الثلثاء ٢٤ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ٢٨, ٢٠١٤
الكاتب: زياد ماجد
المصدر: nowlebanon.com
سوريا والحفر بالأظافر
يمكن لبعض المشاهد أحياناً أن تختصر قضايا وأحوال عقود كاملة. وقد وقع متابعو الشأن السوري الأسبوع الفائت على ثلاثة مشاهد مكثّفة تثبت ذلك.
 
المشهد الأول، وقوامه 55 ألف صورة مسرّبة من سجون النظام الأسدي أو من جوفه "العميق"، يعبّر أصدق تعبير عن جوهر الدولة التي ابتناها الأسدان وأجهزتهما: دولة التعذيب الجسدي والرمزي. فالحرق والخنق وفقء العيون تتمّ ضمن طقوس همجية جماعية تهدف الى إبادة المستهدفين وتسليط الرعب المريع على الناجين ليبقى ما شهدوه على أجسامهم وأجسام جيرانهم في الزنازين أبدياً معطّلاً لإراداتهم.
 
وهذا بالتحديد ما فعله الأسد الأب في حماة وتدمر، وما يفعله ابنه منذ سنوات في معظم أرجاء سوريا.
 
المشهد الثاني، وهو مفاوضات مدينة مونترو السويسرية، يُظهر لُبّ المعركة التي يخوضها النظام منذ قرابة الثلاث سنوات: بقاء الأسد وإعدام أو تجويع من لا يقبل بالأمر.
 
فكلّ المفاوضات تدور حتى الآن حول مسألتَي نقل السلطة من "الرئيس" الى حكومة انتقالية، وسماح "الرئيس" إيّاه بدخول الحليب والخبز والأدوية الى مناطق يحاصرها في حمص والغوطة وجنوب دمشق ومخيّم اليرموك.
 
ولا شيء غير ذلك يهمّ النظام أو ثمة حاجة للتفاوض عليه أصلاً، لا المؤامرات الكونية ولا الخطط الصهيونية ولا مكائد الرجعية العربية ولا الإرهاب ولا الأقلّيات ولا "سايكس ـ بيكو" الجديد.
 
المشهد الثالث، وهو إعجازي بكلّ ما للكلمة من معنى، هو لحظة انتشال طفلة في حي شعبي حلبي، طمرَها وأهلَها قصفُ طيران النظام لمنزلهم. والطفلة هذه، بعد حفر شبّان وكهول في الرمل والركام الذي غطّاها بأيديهم العارية ومن دون معدّات، وبعد رفعٍ لحجارة ثقيلة وإزاحة عتبة درج منهار تحتجز أحد قدميها، كانت حيّة تتنفّس، وفتحت عينيها من خلف الغبار لترى الناس المحتشدين حولها غير المصدّقين ما رفعته أيديهم وأعادته الى الضوء، الى الحياة (صلة الانترنت هنا http://www.youtube.com/watch?v=-m_IgNakiXc).
 
ويمكن القول إن المشهد الأخير هذا هو مآل المشهدَين السابقَين، أو هو تتويج لهما وللثورة المستمرّة عليهما وبسببهما: حفر بالأظافر في جدران سجون تبتلع منذ سنوات عشرات الآلاف من البشر، والنهوض من تحت الرمل وحصار الموت، وإشهار إرادة التحدّي في مواجهة النظام وبراميله ورئيسه.
 
هكذا، تختصر مشاهد ثلاثة معاناة عقود وثورة سنوات. وهكذا، تتجسّد في صوَر معدودة معادلة السوريّين الوجودية، أو قدرهم الوحيد: "إما نحن أو أنت"!



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
إقرأ أيضا للكاتب
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
فلسطين العصيّة على الممانعة والتطبيع
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
عن بكركي والمعارضات اللبنانية
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة