الأحد ٢٩ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: حزيران ٥, ٢٠١٤
المصدر: جريدة الحياة
هل الصراع في سورية سياسي أم طائفي؟ - دارا عبدالله
هل المحرّكات العميقة للصراع الرّاهن الملتهب الآن في سورية طائفيَّة دينيَّة أم سياسيَّة اقتصاديَّة؟ بمعنى آخر: هل من العلمي والمنهجي الجزم بأن دوافع التنازع الآن، هي بين مشروعين دينييّن طائفييّن سنّي وعلوي، أي أنَّه صراع بين مُعتقدات رمزيّة ورؤى دينيَّة وتقاليد طقوسيّة. قبل الإجابة عن هذا السؤال الكبير، لا بدَّ من مُحاولة القبض على جذر المسألة الطائفيَّة الدينيَّة في سورية.

أيّةُ بُنيةٍ سوسيولوجيّة إذا امتلكت السّلطة والثروة والنفوذ، وساهمت في خلق محدّدات الفضاء العام وطرائق التعبير في اللغة وأنساق الأخلاق، فإنّها ستصبح «كلاً اجتماعياً» كثيراً، بغضّ النظر عن عددها السّكوني الثابت، وهي بذلك تضع «الباقي الاجتماعي» الآخر القليل (وهنا أيضاً تكون باقياً بغض النظر عن كتلتها الماهويّة الثابتة) خارج دورة الإنتاج الفعليّة، وبعيداً من منابع الثروة ومراكز القوة.

ما يجعل البنية السوسيولوجيّة كثيرة أو قليلة، هو فاعليتها الواقعيَّة المتولّدة في شكل أساس عن قربها أو بعدها من مراكز القوّة، وليس عددها الجوهري المحصيّ (أنظر مقالة الكاتب والأكاديمي السوري جورج نجيب عوض بعنوان: عن «حماية الأقليات» والمسيحيين في المسألة السورية. في ملحق نوافذ/جريدة «المستقبل» اللبنانيّة، عدد 4937، 2 شباط/فبراير 2014).

والحال، فإن من المتوقّع أن تدافع عن نفسها تلك البنية السوسيولوجية الكليّة المتسلطة، التي حصلت على امتيازاتها فوق الوطنيّة ومناصبها الاستثنائيّة، نتيجة ظروف شاذَّة ظرفيَّة وغير عادلة، سواء في أجهزة الدولة البيروقراطيّة الظاهرة، أو في دهاليز الدولة الأمنيَّة-العسكريّة الباطنة، وذلك عند لحظة التهديد من «الباقي الاجتماعي».

ومن ذلك ظهر لدينا في سورية وخصوصاً بعد السياسات الاقتصاديَّة النيوليبراليّة ما يأتي: «باقٍ اجتماعي» يتكوّن في شكل أساس من سُنَّة الأرياف، كثيرٌ عدديّاً ولكنّه قليل واقعياً بسبب إقصائه عن مراكز السلطة والسياسة والتحكّم، «يجاهد» في التعبير عن حساسيّته ومصالحه بالضدّ رمزياً وماديّاً من «الكلّ الاجتماعي»، الذي يتكوّن في شكل أساس فاعل من العلويين، وفي شكل ثانوي أقل فاعليّة من البورجوازيّة السنيّة المدينيّة. هذا «الكل الاجتماعي» قليلٌ عدديّاً ولكنَّه كثيرٌ واقعيّاً بسبب امتلاكه غالبية مصادر النفوذ والقوة والثروة. وربّما يفسّر هذا جزئياً سبب اختلاط الثورة السوريّة اختلاطاً عميقاً بالحرب الأهليّة، كونها صراعاً بين فئتين اجتماعيَّتين لهما مصالحهما السياسيّة والاقتصاديّة المتباينة، وعالمهما الرمزي واللغوي المختلف.

الثورة السوريَّة في عمقها هي محاولَةُ القليلين تكثير أنفسهم واقعيّاً بالتقليل من الكثيرين.

وتستفحِل المسألة الطائفيَّة وتتحوَّل من اختلاف ثقافي تاريخي إلى مشكلة سياسيَّة عنيفة، عندما يكون «الكلّ الاجتماعي» المتسلّط سياسيّاً، متلوّناً بلون ثقافي معيّن، سواء كان مذهبيّاً أو عشائريّاً أو إثنيّاً أو مناطقيّاً، ويكون «الباقي الاجتماعي» المهمَّش سياسيّاً، مُصْطبغاً بلون ثقافيّ آخر. وهذا ما حصل وتبلور تماماً في سورية بعد أحداث الثمانينات الداميّة، نتيجة الاشتباكات بين نظام حافظ الأسد وميليشيات «الإخوان المسلمين»، إذ استخدم الأسد بعدها الهويَّة الأهليَّة للطائفة العلويَّة كي تكون ممرّاً للنَّفاذ إلى مراكز القوَّة في الدولة الباطنة. وتحوّلت الطائفة العلويّة نتيجة لذلك من أقليّة عددية إلى أكثرية واقعيّة. ولم يفعل حافظ الأسد ذلك لتحقيق مَجدٍ مذهبي للطائفة أو لتطبيق مشروع سياسي علوي، وإنَّما لمعرفته الدقيقة بما يضمن التماثُل المذهبي في الدولة الباطنة، مَتانةً في الحُكْم وديمومةً في قوَّة القبضة. فالأسد شكَّل علويّين منثورين رازحين تحت سُلطَته، ومنعَ تشكيل طائفة علويّة لها مرجعيتها الثقافيّة والسياسيّة السلطويّة المستقلّة.

ما يحصُل في ليبيا يشبه نسبيّاً ما يحصل في سورية، إذ إنَّ اشتعال المسألة العشائريَّة في ليبيا سبَبُه في شكل أساس أنَّ عَصَب «الكُلّ الاجتماعي» يتمثَّل في عشيرة القذافي، أمّا «الباقي الاجتماعي» فيتكوَّن من عشائر أخرى مُهمَّشة، وسبب دفاع عشيرة القذافي عن نظامه وقت اندلاع الثورة، هو دفاعهم عن مكاسبهم وامتيازاتهم ومكانتهم، وليس عن تماسك العشيرة أو ثقلها التاريخي الرمزي.

إذاً، عندما تكون الهوية الأهليّة الثقافيّة السبيل الوحيد للامتياز السياسي والاقتصادي، فإنَّ تهديد ذلك الامتياز اللاتاريخي وغير العادل، يهدد السبيل الذي أدى إليه. والثقافة التاريخية للهويّة هنا ستشكل سنداً داعماً ومغذيّاً لهذا الصراع السياسي المحتد.

الهويّة هي وسيلة غايتها المكانة، وليست المكانة وسيلة غايتها تحقيق المشروع الرمزي للهويّة. من هنا أعتقدُ بأنَّ المحرّكات العميقة للصراع المندلِع الآن في سورية هي رغبة «الباقي الاجتماعي» في نزع الفرادة والاستثنائية عن «الكل الاجتماعي»، أي أنَّه صراعٌ دوافعه الأصليّة سياسيَّة-اقتصاديَّة، وما يكسر فرضيَّة الصراع الطائفي المحض هو الاشتباكات التي دارت أخيراً بين الكتائب المعارضة المسلَّحة نفسها، على رغم انتمائها المذهبي المشترك، إذ يبدو أنَّه نتيجة إطالة الصراع بدأت تتشكّل ضمن ذلك «الباقي الاجتماعي» الذي يسكن في شكل أساس في ما يسمّى بـ «المناطق المحرّرة» بؤر هيمنة ومراكز تسلُّط يرعاها أمراء الحرب (الجبهة الإسلاميّة والدولة الإسلامية في العراق والشام وميليشيات حزب العمال الكردستاني)، وهذه تحاول أن تشكّل «كلاً اجتماعياً متسلّطاً جديداً»، ليست لديه مشكلة في التواصل والتنسيق مع «الكل الاجتماعي السابق»، ولكن سرعان ما تتشكّل ضمن «الباقي الاجتماعي الجديد» آليات مقاومة ورفض واحتجاج.

وهكذا إلى ما لا نهاية.

* كاتب سوري



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة