ها هي مهلة انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية تتآكل فيما يرى الرأي العام ان هذا الإستحقاق بات أكثر تعقيداً وان البلاد قد تكون مقبلة على شغور في سدة الرئاسة. ولا نقول مقبلة على الفراغ لأن الدستور اللبناني ينص على اناطة صلاحيات رئيس الجمهورية بمجلس الوزراء في حال شغور الرئاسة لأي سبب كان.
مع ذلك، فلا بد من الإعتراف بأن الشغور في سدة الرئاسة هو اساءة معنوية للبنان الدولة وإشارة واضحة الى استمرار الأزمة السياسية في لبنان مع تكريس بعدها البنيوي – الهيكلي هذه المرة. لماذا وصل الرأي العام الى هذه الخيبة؟ برأينا لأن النخب السياسية لم تبدِ صدقاً في الحديث عن الإستحقاق الرئاسي لجهتين على الأقل:
أولاً: لجهة القول بأن مقاربة استحقاق انتخاب الرئيس هي هذه المرة وبشكل استثنائي، مقاربة لبنانية داخلية وان الفرصة سانحة لكي يتوافق اللبنانيون على رئيسهم المقبل. وقد سمعنا العديد من السياسيين، من نواب ووزراء من كل الكتل اللبنانية يرددون هذا الكلام. وفي الوقت نفسه كانت وسائل الإعلام تنقل إلينا أخبار الزيارات المكوكية لسفراء الدول الكبرى وسفراء الدول الفاعلة إقليمياً للسياسيين، كل السياسيين، ولبعض رؤساء الطوائف الروحية ولبعض العواصم الكبرى او الفاعلة إقليمياً، وذلك « للتشاور في موضوع الإستحقاق الرئاسي اللبناني ...».
غريب ان يكون هناك صدفة بهذا الحجم فيما يكرر السياسيون اللبنانيون تأكيداتهم حول لبنانية هذا الإستحقاق. كذلك تردد الجهات الرسمية في الدول الكبرى والإقليمية الفاعلة تأكيداتها باحترام قرار اللبنانيين. ومن الواضح ان الناطقين رسمياً باسم الدول لا يقلّون صدقاً عن النواب والوزراء اللبنانيين. وحده الرأي العام لم يفهم منذ البدء ان هذا الذي سمعوه كان جزءاً اولاً من المسرحية. والواقع ان التأكيد على لبنانية الإستحقاق لا يمكن ان يقتنع به الا الساذجون لأن الظروف الإقليمية وحتى الدولية الحاضرة معقدة وضاغطة بشكل كبير على الوضع اللبناني. وهل نحن بحاجة لبراهين أكثر من ان موضوع الخلاف اللبناني/اللبناني هو الموقف من الحرب في سوريا والموقف من موقف "حزب الله" من تلك الحرب؟!... أليس موضوع الخلاف اللبناني/اللبناني متصل مباشرة بالنزاعات الإقليمية وبالاصطفافات الإقليمية والدولية؟ فكيف يكون عندها استحقاق الرئاسة اللبنانية محض لبناني؟!
ثانياً : لجهة القول بأن الرئيس المقبل سيكون وفاقياً. وفي هذا السياق لا بد من تسجيل مفارقات ثلاث:
(1) ان المرشح الأول للإنتخابات، الدكتور سمير جعجع، طرح مواقف واضحة لا تترك مجالاً للشك في الإتجاه الى معركة انتخابية بكل ما للكلمة من معنى وذلك بين الإتجاهين اللذين يمثلهما كل من 14 و8 آذار. وقد رفع الدكتور جعجع سقف المواقف، دفعاً في اتجاه المعركة الحقيقية. ووقف الى جانبه فريق 14 آذار شبه كامل. وفي هذا المشهد، يُستبعد مبدأ الوفاق ويدخل الى الحلبة مبدأ التوافق اي التسوية بالحد الأدنى بين فرقاء متخاصمين في مواضيع أساسية.
(2) المفارقة الثانية هي اتجاه بعض أعضاء فريق 8 آذار الى وضع أسماء شهداء خلال عملية الإقتراع بما اوحى بأن المقصود لفت النظر الى الأحداث الأليمة التي شهدتها الحرب اللبنانية. وهذا الموقف بحد ذاته عدائي يذهب بالفرقاء السياسيين الى المعركة وليس الى الوفاق. أم أن هؤلاء يرغبون في وفاق يستثني أحداً او بعض الفرقاء اللبنانيين؟
(3) المفارقة الثالثة هي اتجاه بعض الفرقاء الى تشكيل قوة ثالثة بقصد الإفادة من الإشتباك السياسي الحاصل بين 8 و 14 آذار وبالتالي التقدم كفريق وسطي ودعوة الآخرين للتوافق على اختيار مرشحه. وهذا الموقف الثالث ابرز الاتجاه الى البحث عن توافق وليس عن وفاق.
فالوفاق يعني انشداد اللبنانيين، كل اللبنانيين، بمن فيهم الفرقاء السياسيون كافةً، الى شخصية تفرض احترامها وهيبتها بالنظر الى قامتها والى تاريخها والى صدقيتها والى حزمها ورؤيتها الواقعية والحكيمة والاستشرافية في آنٍ واحد. والوفاق لا يبنى ابداً بالتحالفات الثنائية او الثلاثية ولا حتى الرباعية والتي هي بطبيعتها إقصائية وهي أشبه بالصفقات منها بالوفاق. وقد خبر اللبنانيون كل أنواع الإتفاقات الثنائية والثلاثية وحتى الرباعية وأعتبر منها ان الصفقات لا تعزز لا الإستقرار ولا الوحدة الوطنية، بل انها اتفاقات تكتيكية ظرفية تُعقد بقصد تحقيق المكاسب على حساب آخرين.
اما التوافق، فهو الإتجاه الى الحد الأدنى المشترك كأن يسلّم الفرقاء اللبنانيون بضرورة إعطاء الأولوية للإستقرار الأمني للداخل اللبناني، في ظل اضطراب إقليمي، وسوري خاصة، مرشح للإستمرار في السنتين المقبلتين على أقل تعديل. والتسليم كذلك بالطابع الملّح لإعادة بعض الثقة الى الإقتصاد اللبناني بهدف إعطاء دفع لعمليات الإستثمار والتوظيف والإنتاج وكذلك إعادة بعض الثقة للعائلات اللبنانية بأن المدارس والجامعات ستعمل بشكل طبيعي وأن أعمال الأهل ستكون متوافرة لتحمل أعباء معيشة عائلاتهم، بدل حزم الأمتعة للرحيل. وتجدر الإشارة الى أن حزم الأمتعة هو الأكثر رواجاً اليوم في ظل التكاذب الحاصل وفي ظل عدم الإستقرار الأمني والإقتصادي والإجتماعي وفي ظل الضغط المتعاظم انسانياً ومعيشياً وإقتصادياً وأمنياً للأعداد الكبيرة من اللاجئين السوريين في لبنان.
وبالطبع التوافق يكون على السياسة ومن ثم على شخص الرئيس. أي ان البداية هي التفاوض من أجل التوصل الى حد أدنى يرضي الفريقين الكبيرين المتخاصمين حول الموقف من سوريا ومن سلاح "حزب الله".
وبالتالي فإن الحد الأدنى يكون بالإتفاق على صوابية النأي بالنفس عن النزاع في سوريا وعدم التدخل في الصراع القائم بين النظام السوري ومجمل معارضيه، وحفظ الحدود اللبنانية مع سوريا من أي تسلل مسلحين وسيارات مفخخة وتعزيز تسلم الجيش اللبناني وسائر القوى الأمنية اللبنانية أمر حفظ الأمن والنظام على الأراضي اللبنانية كافة وعلى كل الحدود. وهذه هي عينها السياسة التي اتبعها العهد الحالي.
هذا الأمر لا يستدعي بالضرورة الذهاب الى اشتباك مع "حزب الله". فـ"حزب الله" الذي اندفع الى الداخل السوري من باب عرفان الجميل والوفاء للنظام السوري الحليف، تكلّف بشرياً ومادياً ومعنوياً من جراء هذا الإندفاع. لكن الدولة اللبنانية قادرة اليوم أكثر من قبل على ضبط الحدود بعد ان انكفأت القوى المتصارعة في سوريا عن المناطق الحدودية اللبنانية – السورية، أقله نسبياً وهذا الاتجاه بحد ذاته من شأنه تخفيف التوتر في ما بين اللبنانيين بعد تقلّص التهديد بالعمليات الإرهابية ونأمل ان يترافق ذلك مع غياب التهديد بالإغتيالات السياسية كذلك.
مسك العصا من الوسط بين اللبنانيين واستعادتهم الى الوطن، وبناء الثقة بالمؤسسات الرسمية، بدءاً من الجيش وسائر القوى الأمنية، الى القضاء النزيه والمستقل، الى الإدارات والمؤسسات العامة، وتعزيز اداء وفاعلية وشفافية تلك المؤسسات هي اليوم أولويات اللبنانيين كل اللبنانيين.
لكن الحديث عن التوافق لا يعجبني بالمطلق لانه قائم على تسويات الحد الأدنى. وقد يتجه بنا الى اختيار شخصية لا طعم لها ولا نكهة، يتجاذبها الفرقاء السياسيون خلال السنوات الست المقبلة. وهذا الأمر سيكون مؤسفاً بالفعل. وهل بإمكان أي مرشح للرئاسة طرح برنامجٍ يطلب انتخابه على اساسه؟
في الواقع، لا يسمح الدستور المعدل عام 1990 بعد اتفاق الطائف، للرئيس بأن يكون مبادراً إذ ان كل الصلاحيات المناطة به تقريباً يتشارك بها مع رئيس مجلس الوزراء والسلطة التنفيذية مناطة بمجلس الوزراء.
وأي رئيس يتم انتخابه في هذه الحقبة مضطر للتعاون مع القوى السياسية الموجودة وكما يقول الأستاذ سليمان فرنجيه " عدة الشغل " هي هي أياً يكن الرئيس. وقد خبر اللبنانيون حكومات متتالية، جاء بعضها يمثل فريقاً فاعترض الآخر واعتصم وشل عمل المؤسسات، من ثم دخل بعضها الآخر – أي الفريق المعترض – الى الحكومة فامتعض الفريق الأول وبقيت الحياة المؤسساتية عرجاء. وعندما جاء الفريقان معاً – وهذه التجربة تكررت اليوم – انما تواجها مراراً في مجلس الوزراء وفي بعض الأحيان توصّلا الى تسويات والى تقاسم الجبنة، وفي أحيان اخرى شلّا عمل السلطة التنفيذية. فلا حول ولا قوة للبنانيين. فهم لا يعرفون اذا كان اجدى لهم ان يعملوا على جمع الفريقين الرئيسين معاً – وعندها يتقاسمون الموارد والنفوذ على حساب مصالح اللبنانيين جميعاً، ام يعملوا على تأييد وصول فريق واحد الى الحكم على ان يمارس الفريق الآخر المعارضة الديموقراطية اي المعارضة في مجلس النواب. وفي الواقع رأينا في الآونة الأخيرة كيف ان الخلاف بين 14 و 8 أذار يأخذ البلاد في كل مرة الى شفير الهاوية والى الفتنة الكبرى...
أمام هذا المأزق لا يسعنا الا أداء التحية للرئيس ميشال سليمان على صبره خلال السنوات الست الماضية والتسليم بأنه ولسوء الحظ، لا مفّر من ان يعتمد الرئيس المقبل المقاربة نفسها أي مسك العصا من الوسط بين الفرقاء اللبنانيين والدعوة الى اعتماد سياسة النأي بالنفس بالنسبة للصراع في سوريا ودعوة "حزب الله" كما سائر الفرقاء اللبنانيين الآخرين للعودة الى لبنان والإنكفاء عسكرياً وسياسياًومالياً عن التدخل في سوريا.
لو لم يكن اللبنانيون مشدودين الى تحالفات خارجية، إقليمية ودولية، بقصد ضمان نفوذهم في الداخل وتعزيزه، لكانوا بالفعل انتهزوا فرصة استثنائية هي انشغال سوريا بالصراع الداخلي لديها واسرائيل بالمفاوضات المعقدة مع الفلسطينيين، بهدف الهروب بهذا البلد الصغير الى الإستقرار والسلم الأهلي وإعادة البناء الفعلية. لكن لسؤ الحظ هذا لم ولن يحصل. واليوم ننتظر جميعاً ان تتفاوض الدول الكبرى والدول الإقليمية الفاعلة في ما بينها لإختيار رئيس لنا، يكون اما من حصة السعوديين، او حصة الأميركيين أو حصة الفرنسيين أو حصة السوريين أو حصة الإيرانيين، علماً ان الفائز قد يكون من هو مسجل في أكثر من حصة بين تلك الحصص الخارجية. وسيعود كل هؤلاء اللاعبين الخارجيين الى التأكيد على احترامهم خيار اللبنانيين وخيار المجتمع المدني اللبناني...
لما كنت اكّن الإحترام والمحبة لعدة مرشحين للرئاسة وهم يتمتعون برأيي بالخلقية المطمئنة، استغرب شديد الاستغراب كيف انهم لا يسحبون أسماءهم من التداول في هذه السوق الإنتخابية الخارجية.
|