الأحد ٢٩ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: حزيران ٥, ٢٠١٤
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
"حريَّة الضمير" عنوانًا لحوار إسلامي - مسيحي متجدِّد - أمين الياس
يُدرك تمامًا كلُّ من يزور دولة من دول الجامعة العربيَّة أنَّ هناك شيئًا ما قد تغيَّر. هناك ثورة ما حدثت، ولو أنَّ الكثير من أوجه هذه الثورة يبقى غير مرئي حتَّى الآن وأنَّ البعض الآخر منها كان مليئًا بالعنف والفوضى وحتَّى العبثيَّة كما رأينا في سوريا والبحرين واليمن ومصر.
 
شخصيًّا لا أزال على اقتناعي بأنَّ ما نشهده اليوم في هذا "العالم العربي" ليس إلا موجة جديدة من موجات الخروج من جمود القرون الوسطى، مع كلِّ ما يحمله هذا الخروج من قيح ودم وألم. صحيح أنَّ العنف الكبير الذي شهدته بعض المساحات العربيَّة ألقى الكثير من الظلال على عمليَّة الخروج هذه. لكن علينا أنْ نتابع أيضًا ما الذي يحصل على الساحات الأخرى الأكثر هدوءًا حيث هناك عمليَّة تغيير كبيرة تحصل على نار هادئة. أعني بهذه الساحات بلادًا كتونس والمملكة المغربيَّة وحتَّى لبنان ومصر حيث تكثر المطالبات الشعبيَّة والنخبويَّة، الشبابيَّة خاصَّة، بالمزيد من الحقوق في العمل والتعليم والمساواة ومكافحة العنف ضد الأطفال والنساء، وتعزيز مفهوم المواطنيَّة والهويَّات الوطنيَّة المحليَّة. غير أنَّ العنوان الأبرز، برأيي، لهذه "الثورة الناعمة" تبقى المطالبة بـ"حريَّة الضمير" (Liberté de conscience).

خلال فترة ما بين 2009 و2014 لاحظتُ كم تقدَّم طرحُ "حريَّة الضمير" في أوساط النخب العربيَّة. فها هو جمال البنا في مقالاته الأخيرة في جريدة "المصري اليوم" يشدِّد على هذا المفهوم، وها هم المثقفون وصحافيُّو الكثير من الصحف العربيَّة التي تتمتَّع بحريَّة التعبير يكرِّرون أهميَّة حريَّة الضمير كأساس في إعادة تنظيم المجتمعات العربيَّة على أساس المواطنة والفصل بين الدين والدولة. وقد تكون مشاركتي الأخيرة في مؤتمر عُقد في مدينة الرباط(¶) حول الحوار الإسلامي-المسيحي المتجدِّد دليلاً إضافياً على مدى تقدم طرح "حريَّة الضمير" بين أوساط النخب الفكريَّة والأكاديميَّة في لبنان والمغرب وتونس والجزائر، حتَّى أنَّه يمكننا القول أنَّ العنوان الاهمّ الذي طُرح خلال مؤتمر الحوار هذا كان "حريَّة الضمير".

فمنذ إطلاق أعمال هذا المؤتمر حرص منظِّموه، نائب المدير العام لمؤسسة الملك عبد العزيز في المغرب السيد محمد صغير جنجر، ومدير المكتبة الوطنيَّة السيد إدريس خروز وممثل الكوليج برناردين السفير جاك هوتسينغر على ضرورة أن يكون الحوار الإسلامي - المسيحي مشروطًا ليس فقط بـ"احترام الاختلاف والآخر وحق التساؤل" بل بأن يكون حوارًا قائمًا على "الحريَّة: حريَّة المجتمع حيث هناك ضمانة لحقوق الفرد واحترام الإنسان ولحريَّته في الاعتقاد والإيمان والسياسة والفلسفة والفن". الأهمُّ من ذلك هو التشديد على أن الحوار يجب أنْ ينطلق أيضًا من فكرة أنَّه ليس هناك دين أفضل من دين، وأنَّ عمليَّة الحكم في هذا المجال هي شأن يقرِّره الفرد وحده. هذا الأمر يعني بكلمة أخرى "حريَّة الضمير".

وعليه لم يعد مفاجئًا مثلًا أن ترى كيف تردَّدت عبارة "حريَّة الضمير" – بما تعنيه من حريَّة الإنسان في أن يؤمن أو لا يؤمن وفي أن يبدِّل دينه – في مداخلات معظم الأكاديميِّين اللبنانيِّين والتونسيِّين والمغربيِّين والفرنسيِّين. فهي عند البعض ركن من أركان تعزيز "العيش معًا"، وعند البعض الآخر حجر لبناء دولة المواطنة.

عبد المجيد شرفي مثلًا، وهو باحث في الإسلاميات في الجامعة التونسية، ينتقد واقع رفض المؤسَّسات الدينيَّة لـ"حريَّة الضمير" باعتبارها مفهومًا "يساوي بين المعتقدات والأديان" في حين أنَّ الممثِّلين الرسميِّين لهذه الأديان يرفضون مساواة دينهم بأديان الآخرين ويعتقدون بأنَّ "دينهم هو الحق". ثمَّ يذهب شرفي إلى أبعد من ذلك إذ يرى في هذه الحريَّة أساسًا يمكِّن الإنسان في مجتمعاتنا من إعادة قراءة النص المقدَّس بحيث نخرج من القراءة التقليديَّة نحو قراءة جديدة وتجديديَّة تطبِّق الثورة المعرفيَّة التي حصلت في العلوم الإنسانيَّة والعلوم التجريبيَّة على النصوص المقدَّسة وتصالح إنسان مجتمعاتنا مع الفكر التاريخي والعلمي.

معظم الأكاديميُّين التونسيُّين شدَّدوا على محوريَّة حريَّة الضمير في بناء تونس المستقبل. غير أنَّهم، رغم غبطتهم بتكريسها في الدستور التونسي، لا يزالون على خوفهم من محاولة الإسلاميِّين، لا سيَّما حزب النهضة، لتأويلها بحيث تصبح مرادفة لـ"الضمير الجمعي" (Conscience Collective) وليس الضمير الفردي (Conscience Individuelle). عبد الرزاق الصيادي، وهو أستاذ بجامعة منوبة في تونس، لا يتردَّد بالقول بأنَّ حالة العيش معًا بين المسلمين والمسيحيِّين سيِّئة وأنَّ سوء الحالة هذا نابع من واقع أنَّ البلاد ذات الغالبيَّة المسلمة تخلط ما بين الدين والدولة. أمَّا الحلّ برأيه فهو تكريس "حريَّة الضمير" بحيث يُتاح للمجتمعات العربيَّة بأنَّ تخرج من ديكتاتوريَّتَي الدين والعسكر نحو خيار ثالث يتمثَّل بالديموقراطيَّة.

المونسينيور الفرنسي باسكال غولنيش، المدير العام لمؤسَّسة "عمل المشرق"، يشرح معاناة مسيحيِّي الشرق من غياب "حرية الضمير" ما يؤدي إلى شعورهم بأنَّهم لا يتمتَّعون بحقوق المواطنة الكاملة في مجتمعاتهم. أمَّا جان باتيست دو فوكو، رئيس جمعية "الديموقراطية والروحانية" في فرنسا فهو يتَّفق مع الأستاذ الصيادي على أنَّ حريَّة الضمير أساس في تكريس الديموقراطيَّة في المجتمعات التعدُّديَّة. فالديموقراطيَّة برأيه هي "مجموع الحريَّات، حريَّة الضمير وحريَّة التعبير وحريَّة الاعتقاد". متجاوزًا المفهوم الإجرائي للديموقراطيَّة (Démocratie procédurale) والتي، برأيه، لا تفي الديموقراطيَّة حقَّها، يشدِّد دو فوكو على النظرة الروحانيَّة للديموقراطيَّة والتي تسمح للإنسان بالتوجُّه إلى الما - فوق (Démocratie transcendantale). ذلك أنَّ الديموقراطيَّة ليست نظامًا سياسيًّا فحسب بل تشتمل على بُعد روحي. أهميَّتها أنَّها تضع العالم في حالة دائمة من مساءلة الذات والبحث الدائم.

في المقابل، مثَّل السعوديُّون موقفًا أكثر محافظة في النظر إلى العلاقة مع الآخر وإلى الديموقراطيَّة والحريَّات. فهم ما زالوا في حالة توحي بأنَّ هناك صراعًا دائمًا بين "النحن (العالم الإسلامي)" و"الآخر (العالم الغربي)". فالسيد فيصل بن عبد الرحمن بن معمَّر، المدير العام للمركز العالمي للملك عبد الله بن عبد العزيز لحوار الأديان والحضارات، رفض محاولة الغرب فرض مفاهيمه على الآخرين. ولم يوضح لنا إذا كان يمكن اعتبار "الحريَّة" (ومنها حريَّة الضمير)، و"المساواة"، و"الديموقراطيَّة" مجرَّد مفاهيم غربيَّة لا يجب أن نعتمدها في "العالم الإسلامي". بناء عليه، إذا رفضنا كلُّ هذه المبادئ والقيم والمفاهيم، التي باتت في يومنا هذا مفاهيم لها طابع عالمي وإنساني، فما هو البديل عنده؟

السعودي الآخر هو مدير قسم الثقافة في منظمة التعاون الإسلامي السيد أبو بكر أحمد باقادر الذي يبدو أنَّه لا يزال يعيش في حالة مواجهة ثقافيَّة مع الغرب. متغاضيًا عن كل النقص في الحقوق الذي يميّز دول منظمة التعاون في ما خصَّ المرأة والطفل والأقليَّات المسلمة وغير المسلمة، فإنَّ السيد باقادر لم يبدُ مهتمًّا إلا بمكافحة ما سمّاه "الإسلاموفوبيا" في مجتمعات الغرب، محدِّدًا إيَّاها على أنَّها "كل فعل يحاول بثّ الحقد والكراهية ضد الإسلام والمسلمين". بدا السيّد باقادر وكأنَّه يعيش في حالة يعتبر فيها الغزوات الإسلاميَّة فتحًا مبينًا والغزوات الغربيَّة استعمارًا مشينًا إذ يقول: "نحن فتحنا وهم استعمروا" دون أنْ يشرح لنا ما الفرق بين الفتح بقوة السيف والاحتلال والاستعمار بقوة السيف والاحتلال أيضًا.

هذا الإنقسام في مؤتمر الحوار كان دليلًا على توجهَين يبدو أنّ المجتمعات العربيَّة سوف تسير على وقع صراعهما طوال القرن الحالي. توجُّه محافظ، يقول بانقسام على صعيد القيم والمبادئ والمفاهيم بين العالم الإسلامي وعالم والغرب. وهو، على الرغم من ادعائه محاربة فكرة صراع الحضارات، فإنَّه بشكل واعٍ أو غير واعٍ يكرِّس بخطابه المحافظ فكرة الصراع هذه نافيًا عالميَّة وكونيَّة وإنسانيَّة مفاهيم عدَّة كحريَّة الضمير والمساواة والديموقراطيَّة والعلمانيَّة. أمَّا التيار الآخر فهو التيار المقتنع بضرورة الخروج من الحالة القروسطيَّة في اتجاه اعتماد مفاهيم عالميَّة تساعد مجتمعاتنا على الدخول طوعًا في الحداثة، وهذا التيار يتغذى من أكاديميَّين من لبنان ومصر وتونس والمغرب حيث الانفتاح على الآخر والحوار معه أخذ أشكالًا متقدمة جدًا. فهؤلاء باتوا يتكلَّمون عن ضرورة علمنة المجتمع والدولة وتكريس حرية الضمير لكل فرد ومواطن وضرورة قراءة وتأويل النصوص المقدَّسة في ضوء العلوم الحديثة بحيث يتم "نقد الدين" في اتجاه تجديد مفهومه لا تدميره، وبحيث يتم تطوير مفهوم الشريعة لتتخطى الجمود الحالّ في حرفها وفي روحها.
 
باحث في التاريخ المعاصر
 
(¶) عُقد المؤتمر في الرباط في
2/3 أيار 2014 بتنظيم مشترك من الكوليج برناردين في باريس، ومؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود في كازابلانكا، والمكتبة الوطنية للمملكة المغربية في الرباط.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة