الثلثاء ٢٤ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ٢٩, ٢٠١٤
المصدر: جريدة الحياة
تونس فرِحة بدستورها الجديد وتكفيري يعانق «الجبهة الشعبية»
تونس - خولة العشي
مع أمطار شتاء تونس البارد، تهاطلت دموع التونسيين بغزارة وهم يشهدون ميلاد دستور الجمهورية الثانية في أجواء عمها الفرح والبشر والتفاؤل. لم يكن سهلاً على التونسيين استيعاب هذه اللحظة الفارقة. في مساء الأحد 26 كانون الثاني (يناير) 2014 صادق المجلس التأسيسي على النسخة الأخيرة للدستور بعد مخاض دام ثلاث سنوات وأعلن رئيس الحكومة المكلف عن تشكيلة حكومته الجديدة، 16 يوماً إثر استقالة حكومة الترويكا وتخليها عن الحكم.
 
مـشـهد معانـقة النـائـب المنـجي الرحوي عن الجـبهة الشـعــبية للنائب الـحـبيب اللـوز -الذي كان كـفّره قبل اسـابيع، مـما أدى إلـى تهديد الرحوي بالقتل- يلخص ما وصلت إليه تونس في هذه المرحلة الانتقالية من تـوافـق أنهـى مرحلة من الصـراع بين الحزب الـحاكم، أي حـركة النـهضة، ومـعارضـيها.
 
فبعد أشهر من التجاذب بين الطرفين حول ضرورة إنهاء كتابة الدستور وتسليم زمام الحكم إلى حكومة كفاءات مستقلة والإسراع بإجراء انتخابات وجد الفرقاء السياسيون صيغة للتفاهم وحل كل الإشكالات بوساطة من الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أدار الحوار الوطني في ظروف أقل ما يقال عنها أنها كانت صعبة ومزروعة بالأشواك.
 
كالعادة سارع كل طرف إلى العمل على استغلال اللحظة لصالحه ليتحول الجميع إلى «أبطال» بفضلهم نجح المسار الانتقالي، إلا أن حركة النهضة كانت الأكثر استفادة من هذا التوافق حيث حولت غضب قواعدها إلى رضى بفضل قدرة قيادييها على المناورة واللعب بالكلمات. فالتنازلات التي قدمتها حركة النهضة في كل المجالات في الفترة الأخيرة في إطار الحوار الوطني جعلت منها الطرف الأضعف في أعين أنصارها لتحول هذا الضعف إلى قوة في نهاية الأمر.
 
حركة «النهضة» والطريق المسدود
 
لئن مثل اغتـيال الناشـط السياسي شـكـري بلعـيد صـدمـة للتـونســيـين وبـدايـة لـفـترة دامية لم تكن في الحسبان فإن اغتيال النائب في البرلمان التونسي محمد البراهمي شكل نقطة تحول في سياسة البلاد. رد فعل نواب الكتلة الديموقراطية في المجلس التأسيسي كان حاداً وتمثل في تعطيل أشغال المجلس والاعتصام أمام مقره طيلة شهر كامل مطالبين باستقالة حكومة الترويكا التي نعتوها آنذاك «بالفاشلة» أمام عجزها على فرض الأمن والحد من الهجمات الإرهابية والنهوض بالاقتصاد وتطوير المقدرة الشرائية للتونسيين.
 
وعلى رغم قيام حركة النهضة بحشد أنصارها في ما اسمته باعتصام القصبة الذي رفعت فيها شعارات تنادي باحترام «الشرعية الانتخابية» إلا أن هذا الأمر لم يجد نفعاً أمام إصرار نواب المعارضة على تعليق عضويتهم بالبرلمان مما عطل فعلياً كتابة الدستور ولم يكن أمام حركة النهضة سوى الانصياع للمشاركة في الحوار الوطني، الذي سبق ورفضته في أكثر من مناسبة. هذا الحوار الذي تم برعاية الاتحاد العام التونسي للشغل وعدد من مكونات المجتمع المدني وضع جميع الأطراف على طاولة واحدة وقد نجحت المعارضة في استغلال ورقة التهديد بالاستقالة من البرلمان ووضعت حركة النهضة تحت الأمر الواقع.
 
هذه الورقة التي اعتبرها المحللون السياسيون «رابحة» في أيدي المعارضة التونسية تم استغلالها بشكل كامل ومنظم. فلم يكتف النواب الذين علقوا مشاركتهم في البرلمان بالمطالبة باستقالة حكومة الترويكا بل قاموا بفرض شروطهم بخصوص كل النقاط الخلافية في الدستور والتي أصرت النهضة على تمريرها ورأى فيها منافسوها السياسيون ضرراً على تونس. لتجد حركة النهضة نفسها في مأزق حقيقي خصوصاً مع الوضع الاقتصادي الحرج الذي مرت به تونس في عهدها والغضب الشعبي العارم ضدها وتضاعف الانتقادات الساخرة التي وجهت لها. إذ على رغم محاولاتها العديدة لمقاومة الضغوطات انتهى الأمر برضوخها، مرغمة ربما، لكل شروط المعارضة ولم يكن أمامها إلا الالتزام بما جاء في قرارات الحوار الوطني سواء في ما يخص التخلي عن الحكم أو تعديل بنود الدستور التي أصرت طيلة سنتين عليها مستغلة تفوقها العددي في البرلمان.
 
تنازلات أم توافقات؟ 

لطالما رفعت حركة النهضة شعار «الشرعية الانتخابية» عالياً كما بررت به كل ما اعتبره السياسيون «أخطاء فادحة» بنقص التجربة لديها في الحكم. هذا الأمر جعل منها، بحسب العديد من المحللين السياسيين شريكاً في الارتكابات التي حصلت والاغتيالات التي طاولت سياسيين وأمنيين وعسكريين وجعل من شرعيتها الانتخابية شماعة تعلق عليها ما لا يمكن تبريره ممـا أفقـدها مـصداقية سـياسـية كـانت في أشد الحاجة إليها في بلد أصبحت فيه المسيرات المناهضة لحكم الإسلاميين شبه يومية. وأمام الضغط الشعبي ومحاصرة المعارضة لها وإلزامية انضباطها بما جاء في الحوار الوطني بدأت حركة النهضة في تقديم تنازلات فاجأت الجميع وخيبت أمل أنصارها. البداية كانت التزام رئيس حكومة الترويكا علي العريض باستقالة حكومته حال تشكيل هيئة للانتخابات والذي تم مؤخراً. هذا الأمر اعتبرته روابط حماية الثورة المحسوبة على حركة النهضة «اعتداء صارخاً على شرعية صندوق الانتخابات» مطالبة الحركة بـ «الكف عن التنازلات» ومحاسبة رموز المعارضة الذين يعـطلون أشـغال الدسـتور.
 
التنازلات التي قدمتها حركة النهضة في ما يخص بنود الدستور كانت أكثر مما رجته المعارضة. ففي البداية تخلت عن مقترحها بخصوص أن الشريعة الإسلامية هي مصدر للتشريع ثم وافق نوابها – في إطار الانضباط الحزبي – على كل الفصول التي تضمن الحقوق والحريات وحرية المرأة وحرية التظاهر والعمل النقابي وحرية الضمير وتجريم التكفير. كما تراجعت حركة النهضة بخصوص اعتماد نظام حكم برلماني الأمر الذي حاربت معارضيها إلى حد تبادل العنف اللفظي من أجل إرسائه طيلة سنتين بالمجلس التأسيسي ليتم تبني مقترح إرساء نظام رئاسي معدل في النهاية.
 
معركة النهضة الأخيرة في الدستور كانت خاسرة أيضاً وتمثلت في إصرار نوابها على عدم النص على استقلالية القضاء. فبعد أخذ ورد بهذا الخصوص وتقديمها لمقترح ينص على إبقاء السلطة القضائية تحت سيطرة السلطة التنفيذية وجدت نفسها مرغمة على التنازل أيضاً في هذه المسألة بعد ضغط من المعارضة ومن القضاة في تونس لتنهي بذلك كل معاركها بخصوص الدستور مذعنة لكل شروط معارضيها.
 
حول الأسباب التي دفعت بحركة النهضة إلى تقديم كل هذه التنازلات أكد أحد نوابها منير بن هنية لـ «الحياة» أن حركة النهضة كانت ملزمة بالانضباط بما نتج من الحوار الوطني شأنها شأن بقية الأحزاب على رغم ما خلفته هذه التنازلات من غضب كبير في صفوف أنصارها كما أن هذه التنازلات كانت في صالح تونس وحركة النهضة قدمت المصلحة الوطنية على حساباتها الحزبية في هذا الظرف الدقيق».
 
وقال زعيم الحركة راشد الغنوشي في أحد تصريحاته أن «حركة النهضة على رغم كل ما قدمته من تنازلات هي في الطريق الصحيح وليست مهزومة ما دامت تونس هي الرابح الأول من هذه التنازلات، فنحن إن خسرنا السلطة فإننا سنعود إليها ولكن إن خسرنا أمن تونس واستقرارها فستكون خسارة للجميع».
 
من جهة أخرى أوضح النائب عن الكتلة الديموقراطية شكري يعيش لـ «الحياة» أن التنازلات التي قدمتها النهضة مرغمة نتجت من فشلها في إدارة البلاد والضغط الشعبي لإقالة الحكومة. كما أنها كانت نتيجة ضغط غير مباشر لما جرى في مصر من إقالة للحكومة الإسلامية وتصنيف مصر لجماعة الإخوان كجماعة إرهابية. هذا بالإضافة إلى الضغط الذي تعرضت له الحركة خارجياً عبر سفراء بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية الذين عبروا عن تخوفهم من تدهور الوضع الأمني وتراجع تصنيف تونس الاقتصادي إلى درجات مخيفة، هذه الدول بعثت برسائل تنبيه مباشرة وغير مباشرة جعلت حركة النهضة تعيد النظر في موقفها، حفظاً لماء وجهها وحماية لموقعها في الحملة الانتخابية المقبلة، عملاً بالمثل الشعبي التونسي «الهروب هو نصف الرجولة».
 
أعداء الأمس... أصدقاء اليوم
 
تغير مخططات النهضة إثر الضغوط الداخلية والخارجية صحبه تغير في تعاطيها مع منافسها السياسي الأول في تونس أي حزب نداء تونس بقيادة الباجي قائد السبسي. فالعداء القديم تحول في غفلة من الجميع إلى تقارب وتبادل للمديح. في بداية المسار التأسيسي كانت الحرب معلنة بين أعضاء حزب نداء تونس وأعضاء وقياديين في حركة النهضة إلى حد تبادل الشتائم. أعضاء حركة النهضة وأنصارها كانوا ينعتون المنتمين لنداء تونس بـ «التجمعيين» نسبة إلى حزب التجمع الدستوري الديموقراطي المنحل والأخيرون كانوا ينعتون المنتمين إلى حركة النهضة بـ «الإرهابيين». وكان من المقرر أن يصادق المجلس التأسيسي برعاية حركة النهضة وحليفها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية على قانون تحصين الثورة والذي كان يهدف إلى حرمان كل المنتمين إلى حزب الرئيس السابق لتونس بن علي من ممارسة العمل السياسي ومن بينهم الباجي قائد السبسي إلا أن مشروع هذا القانون سحب فجأة إثر لقاء سري جمع راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة بقائد السبسي. كما تحول تبادل الشتائم إلى تبادل للزيارات السرية مما قلب معادلات بقية الأحزاب المتحالفة مع هذا الطرف أو ذاك.
 
هذه الصداقة الطارئة ترجمت بداية في تصويت النهضة بغالبية نوابها ضد تحديد السن القصوى للترشح لمنصب رئيس الجمهورية في الدستور، ما اعتبره نواب الكتلة الديموقراطية تعبيداً للطريق أمام قائد السبسي للترشح لرئاسة الجمهورية في الانتخابات المقبلة مقابل تحالفها مع حزبه للحد من خطر اكتساح هذا الحزب الذي أصبح يحظى بقاعدة شعبية واسعة للانتخابات المقبلة وحرمانها من الحكم. هذه التأويلات أكدها راشد الغنوشي في آخر لقاء تلفزيوني له بتعبيره عن إعجابه الشديد بشخص القائد السبسي الذي اعتبره سياسياً محنكاً ومحترماً مؤكداً أن العلاقة بين حزبيهما قابلة للتطور إلى صداقات.
 
وأكد النائب عن حزب نداء تونس محمد علي النصري والذي عرف بانتقاداته المتكررة سابقاً لرموز حركة النهضة وأنصارها أن «العلاقة بين الحزبين تغيرت وأصبحت تتسم بالاحترام والعمل من أجل تقريب وجهات النظر وأن التحالف بين الحزبين وارد وستحكمه نتيجة الانتخابات المقبلة وذلك في صورة حصول الحزبين على نسب نجاح مرتفعة ومتقاربة وسيعملان على إيجاد أرضية مشتركة من أجل خدمة الصالح العام. هذا بالإضافة إلى انخفاض شعبية حركة النهضة الذي أصبح يحتم عليها إعادة النظر في علاقتها بحزب النداء».
 
لئن كسبت حركة النهضة، بما قدمته من تنازلات وببوادر تحالفاتها الجديدة مع حزب غير ديني، رضى بعض الأطراف، وساهمت في التعجيل بإنهاء المصادقة على دستور تونس الجديد، فإنها في المقابل عرفت مواجهة حادة مع عدد هام من أنصارها الذين اتهموها بـ «الجبن» و «التخاذل» و «الرضوخ» لأحزاب المعارضة كما أنها سجلت قطيعة نهائية مع المجموعات السلفية التي أصبحت تصفها بـ «حركة عدوة للإسلام». فهل سيثمر نهج حركة النهضة الجديد نجاحاً في الانتخابات المقبلة ونجاحاً لصورة الحزب المتسامح المعتدل التي تقدمها للرأي العام الداخلي والخارجي أم سيثمر خيبة سيصنعها ربما أنصارها الغاضبون؟
 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
احتجاجات ليلية قرب العاصمة التونسية ضد انتهاكات الشرطة
البرلمان التونسي يسائل 6 وزراء من حكومة المشيشي
البرلمان التونسي يسائل الحكومة وينتقد «ضعف أدائها»
الولايات المتحدة تؤكد «دعمها القوي» لتونس وحزب معارض يدعو الحكومة إلى الاستقالة
«النهضة» تؤيد مبادرة «اتحاد الشغل» لحل الأزمة في تونس
مقالات ذات صلة
أحزاب تونسية تهدد بالنزول إلى الشارع لحل الخلافات السياسية
لماذا تونس... رغم كلّ شيء؟ - حازم صاغية
محكمة المحاسبات التونسية والتمويل الأجنبي للأحزاب...
"الديموقراطية الناشئة" تحتاج نفساً جديداً... هل خرجت "ثورة" تونس عن أهدافها؟
حركة آكال... الحزب الأمازيغيّ الأوّل في تونس
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة