الجمعه ٢٧ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيار ٢٦, ٢٠١٤
المصدر: جريدة الحياة
المجتمع المدني السوري بوصفه مُتخيلاً أسدياً - ايلي عبدو
تُحيل البرامج والخطط التي تطرحها منظمات المجتمع المدني السورية خلال ورشها ومؤتمراتها إلى الصورة المتخيلة التي يحلم كل مواطن سوري بأن تستقر بلاده عليها. فالحكم الصالح والتنمية واعتماد حقوق الإنسان وتطبيق آليات الديموقراطية وضمانة مشاركة المرأة، مفاهيم جذابة تحظى بإجماع الشرائح العظمى من السوريين. لكن المفارقة أن ذلك المتخيل يتناقض مع جوهره الذي يتمحور حول تدريب المواطن على تطبيق مفاهيم مدنية تكفل له حريته. ولعل الوصفات الجاهزة التي يجري اتباعها من جانب هذه المنظمات من دون الانتباه لطبيعة الصراع السوري القائم وتعقيداته، تكشف بدرجة ما طبيعة هذا التناقض.

فمعظم البرامج التي تُطرح في أنشطة المنظمات المدنية تتعامل مع نتائج الصراع وليس مع جذوره، لتكرس بذلك الأوضاع السابقة التي انتفض السوريون بهدف تغييرها. فالطروحات التي تتحدث عن حقوق الإنسان وكيفية ممارستها لا تشترط إسقاط النظام الذي تفنن في انتهاك هذه الحقوق أربعين عاماً ووصل إلى الذروة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بل على العكس تتعامل معه بوصفه طرفاً وجب إشراكه. وكذلك الأمر بالنسبة للديموقراطية والحكومة وغيرها من المفاهيم المدنية.

ما يعني أن صناعة المتخيل المدني ترتد تلقائياً إلى الماضي الأسدي بمجرد أن يتعاطى الصناع مع الصراع بآليات تقنية تتوسل التعميم لتوصيف ما يجري، من دون التوقف للبحث في المسببات الجذرية. والتقنية ليست سوى كلمة السر التي تصل بين الماضي الأسدي والمتخيل المدني. فالسوريون لم يدفعوا أكلاف النزوح والتهجير والتدمير والقتل إلا لكي يتمتعوا بالحقوق التي تتحدث عنها منظمات المجتمع المدني. لكن الأخيرة تقدم آليات وبرامج وخططاً للتطبيق، الأمر الذي يسهّل الخلط بين القاتل والقتيل ويفتح المجال لإشراك النظام بإنقاذ ما يساهم في صنعه.

وإذا كان الخطأ الأول لمنظمات المجتمع المدني يتمثل في تبرئة النظام من جرائمه وتحويله إلى طرف وجب العمل على إعداده حقوقياً، فالخطأ الثاني هو الاحتيال على الصورة التي أرادها السوريون لبلادهم انطلاقاً من ثورتهم ضد الاستبداد. فقد ثار هؤلاء لأنهم صنعوا مُتخيلهم الخاص المهجوس باستعادة الحقوق المسلوبة من ديموقراطية وحقوق إنسان وتداول سلطة ومشاريع تنمية، لتأتي هذه المنظمات وتصنع متخيلاً مضاداً يكتفي بالآليات التقنية لتطبيق هذه الحقوق من دون البحث في شروطها السياسية.

ولا بد من أن نتذكر أن النظام السوري نفسه كان يهتم بالمجتمع المدني، وقد عمل الكثير من المنظمات في كنفه. تدرب الناس على ممارسة حقوق الإنسان فيما أصوات التعذيب تصدح في أروقة المعتقلات، وكانت تقام ورش حول الديموقراطية وآليات الحوكمة في بلد يعدّل دستوره بأقل من ربع ساعة ليناسب قياسات الوريث الجديد. هذا إن تجاوزنا عقيلة الديكتاتور أسماء الأسد التي أسست شبكة من المنظمات لتجمّل بعض ممارسات زوجها. وهو ما يؤكد أن نشاط منظمات المجتمع المدني لا يستوي مع وجود الديكتاتورية، إلا لكي يبررها ويلمع صورتها القبيحة.

أما لحظة اندلاع الثورة، فكان على هذه المنظمات أن تكون جزءاً منها بوصفها صلة الوصل التقنية بين مُتخيل الثائرين والواقع، لا ذريعة لخلق متخيل مضاد.


* كاتب سوري



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة