستستمر في الايام المقبلة افتُتحت برئيسين سابقين للحكومة، سائلة عن كيفية قراءة رئيس الوزراء نجيب ميقاتي لهذا المشهد وما اذا كان يعتبر ان الامر «رسالة ما» موجّهة اليه بطريقة او بأخرى، اولاً على خلفية انه لم يقم حتى الساعة بزيارة دمشق منذ تشكيل حكومته في يونيو الماضي، ثانياً لانه حرص من نيويورك على «رسم مسافة» في «السياسة والاعمال» بينه وبين القيادة السورية سواء عبر نفيه وجود اي علاقة شراكة تجارية بين عائلته وبين ابن خال الرئيس السوري رامي مخلوف وتأكيده ان «لا علاقة تجارية شرعية أو لا شرعية مع المسؤولين السوريين»، او من خلال اعلانه انه لم يُجر حتى اي اتصال بالاسد او اي حديث في السياسة او العلاقات الثنائية معه منذ تكليفه، من دون اغفال وضعه معادلة للتعاطي مع ملف سورية في مجلس الامن على قاعدة «لا يمكننا التصويت مع أي عقوبات ضد سورية، لكن هذا لا يعني أن لبنان لن يطبق العقوبات في حال اتخاذ قرار في مجلس الأمن حيال ذلك». وحسب الاوساط نفسها، فان حركة اللقاءات مقرونة بالانفتاح المتبادل بين دمشق وسيد بكركي يراد لها ايضاً تصوير الوضع السوري في موقع العائد الى تطبيع الاوراق التي يملكها في مواجهة المعسكر العربي والغربي المتعاطف بقوة مع الثورة، ما يعني ان النظام السوري بدأ تحريك الورقة اللبنانية عن طريق اظهار استمرار تحكمه بها في مواجهة ما يجري على ارضه.
وتلفت الاوساط الى ان هذا التحريك يجري في وقت تشير المعطيات الواقعية والحقيقية الى توغل الوضع السوري نحو مراحل متقدمة جديدة من التفاقم والتفجر، اي في شكل مخالف تماماً لما ينقل عن المسؤولين الرسميين السوريين، وليس ادل على ذلك مما تورده الحصيلة اليومية للصدامات الدامية الجارية في سورية. وفي اعتقاد هذه الاوساط ان هذا التحريك سيرتب على لبنان الرسمي محاذير خطيرة خصوصاً بعدما سمع كبار الرسميين اللبنانيين في نيويورك مواقف واضحة اميركية واممية واوروبية حيال خطورة التصاق لبنان بالنظام السوري الى مدى يصعب معه عدم تكبيد لبنان كلفة هذا الالتصاق.
وتشير الاوساط الى ان الاسابيع القليلة المقبلة ستكتسب اهمية من حيث رسم الخط البياني للسلوك اللبناني في هذا الشأن خصوصاً متى تبلورت الاتجاهات الدولية في شأن الوضع السوري في ضوء مشروع القرار الجديد المطروح امام مجلس الامن. فعدم مرور هذا المشروع لا يغني لبنان عن محاذير بدأت ترتسم في تعامل الدول معه، وهو ما يدركه تماماً المسؤولون الذين زاروا نيويورك وفي مقدمهم الرئيسان ميشال سليمان ونجيب ميقاتي. وكان الحص نقل عن الاسد انه راضٍ جداً عن البطريرك الماروني بشارة الراعي ومواقفه، موضحا ان الرئيس السوري لم يُبد خلال اللقاء «أي ملاحظة على أداء الحكومة اللبنانية، بل هو على علاقة طيبة جداً مع المسؤولين في لبنان». وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة «السفير» عن زوار الأسد قولهم إن «النظام السوري استعاد زمام المبادرة، وأمسك بالأرض سياسيا وأمنيا، بصرف النظر عن طريقة الإمساك، وما تبثه الفضائيات، فالمهم أننا نمسك بالأرض، فيما المعارضة أو المعارضات تتوالد بين دولة وأخرى كالفطر».
وقال الرئيس السوري حسب الزوار «ان هناك مقولة يسوقها الآخرون بأنهم تمكنوا من كسر حاجز الخوف، لكن أنا أقول إنني كسرت حاجز الخوف ايضا، وبالتالي نحن انتقلنا من مرحلة الدفاع الى مرحلة الهجوم، وسنردع أي عمل أمني يضر بالأمن القومي السوري ويهدد حياة المواطنين»، مقدما «نظرة إيجابية ملحوظة الى الشعار الذي يطرحه معارضون سوريون في الداخل ومفاده: لا للعنف ولا للتدخل الخارجي ولا للاقتتال الداخلي، أما الإخوان المسلمين، فالمعركة معهم تاريخية ومستمرة». أما بالنسبة الى الهجمة على سورية، فهي كما قال الأسد لزواره: «مستمرة لإخضاعها وهذا ما لن يحصل، وهناك استغراب كبير لاندفاعة قطر الى الاتجاه المعادي لسورية»، موجهاً رسالة الى الجانب التركي ورئيس الوزراء رجب طيب اردوغان مفادها «لا للعثمنة».
على صعيد آخر، بحث نائب مدير الشؤون السياسية والعسكرية لمنطقة الشرق الأوسط في هيئة رئاسة الأركان المشتركة الجنرال جون تشارلتون مع كبار المسؤولين اللبنانيين وقائد الجيش العماد جان قهوجي في مجالات التعاون العسكري القوي والمستمر بين البلدين فضلا عن مبادرات لبنان لتنفيذ التزاماته بموجب قرار مجلس الامن 1701. وذكرت معلومات ان الجنرال شارلتون وجّه دعوة الى قهوجي لزيارة واشنطن في منتصف اكتوبر المقبل للاجتماع بالقائد الجديد لهيئة رئاسة الأركان المشتركة، الجنرال مارتن ديمبسي.
|