الثلثاء ٢٤ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ٢٨, ٢٠١٤
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
معنى قبول الحريري بمشاركة الحزب - منى فياض
المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي أول مؤسسة قضائية دولية دائمة مختصة بمحاكمة الأفراد المشتبه بهم في ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
 
منذ أن انطلقت جلسات هذه المحكمة ونحن نعيش حالة من الانفعالات القوية والأعين شاخصة على الشاشات. قام الادعاء بوصف مشهد الاغتيال "بجحيم من صنع الانسان"، واعتبر أن الشعب اللبناني برمته ضحية هذا الاعتداء.

أعتقد أن هذا كلام جوهري ويعطي المحكمة صفتها الجوهرية ومعناها كعلامة فارقة بين وضع يكون فيه الاغتيال الوسيلة الفضلى للتحكم والهيمنة السياسيين ولترهيب الشعوب، وحقبة تعلن أنه عمل إرهابي مرفوض فتبدأ العدالة تتخذ مجراها ونرجو منها النجاح في إرساء سلوك نوعي جديد في لبنان وفي الشرق الاوسط يتعلق بمفهوم العدالة وإمكان تطبيقه في الواقع.

هذه المحكمة ليست فقط من أجل الحريري أو من أجل لبنان، إنها من اجل العالم العربي ومستقبله ومن أجل ضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم المروعة على انواعها من العقاب. إنها فرصة كي نمنع السعي الى تغيير الواقع السياسي بواسطة القتل، والى إعادة النظر في ثقافة العنف المتفشية. إنها فرصة كي نوجد مثالات ومرجعيات (باراديغم) أي ما اعتدنا تسميته "قدوة" جديدة تتغلب على ثقافة العنف والتآمر وفبركة الجثث المشوهة المرمية على الطرقات.

فماذا عن موقف الحريري تجاه هذه المحكمة وتجاه "حزب الله" وموافقته المشاركة في حكومة تضمه؟ سبق أن أشرت في مقالة بعد اغتيال رفيق الحريري، أن اغتياله جعل منه أضحية وأسطورة مؤسسة للبنان كوطن من جديد. فما معنى كون الحريري أضحية؟

الأضحية بالنسبة لـ Rene Girard مؤلف كتاب "العنف والمقدس" لها وظيفة تهدئة العنف الحشوي intestine أو الغريزي ومنع النزاعات من الانفجار. فالأضحية Sacrifice هي عنف لا يحمل خطر الثأر.

وهنا قد لا نجد فرقاً واضحاً بين الفعل الذي يحاربه الثأر والثأر نفسه. الثأر هو مجازاة بالمثل ويستدعي شبيهه. يصبح الثأر إذن سيرورة لا متناهية تحمل خطر التسبب بردود فعل دائرية لها نتائج مشؤومة في مجتمع صغير. الأمر الذي يهدد وجود المجتمع بحد ذاته. لذا نجد التحريم القاطع الذي يقع على الثأر، لكن الغريب أنه حيث يوجد هذا الحرم يكون الثأر سائداً، وذلك ليس استخفافاً بالتحريم، بل لأن الجريمة تثير الرعب والثأر يصبح واجباً من أجل منع الناس من القتل.

في بلادنا لا نزال نعيش في ظل هذا النوع من الثأر والثأر المضاد. لكن كان المفروض أن يكون الشهيد الحريري أضحية لا تستجلب الثأر. أضحية ترهب الجميع وتخرسهم.

السؤال كيف الخروج من دائرة الثأر هذه؟ كيف تخلصت المجتمعات الغربية من دائرة الثأر المفزعة التي ترمي بثقلها على المجتمعات البدائية وترميها في أتون العنف؟ وكيف أمكن الوصول إلى هذا الامتياز في التخلص منه؟

الإجابة القاطعة على هذا السؤال، بوجود المؤسسات. إنها الأنظمة القضائية التي تبعد تهديد الثأر. وهي لا تقضي عليه لكنها تحددّه أي تؤطره فعلياً بواسطة المجازاة. جزاء وحيد يناط تنفيذه بسلطة سامية ومتخصصة في ميدانها. إن قرارات السلطة القضائية هي دائماً كلمة الثأر الأخيرة.

عندما يتم استبعاد الثأر اللامتناهي، فإن الثأر المستبعد يحمل صفة الخاص. ذلك يفترض وجود ثأر عام، لكنه غير معلن أبداً. في المجتمعات البدائية لا وجود إلا للثأر الخاص. لا يمكن البحث عن الثأر العام إلا في المجتمعات المتمدنة.

في الأنظمة العقابية، لا وجود لمبدأ عدالة مختلف مبدئياً عن الثأر، إنه المبدأ نفسه الذي يعمل في الحالتين: مبدأ العنف والمكافأة.

إن فعل تأسيس المحكمة الدولية كان بالتحديد اللجوء الى هذه الأنظمة القضائية كي تقوم بدورها في المجازاة خارج دائرة الثأر والثأر المضاد المستعصية. لكن المشاعر التي تترافق الآن مع بدء عمل المحكمة الدولية، هي في جزء منها مشاعر ثأر عند البعض من فئات الشعب اللبناني.

ما قام به الحريري إذن هو هذا الفصل بين الثأر الخاص والثأر العام. بين كون الضحية – الشهيد والده وبين كونه أضحية لبنان وشهيده ككل.

لا فرق مبدئياً بين الثأر العام والثأر الخاص، لكنّ هناك فرقاً ضخماً على المستوى الاجتماعي؛ الثأر العام يتسبب بالتوقف عن أن يُثأر منه، تنتهي السيرورة ويستبعد خطر التصعيد. عند غياب العلاج النهائي للعنف يمكن افتراض وجود معايير وقائية، وهو ما يشكل الاختلاف بين المجتمع المتمدن والمجتمع البدائي. العدالة تهتم أيضاً بالأمن الاجتماعي وليس فقط بالعدالة المجردة.

للنظمة القضائية وللأضحية في نهاية التحليل الوظيفة نفسها، لكن وظيفة النظمة القضائية أكثر فاعلية بكثير لأنها توقف العنف، لأنها تعمل على تحقيق الامن الاجتماعي. وهذا فهمه الحريري الابن، ففصل بين الثأر الخاص وترك الأمر للثار العام أي للعدالة القضائية.

والسؤال هل يترجم هذا الفصل بين الثأر الخاص والثأر العام الذي قام به الحريري فيعني التنازل والانبطاح أمام مطالب "حزب الله" التعسفية لتأليف الحكومة؟
هذه مسألة أخرى تعود الى الممارسة والأداء السياسيين لفريق 14 آذار.

 
استاذة جامعية



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة