يُعزى حيِّز من مشكلات لبنان إلى صعوبة البيئة الجيوستراتيجية المحيطة به؛ وينجم جزء آخر من مشكلاته عن نقاط الضعف والخلل في نظامه السياسي. طبعاً، هذه المشكلات مترابطة في ما بينها، ذلك أنّ الضغوط الخارجية تستغلّ الضعف في الداخل وتفاقمه، كما يستدرج الضعفُ الداخلي تدخّل الخارج وبسط نفوذه.
في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، واجه لبنان الضغط الخارجي المتمثّل في الصراع العربي- الإسرائيلي وتسلّح الفلسطينيين في لبنان؛ على صعيد النظام الداخلي، عانى العواقب المزدوجة الناجمة عن انعدام التوازن الطائفي لجهة تقاسم السلطة بين المسلمين والمسيحيين، والتوتّر الداخلي تجاه السياسة الاجتماعية- الاقتصادية للدولة.
أمّا اليوم، فالتحديات مختلفة، ذلك أنّ الضغوط الخارجية على لبنان تُعزى إلى صراعين إثنين هما: الصراع بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة اخرى، والصراع المذهبي السائد في لبنان وسوريا والعراق بين المجموعات السّنية والشيعية، الذي هو الآخر امتداد لصراع جيوستراتيجي بين إيران من جهة والمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى.
على صعيد النظام الداخلي، ثمّة تحديات ثلاثة: أولاً، أنشأت صيغة الطائف نظاماً سياسيّاً ضعيفاً يفتقر إلى سلطة تنفيذية قادرة على تسيير قرارات الدولة وتطبيقها بشكل فاعل. ثانياً، حلَّ التنازع بين السنّة والشيعة على السلطة وتقاسمها محلّ الخلاف بين المسلمين والمسيحيين. ثالثاً، فقدت الدولة المكوّن الأساسي لقيامها، وهو السيادة أو احتكار استخدام القوة: فـ"حزب الله" أنشأ عمليّاً "دولة ضمن الدولة" بجيش ومؤسسات شبه سيادية ومستقلة عن دولة اللبنانيين.
يحتاج تحقيق التغييرات والإصلاحات السياسية الكبرى إلى لحظات تاريخية مميّزة. فقد وُلد لبنان في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وانهيار الأمبراطورية العثمانية، وإقامة الانتدابات الأوروبية. ووُضع الميثاق الوطني في سياق الحرب العالمية الثانية وانهيار النفوذ الفرنسي. وتمّ التوصّل إلى اتفاق الطائف بعد حرب أهلية طويلة، بالتزامن مع انتهاء الحرب الباردة. وقد تتطلّب إعادة تشكيل النظام السياسي اللبناني أيضاً ظروفاً تاريخية مشابهة.
من الممكن أن توفّر مسارات الحرب في سوريا وسيناريواتها المقبلة، فضلاً عن بدء التقارب بين إيران والغرب، سياقات ما لحدوث هذا التغيير.
تجدر الإشارة إلى أنّ حكم الأسد قد ورث إدارة نظام الطائف بعد العام 1990، مستفيداً من نقاط ضعف الطائف للمحافظة على نفوذه في لبنان، لكنّه استطاع أيضاً منع النظام في لبنان من الشلل التام لأنّه كان يتمتّع بالسلطة الكافية من أجل فرض قرارات عليه. وقد ظهر ضعف نظام الطائف وشلله بعد الانسحاب السوري. وها نحن اليوم في ظلّ نظام مشلول تماماً.
سوف تستغرق الحرب في سوريا سنوات كثيرة قبل أن تخفّ وتيرتها. لكن من غير المرجّح أن يكسب أيّ من الفريقين الصراع، على غرار ما حدث في الحرب الأهلية اللبنانية، وأنّ الاطراف لن يجدوا بديلاً من التفاوض، بعد حرب استنزاف طويلة، من أجل التوصّل إلى اتفاق لتقاسم السلطة تتمثّل بموجبه مكوّنات المجتمع السوري ومجموعاته الأساسية. في حال حدوث هذا الأمر، يمكن أن تعيد شروط التفاوض وعقد الصفقات في سوريا إحياء عمليّات التفاوض وعقد الصفقات في لبنان.
سوف يكون سياق هذه اللحظة مهمّاً على الصعيدين الإقليمي والدولي. فقد عُقد اتفاق الطائف في وقت شهد انهيار السلطة السوفياتية، وهيمنة الولايات المتحدة في العالم، وضعف القوة الإيرانية إقليمياً، ونفوذاً سعودياً كاسحاً في العالم العربي. أمّا في السنوات المقبلة، فسوف تكون الظروف مختلفة: إذ عادت روسيا لاعباً دوليّاً مهمّاً في الشرق الأوسط - وبخاصة في سوريا وبلاد الشام – حيث تبدو القوة الإيرانية راسخة أيضاً. وما لم يتمّ التوصّل إلى حد أدنى من التوافق الدولي والإقليمي، لن تمضي قدماً اتفاقات وقف الحرب السورية، أو مفاوضات التغيير والإصلاح الفعليين في لبنان.
لقد كانت البوادر سلبية حتى الآن، نظراً إلى أنّ الولايات المتحدة وروسيا والمملكة العربية السعودية وإيران تشنّ حروباً بالوكالة في سوريا والمشرق العربي. لكنّ الولايات المتحدة وروسيا حوّلتا صراعهما إلى بعض التعاون حول صفقة الأسلحة الكيميائية في سوريا، وحول عقد مؤتمر جنيف 2 لإنهاء الحرب في سوريا. تجدر الإشارة إلى أنّ صعود تنظيم "القاعدة" في سوريا قد غيّر المعادلة في واشنطن، وبدأت كلّ من الولايات المتحدة وروسيا تنظر إلى هذا التنظيم باعتباره الخطر الرئيس في الأحداث الجارية في سوريا.
وبينما تواصل الولايات المتحدة تقليص حضورها في الشرق الأوسط، سوف تعتمد بشكل متزايد على الاتفاقات الدولية والإقليمية لإدارة شؤون هذه المنطقة. إضافةً إلى ذلك، يشير الاتفاق الأخير حول الملف النووي بين إيران ودول مجموعة الخمس زائدة واحدة إلى إمكان حدوث تقارب بين إيران والغرب. ومع أنّ دول الغرب والولايات المتحدة تحرص على وقف البرنامج النووي الإيراني، يبقى أنّ لديها مصالح مشتركة مع إيران تتمثل في احتواء "القاعدة"، وإدارة الوضع في أفغانستان والعراق بعد انسحاب القوات الاميركية منهما، فضلاً عن التوصل إلى حلّ للحرب في سوريا، والتفاهم مع ايران على ضبط "حزب الله".
تخشى المملكة العربية السعودية وسائر الدول الخليجية، النفوذ الإيراني. لذلك، كانت مرتاحة للسياسة العدائية التي انتهجتها إدارة بوش تجاه طهران، وانتابتها الحماسة حين وعد أوباما بقصف نظام الأسد في سوريا. لكنّ المملكة العربية السعودية وسائر الدول الخليجية ستضطر إلى إعادة النظر في سياستها إذا واصل الغرب التقارب مع إيران واعتبار "القاعدة"، لا نظام الأسد، المشكلة الرئيسة في سوريا والمشرق العربي. الواقع أنّ الكثير من القادة الخليجيين في الإمارات العربية المتحدة والكويت وسلطنة عمان قد بدأوا تواصلاً ما مع إيران، وقد نشهد حلحلة في العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، وتفاهمات سياسية وديبلوماسية وأمنية، على رغم صعوبتها.
قد ينشئ كلّ من التفاهم الأميركي- الروسي، والأميركي- الإيراني، والإيراني- الخليجي الظروف اللازمة للتفاوض في شأن اتفاق يرمي إلى إنهاء الصراع السوري. وقد تنشئ هذه التفاهمات أيضاً سياقاً لحوار وطني فعلي في لبنان، ولمناقشة تغييرات وإصلاحات في النظام السياسي. قد يحدث ذلك خصوصاً لأنّ مسألة "حزب الله" سوف تطرح للنقاش إلى حد كبير إذا اتجه التقارب الأميركي- الإيراني نحو تحقيق تعاون أعمق؛ وسوف يتعيّن على إيران معالجة حالة "حزب الله" عبر "اقناع" الحزب بانهاء مرحلة "الاستقلال عن الدولة" والمضي قدماً في وضع قدراته العسكرية في تصرّف الدولة والتحوّل الى حزب سياسيّ في إطار سيادة الدولة وقواعد اللعبة السياسيّة الديموقراطية.
في إطار هذا التسريح (العسكري) لـ"حزب الله"، قد تقترح إيران أو بعض القادة الشيعة إعادة النظر في بعض جوانب اتفاق الطائف ومراجعة لصيغة تقاسم السلطة في لبنان. هذا الاقتراح قد يتضمّن مسألة المثالثة في البرلمان أو الحكومة، و/أو قد يطال مسائل اضافية مثل إنشاء حرس وطني أو مؤسسة عسكرية مماثلة. كما قد يتضمّن تفاوضاً على صلاحيات رئيس الوزراء وتوزيع الحقائب الوزارية الأساسية بما فيها وزارة المال. ولا أحد يستطيع أن يجزم ما اذا كانت قد تطرح أمور اضافية حول الهوية والصلاحيات للرئاسات الثلاث والمناصب الأمنية والنقدية الأساسية في البلاد.
بيد أن إعادة تقويم نسب تقاسم السلطة الطائفية والمذهبية في البلاد لن يعالج أبداً مكامن الخلل المنهجي التي تعانيها الدولة اللبنانية. أما الإصلاحات التي تحتاج إليها فهي اعادة بناء سلطة تنفيذية قادرة، وإنشاء برلمان ذي مجلسَين، وإصلاح قانونَي الانتخابات والأحزاب السياسية، وتحقيق اللامركزية الادارية والانماء المحلي والمتوازن عبر تمكين مجالس الأقضية والبلديات، وإنشاء سلطة قضائية مستقلّة ومُمكَّنة فعلاً، ووضع سياسة وطنية أمنية ودفاعية موحّدة، والاتفاق على اعتماد الحياد الإيجابي في السياسة الخارجية.
واقع الحال أن السلطة التنفيذية في دولة الطائف موزّعة الى حدّ أنها باتت ضائعة. فلا رئيس الجمهورية يحكم، ولا رئيس الحكومة، ولا مجلس الوزراء- اذ ان المجلس ليس جسماً متحداً. فعلى خلاف دول العالم، لا يوجد مؤسسة واضحة تناط بها ادارة السلطة التنفيذية، يمكنها اتخاذ القرارات واتباع سياسات معيّنة لفترة محدّدة، ويتاح المجال لمساءلتها بعد انتهاء الولاية. ما تحتاج إليه البلاد هو إصلاح جذري للسلطة التنفيذية بغية إعادة تركيزها في هيئة واحدة تستطيع أن تتولّى الحكم بفاعلية ثم تُساءَل على إخفاقاتها أو نجاحاتها.
هناك سبل عدة تتبعها الدول لتعزيز السلطة التنفيذية. لقد سبق أن اقترحتُ في مناسبة أُخرى إجراء إصلاح قد يكون مناسباً للحالة اللبنانية حيث يُعاد تركيز السلطة التنفيذية في رئاسة الجمهورية؛ لكن في هذه الحالة تتألّف الرئاسة من مجلس رئاسي يضمّ سبعة أعضاء، على غرار المجلس الرئاسي السويسري. ويتضمن الاقتراح أن يتم انتخاب المجلس الرئاسي السباعي من بين لوائح سباعية متنافسة بالاقتراع العام المباشر وليس عبر مجلس النواب، وذلك لولاية مدّتها أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط. بهذه الطريقة تُمنَح الرئاسة تفويضاً عاماً لقيادة السلطة التنفيذية لأربع سنوات، وتُكافَأ من الشعب على نجاحاتها، وتُعاقَب على إخفاقاتها في صناديق الاقتراع بعد أربع سنوات.
فمن المهم إنشاء هيئة تنفيذية قادرة من أجل تحريك عجلة الدولة من جديد؛ كما من المهم تمكين الشعب على المستوى الوطني لاختيار حكامه ومساءلتهم مباشرةً. الواقع أن المواطنين اليوم لا يشاركون في أيّ انتخابات وطنية جامعة، ولا يختارون أيّاً من حكّامهم في السلطة التنفيذية. يشارك مواطنونا فقط في انتخابات ضمن دوائر محلية أو مناطقية، كما أن ديموقراطيّتنا تقتصر على تفويض الشعب دوره إلى طبقة سياسيين تعمد في ما بعد إلى تقاسم غنائم السلطة وحماية مصالحها الأوليغارشية من خلال مؤسسات الدولة. هذا النظام وُضِع في عشرينات القرن الماضي عندما كانت ظروف لبنان الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية والتواصلية مختلفة تماماً؛ آن الأوان لإشراك المواطنين اللبنانيين مباشرة في اختيار حكّامهم ومساءلتهم.
لكن لا يمكن إجراء إصلاح جذري للسلطة التنفيذية من دون إجراء إصلاحات أخرى بشكل متزامن، تضمن مزيداً من الادارة الذاتية على المستوى المحلي والمناطقي، وتقدّم ضمانات للمجموعات القلقة من خلال إنشاء مجلس شيوخ، وتوفّر مزيداً من الأمن والحماية لكل مواطن عبر تعزيز القضاء وحكم القانون.
والحال أنه كان لا بد من تطبيق اللامركزية الإدارية منذ زمن طويل، على أن تتضمّن إنشاء سلطات مُنتخَبة على مستوى الأقضية، يمكن أن تلعب دوراً أساسياً في التنمية المحلية. كذلك يجب إنشاء مجلس للشيوخ له السلطة في ما يتعلّق بالقضايا المهمة التي قد تهمّ مختلف الطوائف في لبنان، علماً أن تثبيت التمثيل الطائفي في هذا المجلس من شأنه أن يُطَمئِن المجموعات الخائفة ويحرّر باقي النظام السياسي من وطأة الطائفية السياسية.
ينبغي أن تترافق هذه الإصلاحات مع إقامة سلطة قضائية تكون فعلاً السلطة القوية الثالثة والمستقلة في البلاد. ويجب أن تكون لهذه السلطة موازنة مستقلة، وآليات حوكمة داخلية مستقلة، وصلاحية الدفاع عن الدستور وتفسيره، وفعالية تستطيع عبرها أن تصون حقوق الافراد والمجموعات وحرياتهم. ولن يُحقَّق أي تقدّم في مجال تقوية السلطة التنفيذية، أو توسيع التمثيل التشريعي، أو تعزيز الادارات المحلية، من دون بناء سلطة قضائية قوية ومستقلة.
أخيراً، يجب أن تكون السياسات الدفاعية والخارجية جزءاً من أي ميثاق وطني جديد. لا يمكن أن يبقى لدينا جيشان في دولة واحدة، كما لا يمكن أن نستمرّ في انتهاج سياسات خارجية متعدّدة ومتضاربة. ثمة اقتراحات عدة حول كيفية دمج جيش "حزب الله" في الجيش الوطني، إما عبر انشاء حرس وطني أو عبر صيغ أخرى، ولكن في كل الاحوال تحت قيادة الدولة اللبنانية وسلطتها، عبر مؤسساتها الدستورية والديموقراطية.
إضافة إلى ذلك، ينبغي الاتفاق على العقيدة العسكرية والأمنية حيث القاسم المشترك هو الدفاع عن الحدود الوطنية وصون الأمن الداخلي. أما السياسة الدفاعية فيجب أن تُربَط بالسياسة الخارجية. ففي حين سيبقى لبنان إلى جانب العالم العربي حتى حلّ الصراع العربي- الإسرائيلي وقبول إسرائيل بمبادرة السلام العربية، الا أنه في ما يتعلّق بشؤون السياسة الخارجية الأخرى، يكون الإجماع ضرورياً حول عدم المشاركة في المحاور أو الاصطفافات الإقليمية أو الدولية - أي اعتماد سياسة الحياد الإيجابي.
ما ورَدَ أعلاه هو بعضٌ من الإصلاحات الأساسية التي من شأنها إعادة الحيوية إلى النظام السياسي اللبناني. لكن ثمة إصلاحات أخرى أيضاً تشمل ما يأتي: إنشاء صندوق ثروة سيادي وطني شفّاف وقابل للمساءلة لإيداع العائدات المستقبلية لعملية استخراج الطاقة قبالة ساحل لبنان والاستثمار في شباب بلادنا ومستقبلها؛ إعادة تنظيم رخص التلفزيون الوطني لإنهاء ظاهرة امتلاك كل حزب أو طائفة محطة تلفزيونية خاصة به أو بها؛ وإنشاء وكالة وطنية جدّية وقويّة لمكافحة الفساد؛ والاستثمار في الجامعة اللبنانية وإصلاحها.
في الختام، لا شكّ أن مثل هذه الإصلاحات تبدو للوهلة الأولى بعيدة المنال محلياً وإقليميا. لكن من المهم طرح الأفكار ومناقشة التصورات التي يمكن أن تكون جزءاً من إصلاح جدّي للنظام السياسي اللبناني في المستقبل، إذا فاجأتنا الظروف الدولية والاقليمية ودفعتنا الى طاولة الحوار الوطني والاصلاح السياسي.
|