|
بيروت - من وسام أبو حرفوش |
رغم ان غداً الاثنين «لناظره قريب»، فإن السؤال «الجوهري» هو: من سيسبق من، القرار الاتهامي في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري من لاهاي ام الاستشارات النيابية لـ «إبعاد» سعد الحريري عن رئاسة الحكومة في بيروت؟
ثمة تزامن محتمل بين الامرين قد يدفع لبنان خطوات إضافية في «المجهول». فالتقارير الواردة من لاهاي تحدثت عن امكان تسليم المدعي العام الدولي دانيال بلمار قراره الاتهامي لقاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين غداً، في الوقت الذي تتأهب بيروت «المرتابة» لاستشارات نيابية ملزمة لتسمية «الرئيس المكلف» تشكيل الحكومة الجديدة، الاثنين والثلاثاء.
وتلاقي بيروت «الاستحقاقين» بانحباس أنفاس وبأعصاب مشدودة وبقدر كبير من سوء الانقشاع الناجم عن دخول البلاد في مرمى عاصفة سياسية هوجاء، من غير المستبعد تحولها «صواعق» تناحرية في شارع، جعله الانقسام السياسي والمذهبي كـ «الهشيم» الذي ينتظر ناره مع اي «عود ثقاب» من النوع الحاضر هذه الايام.
فعشية الاستشارات النيابية في القصر الجمهوري «اشتعلت» المشاورات السياسية الداخلية على وقع سعي طرفي الصراع (8 و14 مارس) الى «رص الصفوف»، استعداداً لمنازلة ساحقة على الحكومة العتيدة ورئيسها، في لحظة استنفار اقليمي ودولي من حول لبنان «تقرع طبوله» في واشنطن وباريس والرياض وأنقرة والقاهرة ودمشق وطهران، اضافة الى تل ابيب التي... تراقب عن بعد.
في غمرة ذلك كان المشهد في بيروت يأخذ الشكل الآتي:
* تحالف «14 مارس»، الذي «استوعب» صدمة إسقاط الحكومة، يتجه لإعلان موقف مزدوج يشترط من خلاله تسمية الحريري رئيساً للحكومة المقبلة وإلا لن يشارك فيها، وهو سيعقد اجتماعاً موسعاً من المرجح ان يكون اليوم يتبنى فيه بيان «السبع نقاط» الذي تلاه الحريري من القصر الجمهوري، اول من امس.
* قوى «8 مارس» حسمت خيارها، حسب ما ابلغته مصادرها لـ «الراي»، بتسمية رئيس الحكومة السابق عمر كرامي، كمرشح وحيد لها لترؤس الحكومة المقبلة، فهو رئيس سابق للحكومة ومن طرابلس (العاصمة الثانية) وشخصية ذات وزن، على حد تعبير تلك المصادر التي بدت حاسمة في القول ان الخيار وقع على كرامي. وفي هذا الاطار، اكد مصدر مقرب من كرامي، انه لم يتم الاتصال برئيس الحكومة السابق للطلب منه تشكيل حكومة جديدة.
* استمرار معاينة موقف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي من شأنه ترجيح كفة المعركة على رئاسة الحكومة او تأجيل نتائجها من خلال صب اصواته او توزيعها، وهو كان زار سورية والتقى امس رئيسها بشار الاسد، وسط توقعات متناقضة لطبيعة الموقف الذي سينتهي اليه الرجل المقيم في «المنطقة الرمادية». فـ «حزب الله» مطمئن الى «تصويت» جنبلاط و«14 مارس» غير قلقة من اصواته، ما يزيد الغموض غموضاً.
وخارج لعبة ترسيم الاحجام الجديدة التي تستيقظ كل يوم «على جديد»، فإن العاصفة السياسية التي انفجرت مع اسقاط «8 مارس» لحكومة الحريري، مرشحة للاستمرار بلا هوادة، وسط القاعدة المعلومة بأن لبنان دخل فعلاً في اتون من المجهول الذي يصعب التكهن بمساره، مع انهيار «الفرامل» التي من شأنها وقف الاندفاعات نحو الاسوأ، وفي مقدمها تلك المظلة التي عرفت باسم المسعى السوري ـ السعودي.
واللافت في هذا السياق، انه رغم الاعلان عن «وفاة» المسعى السوري ـ السعودي، فإن الجميع في بيروت ما زالوا يحرصون على الايحاء باستعدادهم المضي قدماً في هذا المسعى او التأسيس على ما انجزه من اختراقات، هذا ما قاله الحريري اول من امس، وهذا ما اشترطه رئيس البرلمان نبيه بري على الحريري لتسميته رئيساً للحكومة، وهذا ما دعا اليه جنبلاط وهو يشق طريقه الى دمشق. والأكثر اثارة، استمرار «الأخذ والرد» حول طبيعة بنود هذا المسعى وما انجزه والعقبات التي حالت دون تحوله «تسوية» مقبولة من الجميع.
مصادر بارزة في قوى «14 مارس» كشفت لـ «الراي» ان هذا المسعى قام على أمرين هما:
* تعهد الحريري، وبعد صدور القرار الاتهامي، بإعلان موقف من «حزب الله» والمقاومة من شأنه اطفاء آثار هذا القرار واحتواء تداعياته. * تحويل بيروت مدينة منزوعة السلاح وإزالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات و«تنظيمه» داخلها، انطلاقاً من الحرص على بسط سيادة الدولة.
غير ان مصادر قريبة من «حزب الله»، قالت لـ «الراي» ان المسعى السوري ـ السعودي كان يشتمل على بند اساسي لم يلتزمه الحريري، ويتضمن استرجاع بروتوكول المحكمة الدولية ووقف تمويلها وسحب القضاة اللبنانيين منها، اي نزع الشرعية اللبنانية عن المحكمة وعدم التعاون معها.
ولم تتباين المعلومات حول محتوى المسعى السوري ـ السعودي عند هذه النقاط فحسب، بل ان مصادر واسعة الاطلاع في بيروت قالت لـ «الراي» ان «حزب الله» ابدى تحفظاً على فقرة كانت تتناول «التزام اتفاق الطائف»، بعدما رأى انه غير معني بهذا الامر الذي يناقش «داخل المؤسسات الدستورية» لاعتقاده ان التوازنات تغيرت ولم يعد في الامكان العودة بعقارب الساعة الى الوراء. والامر الذي لم يكن في الامكان التأكد من دقته، ان سورية «عرضت» للمساهمة في بسط سلطة الدولة على كل اراضيها، وهو «الاسم الحركي» لحل مشكلة سلاح «حزب الله»، حصولها على تفويض علني ومن جديد «يشرعن» نفوذها الوازن في لبنان ويضمن عودتها عسكرياً الى البقاع والشمال.
هذه المعلومات المتناقضة، التي تشي بـ «دفاتر شروط» متبادلة، ربما هي التي ادت الى انهيار المسعى السوري ـ السعودي، وتالياً اسقاط حكومة الحريري وانتقال الصراع الى مرحلة اكثر تعقيداً في البلاد، «القفل والمفتاح» فيها المحكمة الدولية.
وقالت مصادر قريبة من «حزب الله»، ان «قوى 8 مارس» وصلت الى النهاية في مفاوضاتها مع الآخرين فإما عودة الحريري مع تعهد خطي بالغاء بروتوكول المحكمة وسحب القضاة ووقف التمويل وإما حكومة لـ «8 مارس» تطرد المحكمة من لبنان وتتركها وشأنها في الخارج وإما مواجهة في الشارع. وإذ شككت هذه المصادر في امكان تعهد الحريري «تعطيل» اجراءات المحكمة في الداخل «لأنه يدرك ان لا امكان لإلغاء المحكمة»، فإنها لم تستبعد ان تحمل التطورات المقبلة في لبنان نهاية لـ «حقبة الحريري».
غير ان الذين التقوا رئيس حكومة تصريف الاعمال بعد عودته الى بيروت قبل ايام، قالوا ان الحريري المرتاح اكثر من اي وقت، قال كلمته من القصر الجمهوري ولن يتراجع رغم استمراره في سياسة مد اليد للآخرين، مشيرين الى ان لا التوازنات الاقليمية ولا التوازنات الداخلية تسمح بـ «مغامرات» من النوع الذي تتوعد به قوى «8 مارس».
وفي حمأة ذلك، شخصت أنظار بيروت امس على دمشق حيث استقبل الأسد، جنبلاط، الذي تُعتبر كتلته النيابية من 11 نائباً «الفيصل» في حسم الاكثرية ضمن البرلمان وتالياً تحديد اسم الرئيس الجديد للحكومة. علماً ان معلومات اشارت الى ان الأسد التقى اول من امس الوزير في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل (صهر العماد ميشال عون).
وفيما ترقّبت الاوساط السياسية عودة جنبلاط لتلمُّس «طرف الخيط» في مآل الاستشارات النيابية الملزمة وتموْضعه فيها، جاء ما نشرته «وكالة سانا للانباء» عن اللقاء لافتاً لجهة الإشارة الى ان البحث تطرق الى «المستجدات على الساحة اللبنانية والوضع في المنطقة وأهمية الوعي لمخاطر التدخل الخارجي، وأن تكون القرارات والحلول بأيدي أبناء المنطقة ومنطلقة من مصالحها».
واذ قرأت دوائر سياسية عبارة «ان تكون القرارات والحلول بأيدي أبناء المنطقة» على انها تكريس للمعلومات التي تحدثت عن رفض سوري لاقتراح فرنسي بعقد مؤتمر دولي - اقليمي حول لبنان تشارك فيه دول عربية، و«ردّ التحية بالمثل» من دمشق لواشنطن التي كانت وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون تحدثت عن اتصالات مع دول عربية مستثنية سورية لمعالجة الأزمة اللبنانية، وصفت مصادر قريبة من جنبلاط لقاءه مع الأسد بالايجابي، موضحة ان الزعيم الدرزي سيجتمع في الساعات المقبلة الى رئيس البرلمان نبيه بري ويضعه في أجواء محادثات دمشق والتشاور في المستجدات. في هذه الأثناء تترقّب «العيون» كيف ستُترجم محادثات جنبلاط في سورية على مستوى «تنقيط» الأصوات في الاستشارات ولا سيما ان «في يد» الزعيم الدرزي من خلال كتلته إما إبقاء الغالبية مع فريق 14 مارس الذي كان جنبلاط اعلن الخروج منه «سياسياً» في اغسطس 2009، وإما نقل هذه الغالبية الى معسكر 8 مارس الذي لم يعلن بعد «رسمياً» التموْضع فيه. علماً ان تق
ارير عدة تتقاطع عند صعوبة ان يضمن جنبلاط تحت وطأة تخييره بين «الأبيض او الأسود» تصويت اكثر من خمسة او ستة نواب من كتلته لمصلحة غير الحريري رئيساً للحكومة، وهو ما يفسّر عمل قوى المعارضة على استمالة بعض من «مستقلي الغالبية» مع التركيز على خمسة هم الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي والنائب قاسم عبد العزيز والنائب احمد كرامي والنائب نقولا فتوش.
وكان رئيس «اللقاء الديموقراطي»، وصل مساء الجمعة الى دمشق، حيث تناول العشاء إلى مائدة معاون نائب الرئيس اللواء الركن محمد ناصيف «أبو وائل»، بعد ساعات قليلة على استقبال جنبلاط، الحريري الذي زاره قبيل توجّهه الى القصر الجمهوري حيث التقى سليمان وتلا بعد الاجتماع بيان «المكاشفة والمراجعة».
وفيما وصفت مصادر قريبة من جنبلاط اللقاء مع الحريري بانه «إيجابي جداً، واتسم بالوضوح والصراحة والتفاهم، اذ لا بد من التسوية في نهاية الأمر ضمن السياق الذي كانت تتحرك فيه الأمور قبل وصولها إلى الحائط المسدود الذي وصلت إليه»، لفتت إلى أن زعيم المختارة وضع رئيس حكومة تصريف الاعمال في أجواء تحركه في اتجاه العاصمة السورية، وأنه سيصارح الرئيس السوري في لقائه المرتقب معه بمخاطر مضي المعارضة قدماً بخيار المواجهة مع الحريري وما يترتب على هذا الخيار من تداعيات طويلة الأمد على السلم الأهلي واستقرار النظام السياسي في لبنان.
وأشارت تقارير الى ان جنبلاط عرض على الحريري تثبيت النقاط التي كان تم التفاهم عليها في اطار المسعى العربي، ورد رئيس حكومة تصريف الأعمال بأنه لا يريد أن يخوض في الأمر تفصيلياً وجلّ همّه الحصول على تسوية مشرفة «ولكن ما تطرحه المعارضة لا يصب في هذا الاتجاه بل هم يريدون مني الاستسلام وتقديم التنازل تلو التنازل... وفوق ذلك هم يضعون المسدس في رأسي». كما اعتبر أنه لا يمكن الركون للتفاهمات مع فريق المعارضة «بدليل انقلابهم على اتفاق الدوحة باستقالتهم الجماعية من الحكومة».
في هذه الأثناء، واذ ذُكر في بيروت ان الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله ارجأ كلمته التي كانت مقررة مساء الجمعة الى اليوم، بانتظار نتائج محادثات جنبلاط في دمشق، بقيت الأنظار على الحِراك الاقليمي والدولي المتصل بالوضع اللبناني، وسط معلومات عن ان تركيا، التي زارها الحريري يوم الجمعة، دخلت بقوة على خط الازمة اللبنانية وهي أبلغت جميع المعنيين الاقليميين بأنها لن تقبل بغيره رئيسا للحكومة.
كما استوقف الدوائر السياسية مناخ «فرْملة» الكلام عن المؤتمر الدولي حول لبنان الذي اقترحه الرئيس نيكولا ساركوزي ورفضته سورية، الامر الذي دفع باريس الى «التبرؤ» من الدعوة الى المؤتمر والاكتفاء بأن الدعوة هي لـ «مجموعة اتصال»، قبل ان تظهر صعوبات امام هذه الفكرة حتى، عبّر عنها الناطق باسم الخارجية الفرنسية برنارد فاليرو باعلانه «أن فرنسا لا تنوي إنشاء مجموعة خاصة للبحث في الشأن اللبناني، إنما تسعى إلى تنسيق دولي وعربي ولبناني لإيجاد مخرج من الأزمة الراهنة، لا يتعارض مع المحكمة واستقلال وسيادة لبنان واتفاق الطائف».
وسط هذا المشهد، وفيما بقيت كلمة الحريري الى اللبنانيين بعد لقائه سليمان من دون أي تعليق مباشر من قوى 8 مارس، باستثناء عون الذي أطلّ ليل امس عبر شاشة «او.تي.في»، برز «استنفار» للطائفة السنية رداً على تلويح قوى 8 مارس بتسمية غير رئيس «تيار المستقبل» رئيساً للحكومة الجديدة، وهو الأمر الذي حاول الحريري نفسه، هو الذي كان رسم الجمعة معادلة «كرامة أهلي قبل السلطة»، منْع «تفلُّته من الضوابط» بإعلانه امس شكره «لمشاعر التضامن والتعاطف التي عبر عنها عدد كبير من اللبنانيين واللبنانيات»، مؤكدا تمنيه على كل الهيئات والمراجع السياسية والروحية «أن تقارب الموضوع من منظار وطني عام لأن ما يجري يعني جميع اللبنانيين من دون استثناء وليس مجموعة بذاتها».
وجاء «تدخُّل» الحريري لحصر «الارتدادات المذهبية» لـ «معركة رئاسة الحكومة»، على وقع بدء استكمال طرفيْ الصراع «عُدة الشغل» استعداداً لـ «المنازلة الكبرى»، الاثنين والثلاثاء، على ان يشكّل اليوم محطة مفصلية في حسم الخيارات، اذ تعقد غالبية الكتل اجتماعات استثنائية (كتلة عون) فيما يلتقي قادة 14 مارس في اطار اجتماع موسّع.
وفي حين توقفت دوائر مراقبة امام اعلان بري رداً على سؤال عن تأييده سابقاً تسمية الحريري رئيساً للحكومة المقبلة «ليعلن الرئيس الحريري انه مع سين - سين وبشوف عندها من اسمي»، كان لافتاً تأكيد رئيس كتلة «المستقبل» البرلمانية الرئيس فؤاد السنيورة «ان الرئيس الحريري مرشح لترؤس الحكومة العتيدة، وعندما يقوم بذلك ليس طمعا في البقاء بالسلطة، بل خدمة للمشروع الوطني الكبير الذي بدأه الرئيس الشهيد رفيق الحريري».وفي غمرة «الصراع» على استقطاب الأصوات إما للحفاظ على الغالبية او لـ «قلْبها»، برز الاجتماع الذي عقده النواب السنّة من «مستقلي الغالبية» نجيب ميقاتي، محمد الصفدي، احمد كرامي وقاسم عبد العزيز، علماً ان ميقاتي والصفدي طُرح اسميهما كبديليْن محتمليْن يمكن ان تطرحهما المعارضة في رئاسة الحكومة، وسط معلومات عن ان «جس نبضهما» حيال مثل هذا الامر جاء «سلبياً».
واعلن المجتعون «اننا من موقعنا النيابي الطرابلسي والشمالي نتفهم هواجس اللبنانيين جميعا وبالتحديد هواجس الطائفة السنية التي نعتز بالانتماء اليها، لكننا فوجئنا مع الاسف بموجة من التصريحات الغريبة عن ادبياتنا السياسية والاجتماعية باسلوب يسيء الى الطائفة ورموزها ويهدد مستقبل لبنان».
وكان رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع، شدد على ان «مرشح 14 مارس لرئاسة الحكومة هو سعد الحريري ولا حظ ّلأي مرشح سيطرحه فريق 8 مارس»، معلناً «الحريري سينال الأكثرية رغم كل المواقف، التي نسمعها في الوقت الحاضر، وسيكون رئيساً مكلفاً وبعدها يبدأ مشاوراته، لتحديد شكل الحكومة المقبلة ونوعها».
|