|
سوسن أبوظهر
من مريم، حفيدة الحبيب بورقيبة، إلى يهوديَين في سابقة تاريخية، تزاحمٌ على عضوية المجلس التأسيسي، في أول اقتراع تشهده تونس منذ إطاحة زين العابدين بن علي. بيد أن التنافس ليس على مقاعد نيابية، كما في مصر والمغرب الشهر المقبل، بل على دخول الهيئة المكلفة وضع دستور جديد للبلاد التي تواجه حقل ألغام، من أزمات الاقتصاد إلى المخاوف المتزايدة على حرية التعبير وحقوق النساء.
لعل الانتخابات الأحد 23 تشرين الأول الاختبار الأكبر لـ"الربيع العربي"، بعد سلسلة من العثرات. وفي مفارقة غريبة تزامن إطلاق النار والمدرعات على الأقباط في القاهرة، مع الهجوم على قناة "نسمة" في تونس وكلية الآداب في سوسة.
وبعدما كانت نتائج الاقتراع تُعرف سلفاً، يجد التونسي نفسه أمام تخمة انتخابية بـ1637 لائحة. وأقر الأمين العام للتكتل الديموقراطي من أجل العمل والحريات مصطفى بن جعفر بأن الناخبين في حيرة، "لكننا نعول على نضج المواطنين لتنصب أصواتهم على الأحزاب الأكثر صدقية حاملة المشاريع الحقيقية للمجتمع".
"النهضة"... الناخب الأكبر ويرجح أن يتجه التونسيون إلى وجوه مألوفة. وإذا كان بن جعفر، الطبيب والسياسي والناشط الحقوقي، أحدها، فإن راشد الغنوشي أبرزها. إنه اللاعب الأكبر وإن يكن غير مرشح. وتتوقع استطلاعات الرأي حصول حزبه حركة النهضة على 30 في المئة من الأصوات.
وبعدما غاب عن يوميات الثورة، ثم عن الحكم الموقت، اختار الحزب لنفسه دور المراقب الناقد، مستفيداً من هشاشة المرحلة الانتقالية. وهو إذا كان صُنف سابقاً تنظيماً "متشدداً"، فإنه يرفع حالياً شعار الاعتدال، مستوحياً النموذج التركي أو "اللايت إسلام" كما يوصف في الغرب. لذا تجد صور رجب طيب أردوغان في مقار "النهضة". حتى أن الناطق باسم الحركة في باريس زياد داوولاتلي يقول إنها "حزب سياسي. يجب التمييز بين الحزب السياسي والحزب الديني". ويتحدث عضو المكتب التنفيذي الصحبي عتيق عن "حركة وطنية تونسية تجمع قيم الإسلام والحداثة".
على أن المنتقدين يعتبرون خطابهما "تسويقياً"، ذلك أن الأمين العام حمادي الجبالي، وهو سيتولى القيادة بعد الغنوشي، يشير إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها "رسالة وفلسفة. وتعني الحرية والمساواة والعدالة".
في قصر المؤتمرات بالعاصمة، قدم الحزب برنامجه في 14 أيلول. وقف رؤساء اللوائح على المنصة، واتجهت الأنظار إلى امرأة بينهم، إنها الصيدلانية سعاد عبدالرحيم. أثارت الفضول بسروالها الضيق وشعرها المنسدل. لا تشبه في شيء ناشطات الحزب اللواتي انتقد بعضهن "سفورها". والمفارقة أن ابنتها المراهقة لامتها بدورها إذ لم يرقها أن تكون مع "النهضة".
هنا لا بد من الإيضاح أن وجود غير محجبة على لائحة إسلامية أسلوب اعتمده حزب العدالة والتنمية المغربي في دورات سابقة، وصولاً إلى أردوغان نفسه في حزيران. غير أن ما يثير الاستغراب حقاً ليس ملابس عبدالرحيم بل وضعها أمام منافسين أقوياء في الدائرة نفسها، أمثال اليساري أحمد نجيب الشابي والمرشح الرئاسي السابق أحمد ابرهيم و... عبدالفتاح مورو، أحد مؤسسي "النهضة"، وهو على تباين معها منذ 1991 حين امتنعت عن نبذ العنف نهجاً للتغيير. يتمتع بشعبية كبيرة مثل الغنوشي، لكن الأخير يتفوق في لعبة التسويق الإعلامي، إذ افتتح الحملة الانتخابية قبل أسبوعين في مكان لا يخلو من الرمزية، سيدي بوزيد، مسقط محمد البوعزيزي.
السلفيون: الخلافة والجهاد وفي ولاية سيدي بوزيد كذلك معقل الخطيب الإدريسي، يوصف بأنه شيخ السلفية، وسُجن بين عامي 2006 و2009 بتهمة "الإفتاء بالقيام بعمليات جهادية وعدم الإبلاغ عن جريمة إرهابية". ينشط أتباعه في مواقع التواصل الاجتماعي، وتجد في "فايسبوك" صفحة "رسمية" تحمل اسمه، لها أقل من سبعة آلاف معجب. وفيها دعي إلى احتجاجات على قناة "نسمة" وحصرها في الولايات، و"الحذر من التوجه للعاصمة. الحكمة مطلوبة والحذر من الاستدراج للتكسير والحرق". بيد أن تظاهرة كبيرة جابت شوارع المدينة الجمعة بعد الصلاة للتنديد بالمحطة تحت شعار "الشعب يريد الخلافة الإسلامية"، وأحرق مساء منزل مديرها نبيل القروي.
من خالف توصيات الإدريسي؟ تقول الجامعية التونسية الباحثة في الإسلاميات ودراسات المرأة آمال قرامي لـ"النهار" إن السلفيين ليسوا كتلة واحدة. و"حزب التحرير" الذي لا يزال محظوراً، "حاضرٌ في المشهد السياسي عبر شعارات في التظاهرات لإقامة "دولة الخلافة" وتطبيق الشريعة". أما ما يسمى السلفية الجهادية، "فلا تتوانى عن استخدام العنف، لا وقت لديها للحوار مع الآخر، وغايتها تطهير المجتمع من العلمانية". وتضيف أن الأحداث الأخيرة أعادت التذكير بالمواجهات الدامية بين مسلحين من السلفية الجهادية وقوى الأمن والجيش في منطقة سليمان على مسافة 30 كيلومتراً من تونس، بين 29 كانون الأول 2006 والثالث من كانون الثاني 2007. وإذ تتحدث عن "اختراق المجتمع عبر الفضائيات الدينية المتشددة والتواصل بين بعض الشبان ومعسكرات المقاتلين في أفغانستان والعراق"، تقر بالافتقار إلى الإحصاءات الدقيقة عن حجم السلفية بشقيها.
وتوضح قرامي أن الدستور السابق ألغي، و"البلاد في مرحلة اللادستور، وبعد 23 تشرين الأول، نكون من دون حكومة ورئيس، وهنا مكمن الخطر"، ذلك أن بعض الأحزاب رجح أن يستغرق إعداد النص سنة وربما أكثر. وسيتولى أعضاء المجلس التأسيسي اختيار رئيس للدولة بالوكالة.
وإذا كان لا مرشحين للسلفية على خلفية تكفير عمليات الاقتراع، فإن بعض المشايخ مثل أبو عياض التونسي أوصوا بدعم "النهضة". وفي رأي الباحثة، أنه "سواء تحدثنا عن النهضة أو عن الفريق المنفصل عنها بزعامة مورو، فإن الهدف واحد، السيطرة على المجلس التأسيسي وصياغة دستور يعكس توجهاً رجعياً يعود بنا إلى الوراء، وخصوصاً في حقوق النساء والأقليات وضمان الحريات". وهذا من شأنه تكريس "احتكار الإسلام وإظهار النهضة ناطقاً رسمياً باسم المسلمين" وحامياً للتراث العربي - الإسلامي. والحزب، في نظرها، اعتمد "خطاباً قهرياً" كلما تعرض المثقفون والفنانون والصحافيون لتهديد لفظي أو جسدي، وهو تالياً "غير قادر على تطبيق نهج معتدل والتخلص من الرافد السلفي التقليدي الذي بقي حاضراً بقوة".
والواقع أن في سيرة الغنوشي الكثير من المحطات الملتبسة، من صلات بـ"الاخوان المسلمين" و"الجبهة الإسلامية للإنقاذ" الجزائرية وإعجاب بحركة المقاومة الاسلامية "حماس". ويسترعي الانتباه أنه في إشادته بالنموذج التركي يعقد مقارنة غريبة مع "الاخوان المسلمين". وتنقل عنه صحيفة "حريت" قوله على هامش مشاركته في تشييع رئيس الوزراء التركي سابقاً نجم الدين أربكان: "في العالم العربي، في جيلي، حين كان الناس يتطرقون إلى الحركة الإسلامية، فإنهم كانوا يذكرون أربكان. الأمر يشبه الحديث عن حسن البنا وسيد قطب"!
|