|
تحكم الفوضى الشارع في تونس بحيث بدا أن الهدوء النسبي الذي كان الجيش نجح في تحقيقه تبدد على وقع مواجهات غامضة وإطلاق نار في أكثر من مكان من العاصمة قام به قناصة مجهولون يُعتقد أنهم من أفراد الحرس الرئاسي أو من العصابات المسلحة التي لها مصالح في إعادة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. وبينما يُنتظر إعلان حكومة الوحدة الوطنية الاثنين، اعُتقل أكثر من شخص من رموز النظام السابق ومن أقرباء بن علي.
وأفاد رئيس الوزراء التونسي محمد الغنوشي أن الحكومة الجديدة ستُعلن اليوم وان ذلك سيفتح "صفحة جديدة" في تاريخ تونس. وأكد ان "لا تسامح مع من يريدون اعادة استعباد الشعب التونسي ومع عصابات الاجرام".
وكانت الأمينة العامة للحزب الديموقراطي التقدمي المعارض مايا جريبي صرحت بأن "تشكيلة الحكومة الجديدة ستعلن غداً (اليوم)"، بعد اجتماع للأحزاب السياسية الرئيسية مع الغنوشي. وقالت: "اتخذ قرار بالتوافق على استبعاد الاحزاب المناصرة للحكومة. وستتشكل الحكومة الجديدة من ممثلين لحركة التجديد والحزب الديموقراطي التقدمي والجبهة الديموقراطية للعمل والحريات وشخصيات مستقلة"، مشيرة إلى ان "الانتخابات المقبلة ستراقبها لجنة مستقلة ومراقبون دوليون من اجل انتخابات حرة وشفافة". وأضافت ان "الأحزاب الثلاثة طلبت عفواً عاماً عن جميع السجناء السياسيين". وشدد زعيم حزب التجديد احمد ابرهيم على وجوب وقف الفوضى. وطالب الامين العام لحزب الوحدة الشعبية في تونس محمد بوشيحة بتأليف حكومة وحدة وطنية.
عصابات مسلحة
وكان الحزب الديموقراطي التقدمي أفاد ان الشرطة أوقفت سيارة تنقل مسلحين "أجانب"، وان عيارات نارية أُطلقت. وأشارت الشرطة إلى ان اثنين من الموقوفين، بعد مطاردة المسلحين الى مبان سكنية قريبة، يحملان جوازي سفر اسوجيين.
وأعلن ضابط في الشرطة التونسية توقيف اربعة ألمان في حوزتهم اسلحة داخل ثلاث سيارات اجرة في تونس العاصمة مع أجانب آخرين. ويذكر ان الأحد، وهو يوم عطلة في تونس، كان بدأ هادئاً. وخرج مواطنون لشراء الطعام، وللمرة الأولى منذ بضعة ايام شوهدت شاحنات صغيرة وسيارات فان تتحرك بطلبات تجارية. وعكف المواطنون خلال ساعات النهار على بناء حواجز من فروع الأشجار وصناديق القمامة لاقفال شوارعهم وحماية ممتلكاتهم قبل اقتراب موعد حظر التجول ليلاً. وقال احدهم: "خرجنا إلى الشوارع وارتدينا قمصانا بيضا كي يمكننا التعرف بعضنا على البعض. وأخبرنا الشرطة في المنطقة إننا هنا ونلبس ملابس بيضا. حدث هذا اثناء منع التجول. جئنا مستعدين، أحضر بعضنا العصي وجمعنا الحجارة".
غير أن المشهد اختلف بعد الظهر ومساء، اذ تنقل إطلاق النار بين أكثر من مكان. وأعلن ملازم في الجيش التونسي، قال إن اسمه مسعود، مقتل قناصين وسط العاصمة التونسية في مواجهات بين القوات النظامية وميليشيات مسلحة تبدو موالية لبن علي. واوضح ان المسلحين أطلقا النار من مبنى قريب من وزارة الداخلية، "وقتلناهما". وتوقفت المعارك التي بدأت الساعة 15:00 بتوقيت غرينيتش تماماً وانتهت بعد ساعتين.
وخاضت قوات الأمن التونسية معارك بالأسلحة النارية مع مسلحين على سطوح منازل قرب مقر المصرف المركزي في العاصمة. وكان سقط ستة قتلى في اشتباك مسلح بين الجيش التونسي ومسلحين مجهولين في بلدة الوردانين بمحافظة المنستير شرق العاصمة.
وأفاد صحافيون من طاقم تلفزيون "رويترز" ان جماعة من الشبان المسلحين بالعصي والسكاكين أوقفوا سيارات خاصة على الطريق السريع الذي يتجه شمالاً إلى تونس العاصمة وسرقوها على مسافة بضعة كيلومترات من نقطة تفتيش تابعة للجيش. وأعلن مصدر رسمي في تونس تخفيف منع التجول ابتداء من الاحد، "نظرا الى تحسن الاوضاع الأمنية"، مع "المحافظة على بقية الاجراءات".
توقيفات
واتهم القضاء الجنرال علي السرياطي، المدير السابق لأمن بن علي، وعددا من مساعديه بـ"التآمر على الأمن الداخلي" في تونس. وقال مصدر مسؤول ان السرياطي ومن معه "أوقفوا في بنقردان" على مسافة 550 كيلومتراً جنوب العاصمة بينما كانوا يحاولون الفرار الى ليبيا. وكانت وكالة الأنباء التونسية الحكومية نقلت عن مصدر ان "النيابة العمومية لدى المحكمة الابتدائية في تونس أذنت بفتح بحث تحقيقي ضد المدير العام السابق للأمن الرئاسي ومجموعة من مساعديه من اجل التآمر على أمن الدولة الداخلي وارتكاب الاعتداء المقصود منه حمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضاً بالسلاح واثارة الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي. وبادر قاضي التحقيق الى عرض التهمة على المظنون فيهم وإصدار بطاقات ايداع ضدهم". وفي التأكيد الرسمي الأول لوجود ميليشيات منظمة يقودها السرياطي، قال المصدر ان "شوارع العاصمة وضواحيها قد عرفت خلال الفترة الاخيرة تحركات مشبوهة لميليشيات عملت على اثارة الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي لغاية التآمر على أمن الدولة الداخلي".
ولفت مصدر مطلع على اساليب النظام السابق الى انه "لا يجب الاستهانة بقوة الأمن الرئاسي الذي كان يقوده الجنرال السرياطي ويضم الآلاف من الموالين لبن علي". وكان الجيش أوقف ليل السبت - الأحد قيس، ابن شقيق بن علي، في مدينة مساكن على مسافة 130 كيلومتراً جنوب العاصمة مع عشرة اشخاص آخرين كانوا "يطلقون النار عشوائياً". وفي تعبير عن ازدرائهم لأسرة بن علي، اقتحم مئات من الأشخاص الفيلا الخاوية لقيس بن علي في منتجع الحمامات والتقطوا فيها الصور وخلعوا النباتات في الحديقة وتجهيزات الحمامات وأخذوها كتذكارات، في مشهد أعاد إلى الأذهان ما تعرضت له قصور الرئيس العراقي الراحل صدام حسين
واوردت قناة "الجزيرة" الفضائية القطرية نبأ توقيف وزير الداخلية السابق رفيق بلحاج قاسم في مسقطه باجة. وتحدثت قناة "العربية" السعودية الفضائية ومقرها دبي عن تعيين العميد توفيق الدبابي مديرا للأمن الرئاسي في تونس. وأكد مصدر طبي ان عماد الطرابلسي، ابن شقيق ليلى زوجة بن علي، توفي مساء الجمعة في المستشفى العسكري بتونس العاصمة متأثراً بجروح اصيب بها بعد تعرضه للطعن. وهو القتيل الأول من المقربين من الرئيس المخلوع.
ولم تعرف الظروف التي طعن فيها عماد الطرابلسي، ولكن يُعتقد انه قد يكون تعرض للطعن في اطار تصفية حسابات مع أحد مساعديه السابقين. وكان الطرابلسي انتخب في ايار رئيس بلدية حلق الوادي شمال العاصمة حيث فرض نفسه حتى قبل الانتخابات. ولوحق قضائياً في فرنسا بتهمة "السرقة ضمن عصابة منظمة" لاستيلائه على يخت شهير تملكه شخصية فرنسية كبيرة. وفي ايار 2007 أصدر القضاء الفرنسي مذكرة توقيف في حقه غير انها ظلت حبرا على ورق. و ص ف، رويترز، ي ب أ، أ ش أ، أ ب
بن علي "لاجئ سياسي" وليس رئيس دولة
جدة – و ص ف، رويترز - لزمت السلطات السعودية صمتاً مطبقاً حيال إقامة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي في المملكة بعد فراره من بلاده. ولم تتسرب اي معلومات عنه وعن أفراد عائلته الموجودين في المملكة. وساد التكتم الأوساط الرسمية ووسائل الاعلام معاً. وابلغ المحلل السعودي جمال خاشقجي قناة "العربية" السعودية ومقرها في دبي ان بن علي سيعامل "كلاجئ سياسي وليس كرئيس دولة". وطُلب منه، على غرار كل اللاجئين السياسيين في المملكة، الامتناع عن ممارسة اي نشاط او تصريح سياسي، لذلك فإن "السعودية لن تسمح للرئيس المخلوع بالإدلاء بتصريحات سياسية او ممارسة اي نشاط سياسي او اجراء اتصالات مع تونس". وسبق للسعودية ان استضافت زعماء معزولين مثل الرئيس الاوغندي السابق عيدي امين دادا عام 1979، ورئيس الوزراء الباكستاني سابقاً نواز شريف عام 2000. ولفت رئيس مجلس الخليج للأبحاث عبدالعزيز بن صقر إلى انها "لم تسمح لشريف بالقيام بأي نشاط سياسي على اراضيها. وعندما قرر العودة الى السياسة، غادر السعودية". واتفق بن صقر مع مدير الأبحاث في المركز مصطفى العاني على انه من المستبعد ان يبقى بن علي وعائلته في السعودية طويلاً، ذلك ان "اسلوب حياته لا ينسجم والحياة في المملكة".
|