|
انه ميدان التحرير في قلب القاهرة. لولاه لما كانت ربما انتفاضة ولا ثورة في مصر. التحرك انطلق منه وكان لا بد من الثبات فيه لإنجاح ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير). قد تكون مظاهر الاحتجاج تنقلت كثيرا في كل الانحاء المصرية، الا انها كانت في حاجة الى نقطة ارتكاز ثابتة، فكان ميدان التحرير.
اركان النظام المصري والحزب الوطني ادركوا ان النواة المعتصمة في ميدان التحرير هي الخطر الاساسي عليهم. حاولوا اخراجها مرارا وتكرارا منه، لكن من دون جدوى. الفضل لحفنة من الشبان ادركوا ايضا اهمية الحفاظ على هذا الميدان فأظهروا شجاعة كبيرة في الدفاع عنه بأجسادهم وارواحهم. فكان لهم ما ارادوا، إذ رحل من كانوا يريدون رحيله، ليحتفلوا بانتصارهم من الميدان نفسه. خوفا على مكاسب الثورة، يحرص شبان الانتفاضة على ابقاء ورقة الميدان في يدهم. هم فعلاً نفّذوا وعدهم بالخروج منه مع خروج حسني مبارك، الا انهم يعودون كل يوم جمعة للتجمع فيه ليؤكدوا للحكّام الجدد من العسكريين انهم موجودون وقادرون على العودة اليه ساعة يشاؤون.
يوم الجمعة (25/ 2/ 2011) تعرضوا للقمع والاعتقال، ما ذكّرهم بالمرحلة الغابرة، واثار مخاوفهم من عودتها. وعلى رغم اعتذار الجيش عن هذه الممارسات، لا يبدو ان شبان الانتفاضة سيتخلون عن ميدان التحرير قبل ان يتأكدوا بالفعل ان احلامهم بالحرية والديموقراطية ستتحقق.
المحتجون البحرينيون اختاروا ميدان تحرير لهم في دوار اللؤلؤة، فقدوه لايام ثم استعادوه وهم يحققون منه المكاسب السياسية، على غرار المحتجين اليمنيين الذين تمركزوا امام جامعة صنعاء. اما الذين لم يجدوا ميدان تحرير لهم بعد فما زالت ثورتهم تراوح مكانها على غرار ما هو حاصل في الجزائر. في ما يأتي عرض لأهم الخطوات التي اتخذها ثوار الانتفاضة المصرية للحفاظ على الميدان، ولأهم المحاولات التي قام بها اركان النظام لاخراجهم منه خلال الايام العشرة التي سبقت تنحي الرئيس حسني مبارك.
انطلقت الانتفاضة المصرية كما بات معروفا في الخامس والعشرين من كانون الثاني الماضي تلبية لدعوات عبر الانترنت أطلقها شبّان مجهولون تماما لدى المصريين، لا علاقة لهم بالاحزاب ولا بالقوى السياسية المعروفة. السؤال هو: ما الوسائل التي مكّنت شبّاناً غير متمرسين بالعمل السياسي والتنظيمي والميداني، من انجاح تحرك شعبي دام 18 يوماً، وسط محاولات يومية من اجهزة النظام المصري لإجهاضه والقضاء عليه؟
بعد نجاح تظاهرة الخامس والعشرين في حشد عشرات الالاف من المشاركين، تالياً كسر حاجز الخوف لدى المصريين من النزول الى الشارع، ادرك شبان الانتفاضة ان امساكهم بميدان التحرير هو الذي سيؤمّن لهم استمرار التحرك. فالميدان له رمزيته العالية: اسمه ميدان التحرير، ويقع في قلب القاهرة، وسيكون بالتأكيد قبلة وسائل الاعلام العالمية والعربية. بالطبع كان القمع الدامي هو رد الفعل الاول للنظام، لثني المصريين عن النزول الى الشارع، فسقط خلال الايام الاولى القسم الاكبر من الضحايا، أكان في القاهرة ام في المدن الاخرى. وبعدما استوعب متظاهرو الميدان الصدمة الاولى في الخامس والعشرين من كانون الثاني وكسروا حاجز الخوف ورهبة النزول الى الشارع، وصمدوا في الميدان رافضين الخروج منه، ادرك اصحاب القرار ان اخراجهم منه قد يتحول مجزرة لا قدرة لهم على تحملها. فكان الانتصار الاول لابطال الانتفاضة الذين امّن لهم ميدان التحرير مساحة جغرافية ثابتة تمسكوا بها وانطلقوا منها لتصعيد تحركهم حتى اسقاط الرئيس حسني مبارك.
العامل المهم الذي ساعد شبان الانتفاضة في الميدان على البقاء فيه، هو اختفاء الشرطة بعد ايام على انطلاق التحرك الاحتجاجي، وهذا يعني ان الخيار "الرسمي" القمعي الوحيد، المتبقي لإخراج المحتجين من الميدان، هو استخدام الجيش. لكن هذا الخيار الذي تردد ان الرئيس مبارك طلبه من دون ان يتم التأكد من هذه المعلومات، لم يكن متيسرا لعدم رغبة القوات المسلحة بالتورط المباشر في المواجهات، وللبقاء في موقف مقبول يتيح لها قطف الدور القيادي بعد مرور العاصفة. وهذا ما حصل لاحقا. "جمعة الغضب" في الثامن والعشرين من كانون الثاني التي حشدت عشرات الآلاف من المتظاهرين في ميدان التحرير، زادت من قوة شبان الانتفاضة وعقّدت على اهل النظام مهمة اخراجهم منه، فكان لا بد من البحث عن طرق اخرى.
الفرصة جاءت عبر خطاب الرئيس مبارك في ساعة متأخرة من ليل الثلثاء في الاول من شباط عندما اكد انه لن يترشح لولاية جديدة ولن يكون ابنه جمال مرشحاً، طارحا خطوات اصلاحية مثل تعديل الدستور من دون ان ينسى التأكيد انه "ولد في مصر وقاتل في مصر وسيموت في مصر". يبدو ان هذه التعابير العاطفية فعلت فعلها عند شريحة معينة من المصريين، فتنادى المسؤولون في الحزب الوطني الى تجمع في ميدان مصطفى محمود في منطقة الزمالك في القاهرة الاربعاء في الثاني من شباط، استقطب بشكل لافت اكثر من عشرين الف شخص.
وكان يمكن ان تشهد القاهرة تجمعين دائمين، الاول في ميدان التحرير لمناهضي الرئيس والمطالبين بالتغيير الشامل، والثاني في ميدان مصطفى محمود للمدافعين عنه والمستفيدين من نظامه، وايضا للبسطاء الذين تعاطفوا مع كلامه عن رغبته بالموت على ارض مصر. لكن ومن حسن حظ شبان الانتفاضة، ان بعض جهابذة الحزب الوطني الذين انتشوا بمنظر الحشد المناصر للرئيس مبارك الذي تجمع في ميدان مصطفى محمود، قرروا الانتقال الى الهجوم على ميدان التحرير للتخلص من "العيال" المتجمعين هناك، ما دام الجيش يفضل عدم مواجهتهم.
المعلومات الثابتة ان احد نواب الحزب الوطني، استأجر بعض العاملين في منطقة الاهرام من الذين يعرضون على السيّاح التقاط صور لهم امام الاهرام، وهم على صهوة حصان او على ظهر جمل، وطلب منهم التوجه الى الميدان لطرد الذين يحرمونهم من لقمة عيشهم بعدما غادر السياح مصر بسببهم. هكذا تحرك بضعة مئات من الاشخاص "البلطجية"، بحسب التعبير المصري، من المأجورين والمدفوع لهم، وراء الاحصنة والجمال، في اتجاه ميدان التحرير بعيد ظهر الاربعاء في الثاني من كانون الثاني، وهم في غالبيتهم من غير الذين كانوا متجمعين في ميدان مصطفى محمود والذين لم تظهر عليهم اي نيات عدوانية.
وصلت الوقاحة لدى بعض المسؤولين في الحزب الوطني الى حد الاتصال ببعض الصحافيين لإعلامهم بأن تظاهرة مضادة تسير في اتجاه الميدان لإخراج المعتصمين منه. وصل موكب الاحصنة والجمال الى ميدان التحرير في نحو الساعة الثانية بعد ظهر الاربعاء، وهو يتقدم بضعة مئات من "البلطجية" اقتحموا بقوة الميدان من جهة متحف القاهرة وهم يبثّون الرعب في نفوس المتجمعين. وكادت الخطة تنجح لأن اعدادا كبيرة من المتجمعين بدأت بالركض هربا في اتجاه المدخل المقابل لمدخل المتحف، عند كوبري قصر النيل، بعدما فوجئوا بهذا الهجوم الصاعق. فجأةً، ركض شاب من المعتصمين في الميدان في اتجاه احد ممتطي الاحصنة فأمسكه وألقاه أرضاً من على صهوة حصانه، فدبّت الحماسة في نفوس رفاقه بعد الصدمة الاولى، وانقضّوا على ممتطي الاحصنة والجمال وألقوهم ارضا ثم هاجموا البلطجية وردّوهم على اعقابهم الى ما وراء المتحف، ليحرروا الميدان ولتبدأ "حرب المواقع".
تجمّع بلطجية النظام في موازاة المتحف المصري وفتحوا جبهة بالحجارة وقنابل المولوتوف. الا ان شبان الانتفاضة تمكنوا من حسم هذه المعركة في الدفاع عن الميدان عبر شن هجوم على البلطجية من مناصري مبارك فجر الخميس، فأرجعوهم الى الوراء اكثر من مئة متر حتى مستوى كوبرى 6 اكتوبر، تالياً لم يعودوا قادرين حتى على رمي حجارة على اطراف الميدان. وكان الثمن غاليا، نحو عشرة قتلى واكثر من الف جريح.
وبما ان وسائل الاعلام العالمية والعربية نقلت بالتفاصيل الكاملة صور ضحايا الهجوم على الميدان، وانهالت التصريحات من كل حدب وصوب منددةً بالقمع الذي يتعرض له شبان الانتفاصة في الميدان، وجد ارباب النظام والحزب الوطني انفسهم محرجين، وكان لا بد من وسائل اخرى اقل عنفاً لإخراج المحتجين من هذا الميدان الذي صار بمثابة كابوس بالنسبة اليهم.
السبت الخامس من شباط، وبعد يوم جمعة صاخب، شهد تجمع مئات الالاف في الميدان، حاول ضابط كبير في الجيش المصري برتبة لواء التقدم بدباباته من منطقة الفصل بين المتنازعين امام المتحف بهدف فتح ثلاث طرق في هذا المحور تؤدي الى ميدان التحرير. ادرك الشبان خطورة هذه الخطوة التي ستؤدي الى فتح قسم من الميدان امام المرور وتطبيع الوضع فيه، فارتموا امام الدبابات حتى سقوط مبارك وحالوا دون تقدمها، مراهنين على عدم رغبة الجيش في اخراجهم بالقوة. وهكذا كان.
في اليوم التالي قام عناصر الجيش بمنع الداخلين الى الميدان الذين يحملون الطعام والشراب من الوصول اليه، والهدف طبعا زيادة الضغط على المعتصمين لدفعهم الى اخلاء الميدان. لكن الشبان اصروا على موقفهم حتى اصبح عددهم بالآلاف امام المدخل واطلقوا الهتافات، الأمر الذي مكّنهم من الدخول مع مؤنهم. اما المحاولة الاخيرة قبل سقوط مبارك لاخراج المعتصمين من الميدان فكانت الاثنين في الثامن من شباط عندما حاول عناصر الجيش فتح مجمّع التحرير الذي يعتبر اكبر مركز للدوائر الحكومية في مصر امام المراجعين.
وادرك المعتصمون ان فتح هذا المركز الحكومي الواقع في قلب ميدان التحرير ويضم نحو ثمانية الاف موظف، يعني تطبيع الوضع في الميدان تمهيدا لطردهم منه، وخصوصا ان رئيس الحكومة احمد شفيق كان دعا الى ضرورة فتح الميدان "مع ابقاء المعتصمين في نقطة محددة منه". عندذاك سارع شبان الانتفاضة الى الاحتشاد امام ابواب المجمّع مانعين الموظفين والمراجعين من الدخول اليه مع الحرص على عدم الاصطدام بالجيش. هذه كانت المحاولة الأخيرة لإخراج المعتصمين من ميدان التحرير قبل تنحي الرئيس مبارك في الحادي عشر من شباط. والواضح انه لولا ثبات شبان الانتفاضة في الميدان وتقديمهم الضحايا بالمئات بين قتلى وجرحى للحفاظ عليه، لكان الوضع بالتأكيد مختلفا عما هو عليه اليوم.
(صحافي في وكالة الصحافة الفرنسية)
|