|
| بيروت ـ من وسام أبو حرفوش |
لبنان في فم المجهول و«اول الغيث» قضم الحكومة باستقالة وزراء «المعارضة سابقاً» العشرة، الامر الذي تبلغه رئيس الحكومة سعد الحريري بعيد لقائه في واشنطن الرئيس الاميركي باراك اوباما. ولم تحل عاصفة ديبلوماسية «الهواتف الحمر» بين العواصم الاقليمية والدولية في لجم هذا التطور الدراماتيكي الذي اعتبر الخطوة الاولى في المسار المجهول الذي دخله لبنان بعد الاعلان عن «موت» المسعى السوري ـ السعودي لحل الازمة على خلفية الموقف من المحكمة الدولية «عشية» صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري.
وعلمت «الراي» ان وزير الدولة عدنان السيد حسين «المرشح» للالتحاق بقطار المستقيلين كان في لحظة اعلان المعارضة استقالتهم مجتمعاً برئيس الجمهورية ميشال سليمان (فهو من حصته الوزارية) في لقاء استمر لاكثر من ثلاث ساعات. وبانضمام الوزير السيد حسين الى الوزراء المستقيلين، تكون الحكومة بحكم المستقيلة بعدما غادرها 11 وزيراً من اصل 30.
وبدا «خطاب استقالة» الوزراء العشرة بمثابة «البلاغ رقم واحد» الذي اعلنه الوزير جبران باسيل باسم «وزراء المعارضة اللبنانية»، وهم: محمد فنيش وحسين الحاج حسن (حزب الله)، علي الشامي، محمد جواد خليفة وعلي عبد الله (حركة امل)، وشربل نحاس، فادي عبود، جبران باسيل (من تيار العماد ميشال عون)، يوسف سعاده (تيار المردة)، وابراهام دادايان (من حزب الطاشناق). وجاء في الاستقالة: «اجتمع وزراء المعارضة اللبنانية في دارة العماد عون في الرابية، وهم يتوجهون بالشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين وسيادة الدكتور بشار الاسد على الجهود التي بذلاها لمساعدة لبنان على تخطي الازمة الناتجة عن عمل المحكمة الدولية، وتجنيب لبنان اي مس باستقراره وحمايته من الفتنة التي تحضر له.
وفي ظل النتائج التي وصلت إليها الأمور لمعالجة الأزمة والضغوط الخارجية الأميركية، ورغم التجاوب الذي أبديناه والذي جوبه بالامتناع من الفريق نفسه المعطل للحكومة، ومنع الحكومة من ممارسة دورها الفعلي، وعرقلة شؤون الناس، وبعد قيامنا بمحاولة أخيرة بالطلب لعقد جلسة للحكومة، وجوبهنا برفض الفريق الآخر، فقررنا فسح المجال أمام قيام حكومة تستطيع القيام بواجباتها وتأميناً للعدالة الحقيقية، يتقدم الوزراء الحاضرون باستقالتهم من هذه الحكومة». ورداً على سؤال قال باسيل: «عندما يدعو فخامة الرئيس لاستشارات نيابية لتسمية رئيس للحكومة، فسيكون للمعارضة موقف حينها».
وتجدر الاشارة الى ان هذه اول حكومة بعد اتفاق الطائف (اقر العام 1990) تسقط باستقالة أكثر من ثلث اعضائها، علماً ان وزراء «حزب الله» وحركة «امل» الخمسة ومعهم وزير مسيحي سادس كانوا استقالوا في 11 نوفمبر 2006 من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولى (شكلها العام 2005) من دون ان تستقيل الحكومة لان عدد المستقيلين لم يتجاوز الثلث حينها، مع الاشارة الى ان الاستقالة كانت في ذلك الوقت على خلفية الخلاف على طلب تشكيل المحكمة الدولية.
وبطريقة لم تخل من «الدراماتيكية» انهار «جبل الجليد» وخرج لبنان من الـ «ستاتيكو» القائم من أشهر على المراوحة في «شرنقة» الانتظار، ليدخل في المجهول، الذي لن يكون في استطاعة احد التكهن بطبيعة مساره ومنزلقاته ونهايته التي ربما لا نهاية لها. فالاحداث، وبحسب تعبير مصادر معنية بالتطورات الجارية، هي من سيصنع الاحداث. فلا «حزب الله» يملك خريطة طريق واضحة في التعاطي مع وقائع تحكمها المتغيرات، ولا سواه من الطرف الآخر لديه «اجندة» محددة في مقاربة العواصف، التي من المرجح ان تستوطن لبنان لأمد بعيد.
فمنذ الاعلان عن «وفاة» المسعى السعودي ـ السوري وعبور الواقع اللبناني الصاخب «الخطوة الاولى» في المجهول، بدأت ادارة الكرة اللاهبة، على طريقة الخطوة التي يملي الرد عليها الخطوة التالية، ومن المرجح ان تستمر الامور على هذا المنوال الخطر مع فقدان الجميع «زمام المبادرة» في اتجاه صوغ تفاهمات طارئة من النوع الذي يفرمل الانزلاق نحو الهاوية، التي قد تكون الطريق اليها إما انهيار الاستقرار السياسي والامني في الداخل وإما اندلاع حرب قاسية مع اسرائيل.
وفي اللحظة التي كانت وكالة «رويترز» امس تتحدث عن «بيان استقالة» جاهز لوزراء «المعارضة سابقاً» سيذاع من مقر زعيم «التيار الوطني الحر» النائب العماد ميشال عون في الرابية في الرابعة والنصف، اي بالتزامن مع دخول رئيس الحكومة سعد الحريري البيت الابيض للقاء الرئيس الاميركي باراك اوباما، بدت مصادر واسعة الاطلاع في بيروت غير جازمة في امكان اتخاذ «حزب الله» هذه الخطوة في هذا التوقيت بالتحديد، رغم حماسة العماد عون لـ «قلب الطاولة». فالامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله يبدي، بحسب العارفين، ميلاً لعدم «حرق المراكب» دفعة واحدة.
وفي محاولة لسبراغوار المرحلة الغامضة التي دخلها لبنان، عرضت مصادر قريبة من «حزب الله» لـ «الراي» اكثر من سيناريو للتطورات المحتملة في البلاد، منها:
? في حال عودة الرئيس الحريري واجتماع الحكومة، ومن ثم استقالة وزراء «المعارضة» منها في ضوء عدم الاستجابة لمطالبهم، ستكون الكرة في ملعب رئيس الجمهورية ميشال سليمان، فعليه الدعوة لاستشارات نيابية لتسمية «غير الحريري» لتشكيل حكومة جديدة، مما يعني ان الرئيس سليمان سيكون مطالباً بحسم خياراته، وهو الامرالذي يجعله طرفاً واشبه بـ «اميل لحود 2».
? في حال عودة الرئيس الحريري الى بيروت وعدم دعوته لجلسة حكومية، فإن وزراء «المعارضة» سيستقيلون، وعندها ستكون البلاد ولفترة طويلة في عهدة حكومة تصريف اعمال، مما سيزيد من الاهتراء الاقتصادي ويفاقم الازمة المعيشية ـ الاجتماعية ويدفع الامور نحو توترات، الفائدة الوحيدة منها، ستكون امتناع اسرائيل عن القيام باي مغامرة وبتشجيع من المجتمع الدولي للاعتقاد بان لبنان «يأكل نفسه».
واشارت هذه المصادر الى ان «حزب الله» لن يفتح الباب امام عودة الحريري الى رئاسة الحكومة، التي ستكون من نصيب اخرين، فالحزب يعتقد انه اذا كان فشل المسعى السوري ـ السعودي سببه عجز الملك عبد الله بن عبد العزيز في ضمان التسوية فلن يكون في وسع الحريري الوفاء باي التزام. خصوصاً ان «العجز الصحي» للملك عبد الله ربما يكون وراء تعطيل التسوية. ? في حال تزامن صدور الاقرار الاتهامي قبل نهاية هذا الشهر (كما هو متوقع) مع تحركات في الشارع وتوترات ذات طابع مذهبي، فإن «حزب الله» سيقوم ليس بـ «7 مايو» فقط (احداث 7 مايو 2008 في بيروت والجبل)، بل سيعمد الى الامساك بالامور لمنع تفاقمها.
? في حال بلوغ التوترات الداخلية مستويات اكثر حدة وتهديدها بانفجار فتنة سنية ـ شيعية، فإن «حزب الله» الذي يتمتع وباعتراف الاسرائيليين، بقوة صاروخية تضاهي ما لدى 90 في المئة من دول العالم، لن يتردد في اخذ المبادرة بشن حرب على اسرائيل، على قاعدة الاختيار الاضطراري بين السيئ (الحرب مع اسرائيل) والاسوأ (الفتنة المذهبية). وقالت مصادر قريبة من «حزب الله» لـ «الراي» ان خيار اللجوء الى التصعيد «الفوري» لم يحسم، ومن الافضل ترك الابواب «نصف مفتوحة» على الاقل ولمهلة ضيقة جداً، مشيراً الى ان اسهل القرارات قرار الحسم غير انه لا مانع من انتظار ما قد تؤول اليه بعض المبادرات، وإن كان لا امل في امكان بلوغها المرتجى.
وعلمت «الراي» ان قطر باشرت تحركاً بعيداً عن الاضواء عقب الاعلان عن انهيار المسعى السوري ـ السعودي، في اطار مبادرة لم ترشح معلومات محددة عن مضمونها، الا انها تهدف لمنع انزلاق الوضع في لبنان نحو المزيد من المآزق التي يصبح من الصعب الخروج منها.
غير ان اوساطاً مهتمة في بيروت شككت في تقويم اولي لـ «الراي» في امكان نجاح المسعى القطري في ضوء تجربة المسعى المزدوج السعودي ـ السوري الذي وصل الى طريق مسدود بعدما استهلك الكثير من الوقت ومن الافكار.
ورسمت هذه الاوساط صورة قاتمة للوضع في لبنان بعد انهيار جبل الجليد، خصوصاً ان احداً من اطراف الصراع لن يكون في مقدوره التحكم بمجريات التطورات التي ستكون اسراها «القيادة والقاعدة» على حد سواء.
وعلى المقلب الآخر فإن مصادر بارزة في قوى «14 مارس» قالت لـ «الراي» ان ما يحصل كان متوقعاً، خصوصاً في ضوء القطبة غير المخفية في موقف الطرف الآخر، والمرتبطة بشرط يتيم يتمثل في دفع الحكومة الى نزع الشرعية اللبنانية عن المحكمة الدولية، وهو الامر الذي لم يكن وارداً على الاطلاق.
واشارت هذه المصادر الى ان اعلان قوى «8 مارس» موت المسعى السوري ـ السعودي بدا وكأنه الساعة صفر لبدء انقلاب سياسي، كاشفة ان «كلمة السر» جاءت من سورية بعدما تبين لدمشق و«حزب الله» ان المدعي العام الدولي دانيال بلمار سيسلم القرار الاتهامي الى قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين في 15 الشهر الجاري. ولفتت هذه المصادر الى ان تسوية «8 مارس» اصطدمت باستحالة تأجيل القرار الاتهامي او بامكان تبني الحكومة لموقف ضد المحكمة الدولية، او باعلان عدم التعاون مع المحكمة، مما يعني ان الحكومة ستكون مطالبة بتسليم المتهمين المفترضين الى العدالة الدولية.
واشارت المصادر عينها الى ان ضغط «المعارضة سابقاً» «المتدحرج سيتدرج من الضغط على الرئيس الحريري الى الضغط على الرئيس سليمان لدفعه الى ضم وزيره عدنان السيد حسين الى الوزراء العشرة المستقيلين، تكراراً لتجربة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي قيل انها فاقدة للشرعية الميثاقية بسبب غياب المكون الشيعي عنها.
غير ان هذه المصادر التي ادرجت استقالة وزراء «المعارضة» في اطار فرض امر واقع قسري على البلاد، رأت ان «حزب الله» لن يكون طليق اليدين في لعبة «قلب الطاولة» بدليل المواقف الدولية والاقليمية التي بدأت تصدر حتى قبل خطوة الاستقالة، والتي ستجد صداها «الملزم» في سورية.
وفي غمرة هذا المشهد وفيما كانت الانظار شاخصة على لقاء اوباما مع الحريري عصر امس بعد ساعات من إتصال الرئيس الاميركي بالعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز حيث اشار له الى انه في ضوء التزامهما المشترك لخير لبنان ودعم رئيس حكومته «يتطلع قدمًا الى مواصلة العمل مع المملكة العربية السعودية وغيرها من الشركاء لدعم سيادة لبنان واستقلاله واستقراره»، ساد «حبس الانفاس» في بيروت التي شهدت جملة تحرّكات ولقاءات ومواقف محلية ورصدت مواقف اقليمية بدت في سباق مع «الساعة الصفر» التي كانت تَحدّدت إعلامياً لإعلان وزراء 8 مارس وحلفائهم الانسحاب من الحكومة.
وفي هذا الإطار سُجلت الوقائع الآتية:
* تبلُّغ الرئيس اللبناني ميشال سليمان من الرئيس الحريري، الذي فتح «الخط الساخن» مع بيروت، عدم موافقته على تحديد موعد مفاجئ لجلسة مجلس الوزراء ورفضه ان يحدّد له فريق 8 مارس جدول أعمال مجلس الوزراء (مواجهة المحكمة الدولية) ولا مآل هذا الجدول ولا سيما فيما يتعلق بالمحكمة الدولية ونزع الشرعية اللبنانية عنها. * اجتماع «كتلة المستقبل» البرلمانية استثنائياً عند الثالثة والنصف من بعد الظهر برئاسة الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة لمناقشة المستجدات و«الخطوة التالية». * لقاء وزراء المعارضة في منزل زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون في الرابية عند الرابعة والنصف من بعد الظهر. * المعلومات عن اتصال جرى امس بين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ونظيره السوري بشار الاسد تم خلاله البحث في الاوضاع الطارئة والمستجدات على الساحة اللبنانية في ضوء الرؤية المشتركة ازاءها ولا سيما منها الاستقرار الامني ودعم حكومة الوحدة الوطنية في اطار التفاهم السعودي ـ السوري. * اجراء وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون اتصالات بكل من السعودية ومصر وفرنسا لمناقشة الوضع اللبناني. * تحذير الرياض بلسان وزير الخارجية سعود الفيصل من تداعيات إقليمية ومحلية خطيرة إذا استقالت الحكومة. * المعلومات عن ان وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو طلب من «حزب الله» عدم الاستقالة من الحكومة. * زيارة رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط للبطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، حيث علم انه ابلغ الاخير ان وزراءه ليسوا في وارد الاستقالة من الحكومة من دون التشاور مع الرئيس الحريري.
وكانت «كرة ثلج» التأزّم بدأت في ساعة متقدّمة من ليل الاثنين ـ الثلاثاء مع الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس الاسد ونيويورك حيث تبلغ من الأمير عبد العزيز بن عبد الله، نجل العاهل السعودي ومستشاره، ان المطالب التي تستهدف تغيير مسار المحكمة لم تصل الى اي مكان، علماً ان هذه المطالب هي: سحب الاتفاق اللبناني مع المحكمة، وقف التمويل وسحب القضاة اللبنانيين. كذلك، اعتُبرت المعلومات عن صدور «وشيك» للقرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفْعه «خلال ايام قليلة او ساعات» من المعدي العام الدولية دانيال بلمار الى قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين عاملاً ساهم في تسريع انتقال فريق 8 مارس الى «الخطة ب» في إطار محاولة إسقاط المحكمة مع التصويب المباشر عليها هذه المرة باعتبارها «الهدف المعلن رقم واحد».
وتبعاًَ لذلك تدرّجت الخطوات و«تدحرجت» وفق المسار الآتي يوم الثلاثاء: * توجّه المعاون السياسي لرئيس البرلمان نبيه بري النائب علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله الحاج حسين الخليل الى دمشق حيث التقيا الرئيس بشار الأسد وتبلغا منه ما آل اليه المسعى السوري ـ السعودي. * عاد «الخليلان» الى بيروت حيث بدأت مشاورت مكثفة بين قيادات 8 مارس، كان السيد نصرالله محورها.
* انتقل وفد ضم النائب علي حسن خليل والحاج حسين الخليل الى الرابية للقاء العماد عون ثم انضم اليهما رئيس «تيار المردة» النائب سليمان فرنجية والوزير جبران باسيل. وبعدما اطلع عون على التطورات وعلى الخطة المبرمجة للتعامل مع مرحلة ما بعد فشل المسعى السوري ـ السعودي والتي تقوم على إعطاء ما يشبه الفرصة الاخيرة للرئيس الحريري «من أجل تدارك الوضع ولبننة الحل»، تقرّر ان يزور وفد «8 مارس» القصر الجمهوري بعد اتصال عاجل لينقل الى الرئيس سليمان طلب المعارضة عقد جلسة طارئة لمجلس الوزراء.
* وفيما كان «جنرال الرابية» يعلن «وفاة» مسعى الـ سين ـ سين، كان وفد 8 مارس يبلغ رئيس الجمهورية بمطالب 8 مارس التي تتمحور حول «الطلب إلى رئيس الحكومة العودة من نيويورك صباح الاربعاء (أي أن يكون قد غادرها مساء الثلاثاء وقبل لقاء اوباما)، والدعوة على نحو عاجل إلى جلسة لمجلس الوزراء يكون على رأس جدول أعمالها أربعة بنود هي: إلغاء بروتوكول التعاون مع المحكمة الدوليّة، سحب القضاة اللبنانيين فيها، وهو ما ينتج منه وقف التعاون والتسهيلات المعطاة للتحقيق الدولي وإقفال مكاتب المحققين في بيروت ومنع المدعي العام من التراسل مع المدعي العام الدولي، ووقف التمويل اللبناني للمحكمة، وإعادة تفعيل قرار إحالة جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وكلّ ما هو مرتبط بها والجرائم اللاحقة لها على المجلس العدلي، مع فتح التحقيق في الملفات الماليّة، والتشارك في إدارة الملفات الاقتصاديّة، وتأليف حكومة جديدة لتطبيق هذه البنود يكون للحريري تمثيل كبير فيها لكنّه تمثيل لا يسمح له بإدارة الحكومة وحده».
وقد تم إعطاء رئيس الجمهورية مهلة حتى مساء الثلاثاء أو صباح الاربعاء لإبلاغ المعارضة نتيجة مشاوراته مع الحريري، مع بدء عملية «بوانتاج» لما ستفضي اليه الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس جديد للحكومة بعد ان يعلن سليمان استقالة الحكومة الحالية نتيجة استقالة 11 وزيراً على الاقل من وزرائها (من اصل 30) لأنها تكون فقدت نصابها القانوني.
* بعد مغادرة وفد 8 مارس القصر الجمهوري، أجرى سليمان اتصالاً بالرئيس سعد الحريري وأبلغه بموقف المعارضة، فقال له رئيس الحكومة: «أنا لا ألتزم بعقد جلسة لمجلس الوزراء من خارج لبنان ولا أحدد جدول الاعمال من خارج لبنان، وعندما أعود أتخذ الموقف المناسب. وأنا متوجه الى واشنطن للقاء الرئيس أوباما، وسأعود غداً (امس) الى بيروت، على ان أزور القصر لنتشاور». علماً ان معلومات لم تتأكّد اشارت الى ان الرئيس اللبناني أجرى في وقت متأخر من ليل الثلاثاء ـ الاربعاء اتصالاً بالرئيس الأسد طالباً منه التدخل لوضع حد للتدهور المرتقب على الساحة اللبنانية، فجاءه الجواب بما يفيد أن «لا علاقة لي بما يجري».
* وعقب لقاء ممثلي 8 مارس مع رئيس الجمهورية، عادوا الى الرابية حيث التأم اجتماع تنسيقي لوزراء المعارضة السابقة وعدد من نوابها وقادة أحزاب حليفة، خرج بعده وزير «حزب الله» محمد فنيش ليعلن ان المسعى السوري ـ السعودي «وصل إلى طريق مسدود بسبب الضّغوط الأميركيّة وبسبب عدم قدرة الفريق الآخر على تجاوز هذه الضغوط»، مؤكداً انه «على الأثر، بادر فريقُنا السّياسي الى الاتصال برئيس الجمهورية وتمنّى عليه أن يسعى مع رئيس الحكومة من أجل عقد جلسة لمجلس الوزراء كي يتحمل مسؤوليتَه في مواجهة هذه التّطورات لا سيما في ما يتعلّق بموضوع المحكمة الدَّولية والقرار الظّني وما تسبّب به من انقسام وإشكالات على المستوى الوطني، فتمنى الرّئيس سليمان أن يأخذ فرصة للاتّصال برئيس مجلس الوزراء. وبانتظار الجواب هذا المساء او صباح الاربعاء، قرّرنا أن نبقى على تشاور دائم وجلسات مفتوحة كوزراء في الحكومة من أجل اتّخاذ الموقف المناسب على إثر الجواب الّذي سيأتي».
* بعد انتهاء الاجتماع المسائي في دارة العماد عون، عاد المعاونان السياسيان للرئيس بري والسيد نصر الله وتوجّها الى دمشق ليل الثلاثاء ـ الاربعاء حيث التقيا الرئيس السوري وعادا امس الى بيروت مع أجواء جديدة من القيادة السورية حملاها الى اجتماع 8 مارس في الرابية.
* وفي غمرة هذا «التسخين» لـ «الحرب الباردة» التي كانت بدأت تنذر بالدخول في مرحلة مختلفة، شكر الرئيس الحريري، في تصريحات أدلى بها بعيد وصوله الى واشنطن آتياً من نيويورك، العاهل السعودي «على الرعاية التي يحوط بها لبنان واللبنانيين واستقرارهم وأمنهم»، كما شكر «الرئيس السوري على مساعي تثبيت هذا الاستقرار»، مؤكداً «رغم ما آلت إليه تطورات الساعات الأخيرة»، أنه سيعمل «بكل الوسائل لإبقاء السبل مفتوحة أمام اللبنانيين للوصول إلى الحلول التي تضمن الاستقرار والهدوء وتحفظ الوحدة الوطنية التي تشكل الضمانة الوحيدة لجميع اللبنانيين في مواجهة التحديات».
وفي موازاة ذلك، برزت مواقف لطرفيْ الصراع، بينها للرئيس بري الذي شدّد على أهمية «الدور الذي قام به خادم الحرمين الشريفين والرئيس السوري للوصول الى تسوية للأزمة القائمة، لكن يبدو ان لعبة الدول الكبرى كانت أكبر». وعكس بري حرصه على «ان أي خطوة يجب أن تكون في إطار الممارسة الديموقراطية ووفق القواعد الدستورية».
من جهته، كشف النائب جنبلاط انه جرى «اختراق كبير في التسوية السورية ـ السعودية عنوانه تفادي المضاعفات السلبية لقرار اتهامي قد يصدر في أي لحظة عن المحكمة الدولية». وقال جنبلاط بعد لقائه البطريرك الماروني: «صحيح انه قيل آنذاك ان القرار الاتهامي أُخر، وكان هناك مسعى من الشيخ سعد الحريري وغيره للتأخير، الا ان القوى الظلامية دخلت في الأمس وعطّلت المبادرة السعودية ـ السورية».
في المقابل، رسم رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» «خطوطاً حمراً» لمرحلة «عض الأصابع» المقبلة وحدّد «لاءات استباقية»، فاعلن ان «ما نشهده اليوم هو فصل من فصول الأخذ والرد»، داعياً الفريق الآخر «ألا يجرّبوا الضغط بكل وسائله لأنه سيغرقهم في الحفرة أكثر فأكثر»، ومشيراً الى أن «لا جلسة لمجلس الوزراء تحت الضغط ولا أي شيء تحت الضغط، وهذا يجب ان يكون واضحاً بالنسبة للفريق الآخر».
وقال في موضوع رئاسة الحكومة: «لا يحاول أحد التلاعب بموضوع رئاسة الحكومة، وهم يحاولون ممارسة لعبة عددية، خارج الطائفة السنية، بطرح رئيس حكومة غير سعد الحريري، وعليهم أن لا يفكروا فيها حتى، لأنهم بذلك يكونون يسعون الى الفتنة».
|