الأحد ٢٢ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: شباط ٦, ٢٠١٤
المصدر: جريدة الحياة
من داريا إلى «داعش»: صناعة التطرّف الفاحش إياد شربجي
على بعد كيلومترات عدة من قلب العاصمة السورية، التأمت في بداية التسعينات من القرن الماضي مجموعة من اليافعين في جامع أنس بن مالك في مدينة داريا في غوطة دمشق، وذلك ضمن حلقات تحفيظ القرآن الكريم، بعد أن سمحت السلطات بعودة بعض النشاط الديني المقونن إثر انهيار الاتحاد السوفياتي وبدء انتشار المد الإسلامي.
 
بعد سنوات عدة من التتلمذ على أيدي الشيخ الإصلاحي عبد الأكرم الــسقا، والمـفكر الإسلامي اللاعنفي جودت السعيد، بدأت المجموعة – التي عرفت بمجموعة شباب داريا - بالخروج عن الحدود المرسومة لها من جانب السلطات وحتى المجتمع، وأصبحت تدعو الى التغيير الديـموقراطـي دونـما صـدام مباشر مع الحكومة.
 
على صعيد المجتمع، اصطدم أفراد المجموعة مبكراً مع المنظومة الفكرية الدينية التقليدية في دمشق وريفها، وذلك من خلال الأبحاث التي أعدّها بعض الطلبة والتي ناقشت بالأدلة وكشفت بعض أخطاء أمهات كتب التاريخ الإسلامي كبخاري ومسلم، إضافة الى خروقات جريئة حققتها كإدخال جهاز فيديو إلى صحن المسجد وعرض أفلام عالمية كفيلم «غاندي» على الطلبة، وطرح مفاهيم لم تكن معتادة ضمن البيئة المتدينة كالنظام الديموقراطي التعددي ومفهوم المواطنة المـتـسـاويـة بين جميع الأفراد، بغض النـظر عن انـتمـاءاتـهـم الدينـية، ناهيـكم عن «الاختـلاط» بين الذكور والإناث، سواء في الحلقات داخل المسجد أو خلال نشاطهم خارجه، وهو ما تسبب بغضب بعض المشايخ التقليديين ومحاربتهم لهم علانية.
 
على صعيد السلطات، بدأت الاستخبارات السورية بإزعاج المجموعة واستدعائها في شكل دوري للتحقيقات منذ نهاية التسعينات، لكن خلال هذه الفترة كان النـظام السـياسـي السـوري بحاجة الى الهدوء، إذ كان العـمل يجـري حثيثاً على تـسـويق بـشـار الأسـد كـقائد إصـلاحي مقـادم يؤمـن بالحريات والانفتاح والعدالة.
 
بعد وصول بشار الأسد الى السلطة في 2000 وخطاب القسم الرئاسي الذي وعد فيه بتغيير حاضر سورية ومستقبلها نحو مزيد من الانفتاح والعصرنة، تجرأت المجموعة على الخروج في شكل علني الى الشارع، فافتتحت بداية مكتبة «سبل السلام» في وسط المدينة، والتي ضمت مجموعة كبيرة من الكتب المعاصرة والنقدية، وأخذت المكتبة تجتذب المهتمين، وأصبح القراء يناقشون ويجادلون بأسلوب لم يعتده المجتمع الأبوي والأمني، كما شارك أفراد المجموعة (مثل الدكتور رضوان زيادة وأسامة نصار) بعدد من المنتديات السياسية ضمن ما عرف بربيع دمشق. بعد فترة قصيرة، بدأ بشار الأسد يكشف عن الوجه الحقيقي لنظامه، وانقلب على ربيع دمشق واعتقل العشرات، ولوحق عدد من أفراد المجموعة، ما اضطرهم للهروب خارج البلاد، لكنهم على رغم ذلك استمروا بعملهم - وإن على نطاق أضيق - فأقاموا حملات لمحاربة الفساد (من المفترض أنها كانت تتسق مع خطاب السلطة على هذا الصعيد)، كما قاموا بحملات نظافة، إذ نزلوا إلى شوارع داريا وحملوا المكانس وأخذوا يرفعون القمامة بصمت، ما اجتذب إليهم المئات من أهالي المدينة. هنـا كانـت الـشعرة التي قصمت ظهر البعير، فاعتقلت الاستخبارات الجوية جميع أفراد المجموعة، تماماً في يوم سقوط بغداد في شباط (فبراير) 2003، ووجهت اليهم تهماً بتشكيل تنظيم إسـلامي سـرّي وأودعـوا السـجـون لـمـدد تـراوحـت بـين 3 و5 سنوات، على رغم أن أفراد المجموعة كانوا قـرروا منـذ البداية أن يكشفوا أنفسهم وفكرهم الى العلن وألاّ يعملوا سراً، فجوهر دعوتهم مبني بالأساس على وضوح المنهج والهدف والمقصود به التأثير مباشرة في الناس.
 
مع انطـلاقة الـثورة الـســورية، كانـت المـجـموعة جـاهزة لتـلقـف الحراك المـدني الـثوري، بل كانت من صنّاعه على مستوى سورية كلها، وعُرف من قادة الحراك المدني على مستوى البلاد شباب من أمثال يحيى شربجي وأسامة نصار وعامر دقو ومعتز مراد ومحمد شحادة ومحمد قريطم، وآخرون كثر ممن قدموا داريا كنموذج لافت للحراك المدني المنضبط والهادف والرافض الانجرار للتسلّح.
 
اعتقل معظم أفراد المجموعة مجدداً، ولا يزال بعضهم في السجون حتى اللحظة كأبي مسلم خولاني، ويحيى ومعن شربجي وإسلام الدباس ومجد خولاني، فيما قتل النظام آخرين بطرائق مختلفة كمحمد قريطم وأحمد شحادة وعبدالرحيم شربجي، وهرب آخرون خارج البلاد نتيجة الملاحقة والاعتقال، كعامر دقو وأكرم خولاني، وبقيت قلة قليلة منهم تدير المجلس المحلي لمدينة داريا أحد أهم نماذج العمل المدني في الثورة السورية.
 
حدث كل ذلك في الوقت الذي أطلقت فيه السلطات السورية من سجونها عدداً من عتاة الإسـلامـيين الجـهاديين كإسلام علوش (قائد جـيش الإسلام الحالي) ومئات آخرين من الذين عادوا من الجهاد في العراق.
 
المعادلة معروفة إذاً، والنتيجة أيضاً معروفة، وضمن هذا السياق لا يبدو ظهور قطّاعي الرؤوس كـ «داعش» و «النصرة» مجانياً في جملة هذا المشهد، والبقية لديكم...
 

* كاتب سوري



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة