الأثنين ٢٣ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: شباط ٤, ٢٠١٤
المصدر: جريدة الحياة
فصل المقال في ما بين 25 يناير و30 يونيو من اتصال! - صلاح سالم
دار جدال كبير، لم يتوقف بعد، حول العلاقة بين حدثي 25 كانون الثاني (يناير) و30 حزيران (يونيو)، وما إذا كان الثاني يمثل ثورة تصحيح لمسار الأول أم كان انقلاباً عسكرياً عليه؟ نظرياً يمكن الادعاء بأن ما جرى في 30 حزيران كان الأعمق في ثوريته قياساً إلى 25 كانون الثاني، لأنه انطوى على المقومات الإيجابية نفسها، ثم زاد عليها أموراً أخرى مستجدة. فمن المقومات المشتركة مثلاً أن العالم لم يشهد انقلاباً محدد الموعد سلفاً، وتجرى الدعوة إليه علناً على النحو الذي قام به شباب 25 كانون الثاني وحركة «تمرد» في 30 حزيران. وأن الجيش المصري العريق هو من انحاز للجماهير ضد النظام في الحالتين، فكان رفضه التدخل ضد مواطنيه في المرة الأولى، والتدخل لمصلحتهم في المرة الثانية، هو عامل الحسم ونقطة الفصل في تتميم الحدثين.
 
أما المكونات التي تميز بها 30 حزيران عن 25 كانون الثاني فتتمثل في أمرين أساسيين: أولهما هو ضخامة عدد الخارجين على حكم الإخوان، قياساً إلى عدد الخارجين على الحزب الوطني، وعلى رغم أنني لا أعتقد في صدقية رقم الثلاثين مليوناً، وأرجح رقم 10 ملايين، فإنه يبقى رقماً ضخماً يكاد يكون ضعف رقم الخارجين في 25 كانون الثاني والذي يمكن تقديرهم بخمسة ملايين. وثانيهما، وهو الأهم، في وجود بعد تنويري هو التصدي لحكم ديني يسعى إلى بناء دولة مُرشدية على النمط الإيراني المنتمي جوهرياً إلى العصور الوسطى المسيحية وقيمها البابوية، والبعيد كل البعد من روح الحداثة كما من روح الإسلام الأصيلة التي تخلو من التقديس وترفض الكهانة.
 
فإذا ما أضفنا المكونات الإيجابية المتفردة للثلاثين من حزيران إلى المكونات الإيجابية المشتركة بينه وبين الخامس والعشرين من كانون الثاني، أمكننا القول بأن 30 حزيران لم يكن مجرد ثورة، بل هو الثورة بألف ولام التعريف.
 
غير أن مثل هذه الإجابة تبقى نظرية فقط، ليست عملية ولا تاريخية، ولا قيمة لها من دون فحص المسارات وكشف السياقات وتبيين الغايات، التالية على كل حدث منهما، استناداً إلى منطق التاريخ نفسه، القادر وحده على فرز الثورات من الانقلابات، فالحدث الثوري يرتبط بالسياق الذي ينشأ فيه، والتحديات التي تقود إليه، والأسئلة التي يتصدى للإجابة عنها. وتتعمق ثوريته بقدر ما يكون تقدمياً، وتحررياً معاً. تقدمياً، كونه يدفع بالثائر إلى امتلاك عوامل القوة المادية في التاريخ، خلاصاً من التخلف والبدائية ونزوعاً إلى التحديث والتقدم، وتحررياً كونه يضع الثائر على طريق الانعتاق من القوى المسيطرة عليه، خلاصاً من الاستبداد والقهر ونزوعاً إلى الحرية والديموقراطية.
 
لقد خرجت جماهير 25 كانون الثاني ضد حكم حزب فاسد، اعتراضاً على استبداد علماني حديث أهدر الحرية، كانت ثورة 23 تموز (يوليو) قد وقعت في فخه منذ البداية عندما أهدرت أحد أهم مبادئها الست المتمثل في إقامة حياة ديموقراطية سليمة. وعلى التخلف الذي تدهورت إليه عبر العهود بفعل السوس السياسي، فبعد حكم دام لعقدين من استبداد ناصري عادل صاحبه نزوع تحديثي عميق، أتى الاستبداد الساداتي خالياً من العدل مصحوباً بالجمود، ثم كانت الحقبة المباركية أقرب إلى مفارقة تاريخية جمعت بين الاستبداد والظلم، حيث تعانقت السلطة مع الثروة، وانقسمت مصر إلى بلدين إحداهما للمهراجا والأخرى للشحاذين. وأما جماهير 30 حزيران فخرجت ضد استبداد ديني سار شوطاً كبيراً على طريق إهدار الحرية والتقدم معاً، وضد جماعة سعت إلى بناء دولة مُرشدية، تتنكر لمتوالية الحداثة السياسية التي تعد الدولة الوطنية أساسها، والعلمانية جوهرها، والنزعة الفردية روحها، فيما لا تعدو الديموقراطية السياسية أن تكون ثمرتها الأخيرة الحلوة، إذ تنكرت الجماعة فعلياً لمفهوم الدولة الوطنية، واستنكرت صراحة مفهوم العلمانية، وأغلب الظن أنها لم تسمع أصلاً بالنزعة الفردية، فيما حاولت الوصول مباشرة وقسراً إلى الديموقراطية، التي تصورتها ثمرة ناضجة ولكن لها وحدها، يمكن قطفها سريعاً، والهروب بها. فإذا ما لفتنا النظر إلى حقيقة أن الجماعة التي تقدمت لوراثة الحزب باعتبارها المعارض الرئيس له، إنما هي ربيبته، لأن كل معارضة هي جزء من النظام الذي تعارضه، مصوغة بآلياته وإن لم تكن مصنوعة من خاماته نفسها، أمكننا القول بتكامل الحدثين معاً، واعتبار الثلاثين من حزيران مكملاً للخامس والعشرين من كانون الثاني، فلأن ثمن الخلاص المصري من الاستبدادين: العلماني والديني معاً كان كبيراً جداً إلى الدرجة التي يصعب معها الوفاء به مرة واحدة، فقد تم تقسيطه على مراحل: فهناك مقدم ثمن دفعه المصريون بخروجهم الأول ودمائهم الذكية التي تجاوزت الألف شهيد. وهناك ثانياً دفعة استلام دفعها المصريون بخروجهم الأكبر على الجماعة في الثلاثين من حزيران دفاعاً عن دولتهم المدنية، خشية أن تتحول إلى دولة دينية يُقتل فيها الناس على مذبح الدين والمذهب والطائفة.
 
وهناك ثالثاً دفعة أخيرة سوف تدفع على أقساط، هي التي ستضمن تضميد جراح مصر وتجميلها، لتعود أبدع مما كانت، وهي الدفعة التي تفترض القضاء على البذور الفاسدة من كلا النظامين المهترئين اللذين ثار عليهما المصريون، سواء هؤلاء الذين انتموا إلى حقبة مبارك وانغمسوا في فسادها، والذين يتصورون أن الخلاص من رموز الاستبداد الديني يمهد الطريق لعودة الدولة الأمنية التي لا يستطيعون العيش سوى في كهفها، وتقديم القرابين على مذبح استبدادها، والنعيق كل يوم على منابرها، أو أولئك المنتمين إلى حقبة مرسي، والذين يزايدون الآن على 30 حزيران، بادعاء أن الخلاص منهم إنما تم بأيدي تلك الوجوه القديمة الكالحة، وأنه مقدمة لعودتها، وكأن قدر مصر أن تراوح بين شر صغير وآخر كبير، بين الحزب الفاسد والجماعة المتخلفة.
 
وهكذا يمكن القول بأن مغزى الثلاثين من حزيران في التاريخ المصري المعاصر، إنما يتحدد بقدرة مصر على سداد هذه الدفعة الأخيرة، والامتلاك النهائي لمصيرها خلاصاً من كلا الاستبدادين، العلماني والديني، تأكيداً على التوجه مستقبلاً، على طريق الحداثة والحرية، والخلاص من الماضي الذي تناوبته الرجعية مع الاستبداد.
 
فالحدث إذاً لم يكتمل بعد، والتاريخ لم يتوقف، وكل إجابة موضوعية تحتاج إلى تدقيق وانتظار، فيما المهمة الكبرى لأركان الدولة المصرية اليوم هي إعلان موقف من هؤلاء وأولئك، فهذا الموقف تدشين لحركة التاريخ وتبيين لمصائر المصريين.

 
* كاتب مصري



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة