في لبنان أزمة تتلخص في الآتي: عالم قديم يتهاوى وعالم جديد يجهد للظهور. في لبنان نهاية لسلسلة "المقاومات" التي توالت منذ العام 1975: مقاومة "لبنانية" ضد الوجود الفلسطيني المسلح انتهت بـ"حرب إلغاء" بين المسيحيين، ومقاومة "وطنية" دفاعاً عن المقاومة الفلسطينية انتهت بـ"حرب المخيمات" ضد الفلسطينيين و"حرب إلغاء" بين الشيعة في إقليم التفاح، ومقاومة "اسلامية" ضد اسرائيل دخلت اليوم في "حرب إلغاء" مع الشعب السوري.
في لبنان سقوط دولة عاجزة عن تحمل مسؤولياتها السياسية والأمنية وتأمين استمرار مؤسساتها الدستورية، وسقوط اقتصادي واجتماعي مرشح للتفاقم مع التدفق المستمر للاجئين السوريين.
في لبنان تزايد لخطر الفتنة المذهبية بعد ربط لبنان بالصراع الدائر في سوريا من خلال مشاركة "حزب الله" في القتال هناك، وبعدما عجز المجتمع الدولي عن وضع حدّ للجريمة ضد الانسانية – الأولى في القرن الحادي والعشرين - التي ترتكب في حق الشعب السوري.
هل سبب الأزمة يكمن في النصوص، فينبغي للخروج منها البحث عن "ميثاق جديد" نستبدل فيه مناصفة طائفية بمثالثة مذهبية ونستعيد فيه صلاحيات مفقودة؟ أم إن الأزمة هي في مكان آخر وتحديداً في الأدوات السياسية التي تولت إدارة البلاد؟
في الستينات شهد لبنان تحولاً أساسياً في طبيعة العمل السياسي، فانتقل من تكتلات سياسية عابرة للطوائف، كالكتلة الدستورية والكتلة الوطنية، ومن أحزاب إيديولوجية لاغية للطوائف كالحزب الشيوعي والحزب القومي الى أحزاب طائفية نموذجها حزب الكتائب وحركة "أمل"، فباتت السياسة منذ ذلك الوقت تنحصر في صراع من طبيعة طائفية كان يجري على مستويين: داخل كل طائفة لتعيين من يمثّلها على الصعيد العام، وبين الأحزاب الطائفية لتعيين حصة كل منها في الدولة.
أصبح المشهد السياسي محصوراً في تحرك أحزاب طائفية اخنزلت المواطن– الفرد بالجماعة والجماعة بحزب من دون اعتبار لحرية الانسان. واستخدمت في سبيل ذلك سلاح الخوف، الخوف من الآخر، مرفقاً بشعور من الغبن سببه هذا الآخر.
في مواجهة خطر الآخر يصبح مشروعاً لمن يدّعي تمثيل طائفته استخدام كل الأساليب لتأمين الحماية، بما في ذلك استدعاء الخارج لمواجهة الداخل.
هذا الزمن الطائفي الذي بدأ مع أحداث العام 1958 انتهى مع "ثورة الأرز" في العام 2005، وتشكُّل رأي عام لبناني تخطى التقسيمات الحزبية والطائفية والمناطقية، وتأسس على وعي كلّ فرد في المجتمع لأهمية تغليب المصلحة العامة على كل ما عداها باعتبارها ضماناً لحقوقه العامة والخاصة. فالذين شاركوا في تظاهرة 14 آذار لم يلبّوا دعوات سياسية أو حزبية فحسب، بل اتخذوا قرارهم بناءً على شعورهم بأن مصير بلادهم هو مسؤولية كل واحد منهم.
وقد ظهر هذا الأمر بشكل جليّ في المبادرات العفوية التي توالت بعد اغتيال الرئيس الحريري والتي سبقت في كثير من الأحيان حركة الأحزاب والتنظيمات المعارضة. فقد أغنت هذه المبادرات حركة الاعتراض وأعطتها دفعاً غير متوقع. وكان دخول على نحو مميّز لفئات جديدة على السياسة، منها:
- المرأة التي لم يسبق لها أن شاركت بهذه القوة في معركة وطنية، فلعبت دوراً حاسماً في دفع الحركة إلى الأمام وتثبيت طابعها السلمي والأهلي، - الشباب من كلّ الأعمار والانتماءات والمهن، وهم الذين حوّلوا ساحة الشهداء إلى "ساحة الحرية" تمسكاً بحرية بلدهم ودفاعاً عن مستقبلهم، - اللبنانيون في الانتشار الذين تحرّكوا في كلّ أنحاء العالم وتخطّوا انقسامات الماضي ليقدّموا لشعوب العالم وحكوماته صورة حضارية عن لبنان.
لقد أحدثت لحظة 14 آذار 2005 تحولاً حقيقياً في السياق التاريخي لفكرة العيش اللبناني المشترك. حتى تلك اللحظة كان معظم التواريخ الأساسية لحكاية لبنان من صُنع حيويات طائفية معينة:
فكرة لبنان الكيان كانت في الأصل فكرة تمثّلها الأمير فخر الدين الثاني "الدرزي" (1572 – 1635) الذي استطاع أن يوحد جبل لبنان ويفتحه على الضفة الأخرى للمتوسط.
دولة لبنان الكبير (1920)، في حدوده الحالية، بعد ضمّ الأقضية الأربعة إلى جبل لبنان، عُدّت إنجازاً مارونياً ارتبط بزيارة البطريرك الياس الحويك التاريخية لفرنسا.
استقلال لبنان (1943) كان، في المقام الأول، بفضل لقاء الطائفتين المسيحية والسنّية على هذا الاستقلال، وهو لقاءٌ تجسّد في شخصيتين رمزيتين هما بشارة الخوري ورياض الصلح.
تحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي (2000) أتى أيضاً، وفي المقام الأول، بفضل جهد الجنوبيين في غالبيتهم الشيعية الذين قدّموا القسط الأكبر من التضحيات، من دون أن نهمل تضحيات سائر اللبنانيين وتضامنهم الدائم مع "قضية الجنوب".
وحده 14 آذار 2005 لم يرتبط بأيّ طائفة على وجه الحصر أو التعيين. إن استقلال لبنان الثاني، الذي أعقب أطول حروبه الأهلية، لم يكن قابلاً للمصادرة الفئوية.
فأيُّ طرف مشارك في الحركة الإستقلالية لم يستطع إدّعاء أبوّتها، لأنها كانت، بواقع اتساعها وشموليتها، غير قابلة للإختزال في واحد من مكوّناتها، أكان سياسياً أم طائفياً أم مدنياً. لقد اكتسبت تلك الحركة، منذ البداية، نوعاً من الشخصية الاعتبارية المستقلة عن مكوّناتها، وهويةً جامعة غير مسبوقة.
لم توظف هذه اللحظة التاريخية لإنجاز التحول المطلوب، فاعترضت الأحزاب الطائفية على تحويل حركة الرابع عشر من آذار إلى تيار عابر للطوائف قادر على استيعاب القوى الحديثة التي برزت في المجتمع، وأعادت الإمساك بمفاصل الحياة السياسية. كلفة هذه الفرصة الضائعة مرتفعة جداً. فنحن في غياب الأداة السياسية الصالحة لا نملك قدرة على تجاوز الأزمة، وترانا نبحث عن نصوص جديدة لعلّها تعوّض عن عدم قيامنا بـ"الواجب".
في العام 1943، حين وضع الميثاق الوطني، رعته كتلة سياسية مكوّنة من أركان الاستقلال، وقد شُكّلت في هذا الإطار، ثقافة لهذا الميثاق، وأدّت "الندوة اللبنانية" دوراً مهماً في هذا المجال، فيما اتّفاق الطائف وُلد يتيماً، إذ لم تُشكَّل كتلة سياسية تحمل اتفاق الطائف ولم تتشكّل ثقافة تحميه.
هذا الاتفاق هو اليوم حاجة وطنية بامتياز، وهو أيضاً حاجة عربية مع التحولات التي أحدثها الربيع العربي ومدخل لبناء عالم عربي ديموقراطي وتعددي يستطيع تجاوز خطر الفتنة المذهبية الذي يتهدده.
فلنعمل على خلق أداة سياسية قادرة على فرض تطبيق هذا الاتفاق الذي يشكل اليوم في ظل تفكك الدولة وتزايد الفتن والخلافات آخر رابط بين اللبنانيين.
|