الأربعاء ٢٥ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيار ١٥, ٢٠١٤
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
المسار الاقتصادي - السياسي في المدى القريب [2] - توفيق كسبار
تلقي أزمة تعديل سلسلة الرتب والرواتب في القطاع العام ضوءاً قوياً ليس على خطورة الوضع المالي فحسب إنما على مسؤولية السلطة السياسية في هذه الأزمة.
 
تركّز نقابات المعلمين مطالبها على أمرين محقّين. الأول إداري بمعنى أنه يحقّ للمعلمين ما أُعطي لسائر موظفي القطاع العام كأساتذة الجامعة اللبنانية والقضاة. هذا صحيح، إنما أساس المشكلة هنا ليست في مطالب المعلمين بحد ذاتها، خصوصاً إذا نظرنا إلى رواتب معظم المعلمين، وهي نسبياً متدنية وتستحق التصحيح. المشكلة تكمن في سياسات نُفذت في السنوات القليلة السابقة والتي ضربت بشكل قوي أسس المالية العامة.

أتعرفون، مثلاً، أن أساتذة متقاعدين من الجامعة اللبنانية يقبضون حالياً معاشاً تقاعدياً يتعدى 50 ألف دولار سنوياً! ولذلك يطلب المعلمون معاشات تتماشى مع ما أُقر لأساتذة الجامعة. قد يستحق استاذ الجامعة اللبنانية هذا المبلغ وأكثر، إلا أن هذا معاش تقاعدي أعلى مما يُدفع في أحسن جامعات أوروبا والولايات المتحدة. أتعلمون أيضاً بالزيادة غير المعهودة في عدد المعلمين في القطاع العام؟ لقد ازداد عدد المتعاقدين في القطاع العام التعليمي من أقل من مئة في آخر العام 2006 إلى حوالى 25 ألفاً في آخر العام 2013، وهذا بالرغم من أن لبنان يتميّز بالأساس بنسبة عدد معلمين إلى عدد تلاميذ في المدارس تُعتبر من الأعلى في العالم. وكلفة هؤلاء، إذا اعتبرنا أن معدل الراتب الشهري هو 1000 دولار، تصل إلى حوالى 300 مليون دولار سنوياً. من المسؤول الذي سمح بأن نصل إلى هذا الأمر؟ وهل تستطيع الدولة اللبنانية، لا بل الاقتصاد اللبناني ككل، أن يتعايش مع هذه الأرقام؟

المرتكز الثاني لمطالب المعلمين يقول بأن حجم الهدر في القطاع العام يتعدّى حجم المطالب بالنسبة إلى سلسلة الرواتب والأجور المقترحة. هذا صحيح، وأضيف بأن حجم الهدر يتعدّى بكثير حجم المطالب. ولكن، أتعتقدون أن السلطة السياسية التي أنتجت هذا الهدر سوف تلغيه بنفسها؟

لسنا بعيدين عن الحقيقة حين نقول إن الهدر موجود بشكل منظّم في غالبية مؤسسات القطاع العام. وعلى سبيل المثال، فالمزراب السنوي الأكبر يتمثّل بالتحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان التي بلغت أكثر من ملياري دولار سنوياً في السنوات الثلاث الأخيرة 2011-2013، مما يوازي حوالى 60% من مجمل العجز المالي. أي أن الوضع المالي لمؤسسة عامة واحدة فقط يهدد الوضع المالي لدولة برمتها. هذا مع العلم بأن آخر حسابات مدقّقة للمؤسسة تعود إلى 2007! من المسؤول عن استمرار هذا الوضع؟

أما في ما يتعلق بالواردات الجمركية، وهي مصدر واردات رئيسي للموازنة، فيكفي القول بأن الواردات الجمركية البحتة ارتفعت حوالى 60% خلال السنوات العشر الماضية، في حين ارتفعت قيمة البضائع المستوردة خلال الفترة نفسها 140% تقريباً. لماذا؟

هذه ليست سوى بعض الأرقام الصارخة. وخلاصة هذا العرض أننا وصلنا إلى مرحلة دقيقة جداً مالياً ونقدياً. ومن الواضح أن هناك انفصاماً تاماً بين السلطة السياسية والواقع الاقتصادي العام الذي يتوجه نحو أزمة غير معهودة إذا لم تُنفّذ، وليس تُعلن فقط كالعادة، سياسات مالية ونقدية خلال الأشهر المقبلة.

هل من الممكن درء الخطر المالي-النقدي؟ طبعاً، فلا شيء مستحيل في مجال السياسة الاقتصادية إنما يتوجب اعتماد السياسات الملائمة وتنفيذها. في حالتنا الراهنة يمكن تلخيص تلك السياسات بكلمة واحدة: التقشف، المتمثّل أساساً بالحفاظ على عجز مالي سنوي في الموازنة لا يتعدّى في السنوات القليلة الآتية 3.5 مليارات دولار تقريباً وذلك لوضع نسبة الدين الحكومي إلى الناتج على منحى انحداري، مع فائض في الميزان الأولي (أي ميزان الموازنة ناقص كلفة الفوائد).

أسمع منذ الآن صرخات الاعتراض: الاقتصاد ليس عجزاً مالياً فقط، إنما هو نمو وإنماء واستثمارات، وبطالة، وضرورات بيئية واجتماعية، وتأمين حقوق ومتطلبات، إلخ... كل هذا صحيح، إلا أننا، وللأسف، وصلنا إلى مرحلة دقيقة جداً مالياً واقتصادياً تفرض أولوية ضبط الوضع المالي وإلا خسرنا كل تلك الأمور الأخرى الضرورية. لقد وصلنا إلى هذا الوضع بعد أكثر من 20 عاماً من سياسات مالية مكلفة تدفعها اعتبارات منافعية سياسية، ومن سياسات نقدية أرست الأسواق على مستوى مرتفع ومكلف للفوائد فأصبحت ميزانيات المصارف عرضة لمخاطر لم تألفها من قبل إذ أصبح 57% من مجمل هذه الميزانيات يمثل مخاطر قروض بالعملات الأجنبية وبالليرة للدولة اللبنانية (وفقط 25% من ميزانياتها هي قروض للقطاع الخاص). هذا وضع غير صحي، وما من يسائِل. فالمساءلة المنهجية من قِبل مجلس النواب لنفقات الدولة هي غائبة منذ العام 2005 حين أُقرّت آخر موازنة، أما المساءلة للسياسة النقدية فهي غير موجودة بالمطلق.

إذأً، السياسة المالية التصحيحية تقتضي، منذ الآن، ضبط الوضع المالي كأولوية لا مفر منها مهما كانت الأوضاع الأخرى. انجاز كهذا يعطي السلطة اللبنانية صدقية مؤقتة وينتج استقراراً مالياً مؤقتاً لغاية تنفيذ إصلاحات بنيوية، بدءاً من القطاع العام، أصبح لا مفر منها إذا أردنا الحفاظ على استقرار مالي ونقدي ونمو معقول لسنوات عدة. إن انتخاب رئيس جمهورية يصاحبه ضبط النزوح السوري إلى لبنان، كما انسحاب "حزب الله" من سوريا ووقف المقاطعة الاقتصادية الخليجية للبنان، كل ذلك يعطي انتعاشاً وزخماً اقتصادياً قوياً للبنان. إنما لا تخطئوا، فتطور ايجابي كهذا يعطي فقط فسحة إضافية لإجراء الإصلاحات التي لا بد منها في كل الأحوال. فالقطاع العام يتوسع عمالة وإنفاقاً بلا رقيب أو حسيب وذلك لمنافع سياسية بحتة، والبنية التحتية بحاجة إلى تأهيل وتحديث مكلفين (وهذا ما لم يقم به الدين الحكومي المتنامي)، وإنتاجية الاقتصاد اللبناني ضعيفة. إن الورشة الإصلاحية الاقتصادية كبيرة فعلاً، وقد تطغى قريباً وبالضرورة على كل الورشات السياسية.

لِنَعد أخيراً إلى سياسة ضبط العجز المالي التي يتوجب تنفيذها بأسرع وقت. للتذكير، تقتضي سياسة التقشف الحفاظ على عجز للموازنة بحيث تبقى نسبة الدين إلى الناتج المحلي على مستوى انحداري إذ إن هذا المؤشر هو الأساس لكي تستمر الأسواق المالية المحلية والأجنبية بإعادة تمويل استحقاقات الدين، وبالأخص حين تكون تلك النسبة مرتفعة جداً كما هي الحال في لبنان. وسوف تحتّم تلك السياسة رفع نسب بعض الضرائب والرسوم وما شابه. إلا أن هناك شرطاً أساسياً لتأمين النجاح الاقتصادي والاجتماعي لسياسة التقشف وما يصاحبها من زيادة ضرائب ورسوم. فعلى السلطة اتباع مبدأ التوزيع العادل، بالمعنى الاقتصادي وليس الأخلاقي فقط، لعبء تلك الضرائب على المجموعات الاقتصادية الرئيسية المتمثّلة بالحكومة وأصحاب المؤسسات الخاصة والشعب.

التزام الحكومة، أي حكومة، يقتضي ضبط الإنفاق والعجز المالي من خلال ضبط مصادر هدر رئيسية كمؤسسة كهرباء لبنان، وتأمين الإيرادات الطبيعية من الجمارك، وتحصيل الإيرادات المستحقة من الأملاك البحرية. هذه مصادر تؤمن أموالاً كبيرة تفوق كلفة تعديل سلسلة الرتب والرواتب ويمكن تنفيذها في المدى القريب، والمطلوب يبقى التنفيذ وليس إطلاق الشعارات. التزام أصحاب المؤسسات الخاصة يكون بدرجة أولى من قِبَل أصحاب المصارف بقبول نسبة ضريبية أعلى على أرباحها التي تتزايد بالرغم من الانكماش الاقتصادي، وسبب ارتفاع الأرباح يعود إلى كون المصدر الرئيسي لأرباحها هو الفوائد السخية على ودائعها لدى مصرف لبنان وبدرجة ثانية فوائد سندات الخزينة. إن الأرباح المرتفعة للمؤسسة التجارية، والمصارف مؤسسات تجارية، ليس عيباً أو مشكلة إذ أن هذا هدف طبيعي لكل مؤسسة تجارية. إنما نعتقد أنه من مصلحة المصارف نفسها، وبمقدورها أيضاً، أن تدفع نسبة أعلى من الضرائب. وفي السياق نفسه، يجب على أصحاب العقارات، والعقارات هي من أهم الثروات في لبنان، دفع ضريبة على الأرباح العقارية يمكن اقتطاعها عند بيع العقار. أما مساهمة الشعب أو العامل أو المستهلك فتكون من خلال دفع نسبة أعلى، مثلاً 12%، من الضريبة على القيمة المضافة.

إن نجاح هذه الإصلاحات الإدارية والضريبية يرتبط بتطبيقها كسلة متكاملة. هي إصلاحات محدّدة وممكنة التنفيذ خلال عام أو أقل، وتجني أكثر من ملياري دولار سنوياً. ووقع هذه الإصلاحات على القدرة الشرائية للأجراء هو أقل من أي اقتراح آخر، كما أن حصيلتها من الأموال لتخفيض العجز المالي هي أكبر من الاقتراحات المطروحة. وفي كل الأحوال، المسار الإصلاحي يبدأ وينتهي عند السلطة السياسية التي عليها أن تعزم وتثابر على تلك الإصلاحات بلا تردد وبلا تأخر. ولكن، للأسف، السلطة الإصلاحية غير متوافرة في لبنان حالياً. لذلك من الأرجح أن يكون المسار الاقتصادي-السياسي مضطرباً في المدى القريب، وأن يأتي بعض الإصلاح متأخراً بقوة الأزمة وليس بحرية القرار السياسي.

خبير اقتصادي


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة