الأربعاء ٢٥ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ٢٣, ٢٠١٤
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
العالم العربي والفسحة المالية المطلوبة - مازن سويد
ما من شكّ في ان هنالك جملة من التحديات الاقتصادية والمالية التي تواجهها منطقتنا العربية، تتشارك في بعض منها معظم البلدان العربية، كمعدلات البطالة المرتفعة والحاجة إلى إيجاد فرص عمل جديدة لملايين الداخلين إلى سوق العمل، وتتفاوت في بعضها الآخر.
 
البلدان النفطية العربية مثلاً، معظمها يواجه خطر انخفاض سعر النفط العالمي في ظل انحسار المخاطر الجيوسياسية المتمثلة بالاتفاق حول الملف النووي الإيراني بالرغم مما يعترض استكمال هذا الاتفاق من عقبات ومطبات خلال الفترة المقبلة. وكذلك الأمر بالنسبة لما سوف يترتب عن الاكتشافات الكبيرة للنفط والغاز (Shale Gas&Oil) في الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك في بلدان أخرى في أميركا اللاتينية وافريقيا.

أما في ما خصّ البلدان العربية غير النفطية، فإنها تواجه تحديات من نوع آخر، وتتمثل هذه التحديات بتدهور الأوضاع الأمنية والتداعيات الكبيرة التي حملتها معها مرحلة المخاض العسير الذي تمر به دولها على الصعد السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية ولاسيما إثر حركات الربيع العربي وهجمة قوى الخريف العربي عليها.

لقد انخفضت معدلات النمو في العالم العربي في العام 2013 إلى حوالى 3% وهي نسبة لا تتلاءم على الاطلاق مع عدد المنضمين إلى سوق العمل العربية لاسيما أن فرص العمل والعيش الكريم كانت من أهم المطالب التي تقدم بها الشباب العربي الذي نزل إلى الساحات والميادين في مختلف الأقطار العربية مطالباً بالحرية واستعادة الكرامة وتحسين مستوى عيش المواطنين ونوعيته.

ويعود انخفاض النمو في البلدان العربية النفطية وحسب ما تدل عليه آخر المؤشرات إلى انخفاض انتاج النفط، المرتبط بدوره بتباطؤ الاقتصاد العالمي ولاسيما ان البلدان النامية الكبرى كالصين والهند تعاني بدورها تباطؤاً في اقتصاداتها. هذا ما يعني استمرار الانخفاض في حجم الطلب المتوقع على النفط واستطراداً تداعيات ذلك في ما يتعلق بانخفاض سعره. هذا ما سينجم عنه تحدٍ أساسي لبلدان الخليج التي اتبعت على مدى السنوات الماضية سياسة مالية معاكسة (Counter-Cyclical Fiscal Policy) حيث زادت من حجم الانفاق الحكومي لتعويض تباطؤ مستويات الاستهلاك والاستثمار العالمي. ولقد ساهم ذلك في تحقق معدلات نمو مرتفعة نسبياً، ولكنه أدى إلى ارتفاع سعر النفط الموازن للموازنة Break-even Oil Price وهو سعر النفط الذي تحتاجه بلدان الخليج حتى تتساوى إيراداتها مع مستويات إنفاقها. على هذا، فإنّ أحد التحديات الأساسية للبلدان النفطية العربية في المرحلة المقبلة هو في كيفية الملاءمة بين توقع انخفاض سعر النفط العالمي وارتفاع سعر النفط الموازن لموازناتها.

طبعاً لن تكون هذه الملاءمة المطلوبة سهلة على هذه البلدان في ظل الضغوط المتواصلة لزيادة حجم الإنفاق التي تحتاج اليها البلدان النفطية العربية لتحفيز الاستثمار من خلال المشاريع المنتجة والتي تساهم في تنويع الاقتصاد وايجاد فرص العمل الجديدة ولاسيما ان معدلات البطالة مازالت مرتفعة بالرغم من الجهد الذي قام به العديد من تلك الدول على صعيد تنويع اقتصاداتها. هذا ما سيستدعي العمل من قبل هذه الدول إلى إيجاد فسحة مالية Fiscal Space تساهم من جهة أولى في ترشيد الانفاق وتعمل على خفضه ان امكن في ظل انحسار سعر النفط العالمي.

على الجانب الآخر تختلف أسباب الانخفاض في معدلات النمو لدى الدول غير النفطية في المشرق العربي وشمال افريقيا وهي تشمل تدهور الوضع الأمني والمخاض العسير الذي تشهده عملية الانتقال والتحول السياسية الجارية فيها. وهذا الوضع يضغط على القطاع الخاص الذي يجد نفسه مضطراً بسبب الغموض الذي يلف العوامل الأمنية والسياسية إلى اتباع سياسة الانتظار Wait and See وذلك في انتظار جلاء الصورة المشوشة.

في هذا الاطار، فإنه يبدو أن هنالك شبه استحالة في أن يبادر القطاع الخاص لزيادة حجم الاستثمار في ظل الوضع الأمني والسياسي الضاغط. وعلى هذا يصبح محتماً على حكومات الدول المعنية في المنطقة ان تحمل إلى حد كبير لواء الاقتصاد، فتزيد الانفاق على المشاريع الهادفة للتنمية وخلق فرص العمل الجديدة. ولكن المأزق يكمن في ان معظم حكومات المنطقة، ان لم تكن كلها، غارقة في دوامة تزايد مستويات العجز وارتفاع المديونية.لا مفر إذاً في ضوء الحاجة إلى زيادة الانفاق ان تسعى هذه الدول إلى العمل على ترشيده وتوجيهه نحو المشاريع المولدة للنمو ولفرص العمل. إنّ هذا الجهد لن يكون كافياً بل يجب ان يترافق أيضاً مع إطلاق ورش اصلاحية على صعيد بيئة ممارسة الأعمال والاجراءات الواجب اتخاذها في هذا الصدد. وكذلك العمل على إطلاق مشاريع القوانين والتشريعات التي تهيئ الساحة للقطاع الخاص وتحفزه على زيادة استثماراته عندما تتحسن الظروف الأمنية والسياسية.

يبدو إذاً أن المطلوب هو ذاته سواء أكانت الدول العربية مصدرة أو مستوردة للنفط وهو إيجاد الفسحة المالية التي تتيح لهذه البلدان ترشيد الانفاق وتوجيهه نحو المشاريع الإنمائية.

هذا يستدعي الابتعاد التدريجي عن سياسات الدعم لقطاع الطاقة واستبدالها بشبكة حماية اجتماعية متكاملة وفعّالة بالتوازن مع بذل جهد كبير في تقديم شرح كاف ومقبول للشعوب العربية عن الهدر المتأتي عن سياسة الدعم وضرورة استبداله بشبكة حماية اجتماعية توفر الدعم الحقيقي لمن يحتاجه. إنّ هذا العمل يتطلب مستوى عالياً من الصراحة والجرأة والشفافية والحكم الرشيد والتواصل مع المواطنين، ولكنه أمر لا مفر منه إذا أردنا ان نستعمل الموارد المتاحة بالطريقة الأمثل.

تجدر الإشارة إلى أنه وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، فإنّ كلفة دعم قطاع الطاقة عالمياً (أي الفرق بين سعر السوق والسعر المعتمد لدى مختلف البلدان لتقديم خدمات معينة) تبلغ حوالى 400 مليار دولار وبحسب التقرير ذاته فإنّ نصف هذا المبلغ مصدره دعم الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا.

والواقع ان هذا الدعم للطاقة هو دعمٌ مكلف للاقتصاد حيث يخلّ بتوازنات العرض والطلب، وهو دعم مكلف للبيئة، حيث يؤدي إلى مستويات مرتفعة وغير مبررة من الاستهلاك، والأخطر من ذلك كله هو أنه يفيد الفئات الاجتماعية الأكثر استهلاكاً للطاقة أي الفئات الميسورة والتي لا تحتاج أصلاً إلى دعم وذلك على حساب مجموع الشعب ولاسيما الفئات المتوسطة والمتدنية الدخل.

يشكو العرب من غياب الدعم الأميركي والأوروبي للفترة الانتقالية التي يعيشونها وهم يفتقرون الى نوعية الدعم الذي حصلت عليه دول أوروبا في فترات سابقة من التاريخ كخطة مارشال عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية أو الدعم الذي قدمه الاتحاد الأوروبي لبلدان أوروبا الشرقية بعد انهيار حائط برلين. وفي هذه الشكوى شيء من الصحة علماً أن الوضع الاقتصادي العالمي لا يسمح بتقديم الدعم اللازم لدول الربيع العربي في فترته الانتقالية.

ومع أن هذه المقولة هي موضوع نقاش، ولكن الواقع أيضاً ان العالم العربي، اذا ما استطاع الاستفادة بفاعلية من موارده وعمل على استثمارها بالشكل المناسب، فإنه قد لا يحتاج إلى من يساعده. لنتخيل ماذا يمكن لـ200 مليار دولار التي تنفق على الدعم سنوياً ان تحقق اذا ما تمّ استعمالها في مجالات النقل، والطاقة والتعليم والصحة والبنى التحتية بدلاً من ان يتم هدرها على دعم يفيد من لا يحتاجه ولا يساهم في زيادة الانتاج أو الانتاجية.
 
باحث اقتصادي لبناني


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
من "ثورة الياسمين" إلى "الخلافة الإسلامية"... محطّات بارزة من الربيع العربي
لودريان: حرب فرنسا ليست مع الإسلام بل ضد الإرهاب والآيديولوجيات المتطرفة
نظرة سوداوية من صندوق النقد لاقتصادات الشرق الأوسط: الخليج الأكثر ضغوطاً... ولبنان ‏الأعلى خطراً
دراسة للإسكوا: 31 مليارديرًا عربيًا يملكون ما يعادل ثروة النصف الأفقر من سكان المنطقة
الوباء يهدد بحرمان 15 مليون طفل شرق أوسطي من الحصول على لقاحات
مقالات ذات صلة
المشرق العربي المتروك من أوباما إلى بايدن - سام منسى
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
إردوغان بوصفه هديّة ثمينة للقضيّة الأرمنيّة
إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها - حازم صاغية
عن تسامح الأوروبيين ودساتيرهم العلمانية الضامنة للحريات - عمرو حمزاوي
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة