|
بعد الدور الذي اضطلعت به وسائل الاعلام الاجتماعي في "الثورة الخضراء" في ايران بعد الانتخابات الرئاسية عام 2009، ها هي الشبكة العنكبوتية "تفعلها" مجدداً في "ثورة الياسمين" التي أطاحت نظام الرئيس زين العابدين بن علي. ولكن ثمة بالتأكيد عوامل أخرى ساهمت في الانقلاب السريع الذي قد تكون نتيجته فاجأت التونسيين أنفسهم.
مساء الجمعة، ركب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الطائرة الى مالطا، قبل أن يحط في جدة، تاركاً رئيس وزرائه يواجه شوارع تضج بمتظاهرين يطالبون بتغيير حكومي في هذه الدولة الواقعة في شمال أفريقيا. بدأت التظاهرات قبل أسابيع في سيدي بوزيد، المدينة الواقعة وسط البلاد، بعد انتحار محمد بوعزيزي، وهو شاب جامعي عاطل عن العمل أضرم النار بنفسه في 15 كانون الاول الماضي، أمام مقر الشرطة، بعدما سلبته بضاعته التي كان يحاول بيعها على عربة متحركة، بحجة أنه لم يحصل على ترخيص.
لا شك في أن اليأس الذي شعر به ذلك الشاب هو حال تونسيين كثيرين، بسبب الانكماش الاقتصادي في بلادهم والمستويات العليا للبطالة واللامساواة، وتقييد وسائل الاعلام والانترنت، والفساد المستشري. وانتشرت الاحتجاجات من مدينة الى أخرى، مع مطالبة الاتحادات التجارية والمحامين وجموع الشباب العاطلين عن العمل بتغيير النظام الاقتصادي الذي يحقق مكاسب لعدد صغير من العائلات المقربة من السلطة، ويترك المواطنين العاديين لمصيرهم.
ولئن لا يزال مصير الحكم في تونس مجهولاً، لا شك في أننا شهدنا ظاهرة نادرة، تتمثل بثورة شعبية أطاحت حاكماً عربياً أمسك بالسلطة 24 سنة بقبضة من حديد. وتسمّر جمهور عربي واسع أمام شاشة قناة "الجزيرة الفضائية" التي نقلت الاحتجاجات التونسية، علماً أن دولاً عدة في المنطقة تعاني المشاكل نفسها، من البطالة الى نمو بطيء وحكومات فاسدة وديكتاتوريين مسنين. وبات محتجون ينزلون الى الشوارع في الجزائر والاردن مطالبين بوظائف وغذاء. ومع أنه تستحيل معرفة مصير هذه التحركات حالياً، وما اذا ما كانت ستتطور الى ثورة على غرار ما حصل في تونس، من الواضح أن أصداء ما قام به التونسيون تتردد في المنطقة كلها.
في البدء، لم تكتسب الاحداث في تونس إلاّ اهتماماً محدوداً، خارج الشرق الاوسط ووسائل الاعلام الفرنكوفونية. فعندما
بدأت الاحتجاجات في سيدي بوزيد، كانت أكثر دول العالم الناطقة الانكليزية تركز على عطلتي عيد الميلاد ورأس السنة. ومع اشتداد التظاهرات في تونس، كان الاهتمام الاميركي يركز على حادث اطلاق النار في توسون بأريزونا.وحتى لو حصلت الاحتجاجات التونسية في شهر بلا أحداث كبيرة، يستبعد أن تكون شهدت متابعة وثيقة على غرار أحداث ايران الاوسع نطاقاً والتي تثير قلقاً امنياً دولياً أكبر، اضافة الى أنها تحظى باهتمام وسائل اعلام في الشتات ساعدت في تسويق احتجاجات 2009 وسط الرأي العام العالمي.
وكان الشتات الايراني فاعلاً، خصوصاً في تسويق "الثورة الخضراء" وسط جمهور يستعمل الانترنت ويتابع المنشورات عبر "تويتر" و"فايسبوك" و"الويب فيديو" والمتعطش الى معلومات من الخطوط المتقدمة للمعركة. وقد غير عشرات آلاف مستخدمي "تويتر" صورهم الى الاخضر تعبيراً عن تضامنهم مع الناشطين، وأنشأ مئات خوادم بديلة لمساعدة الايرانيين على التهرب من فلترات الانترنت. وبالنسبة الى مستخدمي الاعلام الاجتماعي، كانت الاحتجاجات قصة عالمية لا مفر منها.
"فيسبوك" و"يوتيوب" و"ديلي موشن"
ولئن لم تحظَ تونس بالاهتمام أو الدعم من مجتمع الانترنت، اضطلعت وسائل الاعلام الاجتماعي على الارجح بدور بارز في الاحداث التي شهدتها تونس أخيراً، والتي أدت الى تغيير سياسي كبير، علماً أن حكومة بن علي سيطرت على كل أنواع وسائل الاعلام، سواء تلك التي على الانترنت أو لا، ومنع الصحافيون من الانتقال الى تغطية احتجاجات سيدي بوزيد. ووصفت تقارير وسائل اعلام رسمية الاحداث بأنها تخريب أو ارهاب.
الا أن التونسيين حصلوا على صورة بديلة من "فيسبوك" الذي لا يزال غير خاضع للرقابة، كما نقلوا الاحداث الى بقية العالم بارسالهم شرائط فيديو الى موقعي "يوتيوب" و"دايلي موشن". ومع انتشار الاضطرابات من سيدي بوزيد الى صفاقس، ومن الحمامات الى تونس العاصمة، وثّق التونسيون الاحداث على "فيسبوك". وفيما تابع آخرون تحديث المعلومات، لا يستبعد أن تكون الانباء عن التظاهرات في أجزاء أخرى من البلاد والتي نشرت على الانترنت، ساعدت مواطنين على استنتاج أنه حان الوقت للنزول الى الشوارع. ووفرت الروايات وشرائط الفيديو التي عرضتها مواقع الاعلام الاجتماعي صورة مستمرة عن الاحتجاجات للعالم، ولفتت انتباهه.
ويمكن فهم دلالات وسائل الاعلام الاجتماعي في تونس بمراجعة محاولات الحكومة السيطرة عليها واسكاتها.فقد راقبت السلطات بشدة الانترنت منذ 1995، مانعة الوصول لا الى المواقع السياسية فحسب، وإنما أيضاً الى مواقع وسائل الاعلام الاجتماعي، مثل "ديلي موشن". وكانت مواقع مشاركة أفلام الفيديو هدفاً خاصاً للرقابة الحكومية، لأن الناشطين التونسيين متمرسون في استخدام الانترنت ووزعوا أفلاما استفزازية عدة على الانترنت، بما فيها واحد يوثق رحلات التسوق الكثيرة للسيدة الاولى الى أوروبا باستخدامها طائرة رئاسية.
والصيف الماضي، بدأت السلطات التونسية تشن هجمات على حسابات الناشطين الذين يستخدمون "جي ميل" و"فيسبوك"، وتمكنت من الحصول على مفاتيح سرية لبعض هذه الحسابات. وعندما بدأ الشغب الاسبوع الماضي، بدأت الحكومة توقيف ناشطين بارزين على الشبكة العنكبوتية. ولكن اذا كان الانترنت يشكل تهديداً لسلطة الحكومة، لماذا لم يحظر النظام "فيسبوك" أو الانترنت بكاملها؟
الاردن ومصر والجزائر...
من المهم القول إن بن علي كان أولاً وقبل كل شيء براغماتياً. وهو كان يسعى حتى وقت متأخر الجمعة، الى حل يمكنه من البقاء في السلطة، مقدماً تنازلات آملاً في تهدئة المحتجين. ومن المرجح أن يبدأ محللون الاحتفال بـ"ثورة تويتر" في تونس، فيما يبحث آخرون عن الربط بين الاحداث، وأظهرت برقية نشرها موقع "ويكيليكس" استياء ديبلوماسيين أميركيين من بن علي، كما مع هجمات الناشطين من مجموعة "أنونيمس" التي استهدفت مجموعات حاولت وقف نشر البرقيات الاميركية، على غرار الحكومة التونسة. إلاّ أن أية محاولة لنسبة تغيير سياسي بحجم ما حصل في تونس الى عامل واحد، تكنولوجي أو أقتصادي أو غير ذلك، هو ببساطة غير صحيح. فالتونسيون نزلوا الى الشوارع بعد عقود من الاستياء، لا رداً على برقية ويكيليكس أو نتيجة لـ"فيسبوك"، ولكن مع ورود مزيد من الانباء عن احداث الاسابيع الاخيرة، نكتشف أن وسائل الاعلام الاجتماعي اضطلعت بدور في مساعدة التونسيين على الاطلاع على الخطوات الاخرى التي يتخذها مواطنوهم وعلى اتخاذ القرار للتحرك. وليس الخبراء وحدهم يريدون معرفة ما اذا كانت وسائل الاعلام الاجتماعي اضطلعت بدور في نهاية حكم بن علي، فمن المرجح أن تكون هذه المسألة محور نقاشات حامية في عمان والجزائر ومصر... ("النهار")
|