مع نهاية كل عهد رئاسي يتوقف اللبنانيون لمراجعة تاريخهم. ولا تقتصر المراجعة على تجارب الرؤساء السابقين، إنما تشمل المراحل التي اجتازها كيانهم السياسي، الحافظ هويتهم، واستمرارهم، شعباً واحداً في دولة لا تزال تُسمى جمهورية. أما ما هي هذه الجمهورية – الدولة فذاك موضوع آخر.
والحقيقة غير المجهولة من اللبنانيين وسواهم، هي أن نواب لبنان وزعماءه السياسيين والروحيين، كانوا، وما زالوا بمعظمهم، في حالة إعفاء من مسؤولية انتخاب رئيس جمهوريتهم، ذلك أن دمشق الأسد كانت على مدى أربعة عقود تملك صلاحية تعيين الحاكم على لبنان.
ولا بدّ أن النظام السوري اليوم هو أسعد السعداء بما يحدث في لبنان. فمنذ أن سلّم الرئيس السابق ميشال سليمان مفاتيح قصر بعبدا إلى قائد الحرس الجمهوري ليحرس الكرسي التي تنتظر من سيجلس عليها، انكشفت لعبة «كش رئيس». وكما يبدو فإن حصان هذه اللعبة هو الجنرال ميشال عون، أما اللاعب فليس في لبنان، بل له أكثر من هوية وعنوان.
لكن الجنرال عون يستشيط غضباً إذا ما قرأ، أو سمع، أن هناك من يعمل لأجله في الخارج. فهو الجنرال الذي يأمر، وعلى من يسمع الطاعة. ولعله يقتدي بالجنرال الفرنسي شارل ديغول الذي قاد ثورة المقاومة الشعبية ضد الجيوش الألمانية حين وصلت إلى باريس في الحرب العالمية الثانية. وإذ رفض ديغول الاستسلام اختار اللجوء إلى لندن ليقود منها حرباً إذاعية وإعلامية عبأ من خلالها الشعب الفرنسي لمقاومة الاحتلال النازي.
والواقع أن هذا ما فعله الجنرال عون بين عام 1988 وعام 1991 بعدما تسلّم القصر الجمهوري بالأمانة من الرئيس أمين الجميل. فهو أيضاً اقتدى بالجنرال ديغول في مقاومة الاحتلال السوري، ولم يغادر قصر بعبدا إلا بعد أن وقع في الأسر ليلجأ بعد ذلك إلى باريس.
لكن ما تيسر للجنرال ديغول لم يتيسر للجنرال عون. فالشعب الفرنسي الذي لبى نداء جنراله للمقاومة، هبّ مرة ثانية لحمل الجنرال إلى قصر «الإيليزيه» الرئاسي، في حين أن الجنرال اللبناني ذهب ولم يعد إلى بيروت إلا بعد 13 سنة. ومنذ عودته، أي منذ تسع سنوات، وهو يحاول اقتحام قصر الرئاسة بالانتخاب، ولم يفلح بعد.
ثمة فارق بسيط بين فرنسا ولبنان، هو أن الفرنسيين ينتخبون رئيسهم مباشرة، ولا أحد يختار لهم رئيساً، أو يفرضه عليهم. أما اللبنانيون فإنهم ينتظرون الرئيس الآتي من الغيب ليحتفلوا بفوزه، ويعلقوا على صدره الوشاح الوطني.
لا أحد يعلم مدى براعة الجنرال عون في لعبة «كش رئيس» على رقعة الشطرنج. لكن الجنرال مصرّ على الرّبح بأي ثمن. ويقال في الأوساط السياسية والشعبية أنه لا يستطيع أن يتحمل الخسارة هذه المرة. فأما هو، وإما الجمهورية.
يقول «أندريه مالرو» المثقف الفرنسي الكبير، الذي اختاره الجنرال ديغول وزيراً للثقافة والفنون في حكومته، أن ديغول كان يعامل الوزراء كما لو أنهم هيئة أركان حرب تحت إمرته. بل إنه كان يعامل أعز صديق له، سواء كان رئيساً للوزراء، أو كان رئيساً لهيئة السكريتيريا، كما لو أنه رئيس لهيئة الأركان في قيادة الجيش.
ويضيف أندريه مالرو مستدركاً: لكن أعظم ما كان يهم ديغول ويعنيه هو أن يقوم بعمل صائب، وأن يقول للشعب الفرنسي ماذا ينبغي أن يفعل من أجل فرنسا، ولم يكن ثمة غموض في خطب ديغول، أو في مؤتمراته الصحافية. كان يصغي إلى كل ما يقال في حضوره، من دون مقاطعة، وربما وجه بعض الأسئلة. إلا أنه، في النهاية، كان يتخذ قراره بصدد الموضوع المطروح، ثم يصدر تعليماته بتنفيذ القرار، من دون تردد أو إبطاء.
يصح على لبنان القول إنه اقتبس من فرنسا ما شاء، وما يناسبه، من نصوص دستورية وقانونية، فضلاً عن اللغة والثقافة العامة، لكنه تجاهل وأغفل النصوص الديموقراطية. بل إن دستور العهد الاستقلالي الأول كان أرقى وأكثر مدنية من الدستور الثاني الذي حمل عنوان «دستور الطائف»، على ما فيه من مراعاة لحقوق الطوائف الأقل عدداً من طوائف أخرى.
مع ذلك القدر الضئيل من الديموقراطية، كان من الممكن أن ينتخب مجلس النواب رئيساً للجمهورية قبل ساعة انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان عند منتصف ليل 24-25 أيار (مايو) الماضي، لكن تعطيل اكتمال النصاب أدى إلى الدخول في حالة مصطلح «الشغور» الذي تحول عنواناً للمرحلة اللبنانية بكل معانيها الدستورية.
وإذا كان المستفيد الأول من جرم التعطيل يقود إلى معرفة المسؤول، فإن الدليل يتجه مباشرة نحو الجنرال ميشال عون الذي أصرّ نواب كتلته (التغيير والإصلاح) على مقاطعة الجلسة، فقاطعوا.
يمكن الجنرال أن يقول إنه مارس حقاً دستورياً للنائب. ويمكنه أن يشرك في المسؤولية معه كتلة «حزب الله». لكن كل فقهاء الدساتير والقوانين ينكرون هذا الحق، فالنائب ملزم بأداء واجبه في الانتخاب الرئاسي.
بيد أن الأهم من كل الفتاوى، هو استخلاص معنى انسحاب أحد المتبارزين في الجولة النهائية. فالمعنى ليس سوى أن الخاسر هو الذي ينسحب. وقد سجل الجنرال عون إقراراً بالخسارة، وهو الآن ذاهب باتجاه التخلّص من مجلس النواب الحالي، عاقداً الرهان على انتخابات جديدة، لعلها تأتي بأكثرية نيابية تؤمن له الرئاسة.
من ضمن فنون القتال التي يتقنها الجنرال عون ثمة ما يسمى «الانسحاب التمويهي»، والغاية منه خداع العدو لاستدراجه إلى فخ. لكن هذا الفن قد ينجح مرة واحدة، أما إذا تكرر فإنه لا يعني سوى الهزيمة. والهزيمة لم تكن من شيم الجنرال ديغول.
يجمع المراقبون المحايدون على أن الجنرال عون لا يزال يملك مفتاح مجلس النواب ليجتمع ويشرّع حقاً له بانتخاب رئيس جديد في مهلة أسبوعين. وللجنرال رأي دستوري أعلنه بعد أن دخل لبنان في حالة «الشغور». وينصّ ذلك الرأي حرفياً على «أن شغور موقع الرئاسة يجعل من شرعية أي سلطة مشوبة ومنتقصة».
طبعاً لا ينسى الجنرال أنه شريك في الحكومة الحالية التي تمثل تلك «السلطة المشوبة والمنتقصة». أكثر من ذلك يذهب الجنرال عون إلى تحديد مواصفات «الرئيس الميثاقي» المطلوب، فيلخصها بالنص الآتي: «يجب على الرئيس أولاً أن يكون ممثلاً لطائفته، ومقبولاً منها، وقوياً فيهاـ ولا يجوز أن يكون مقبولاً من الآخرين ومرفوضاً من طائفته».
ويسأل المراقبون المحايدون الجنرال عون: من يختار المرشح الرئاسي الماروني الحائز مواصفات الجنرال؟ وهل هذا يعني أن المطلوب أولاً أن ينتخب الموارنة مرشحهم للرئاسة، فلا يكون له منافس إلا الخاسر مسبقاً وحكماً؟ وهل هذا يعني أن المطلوب أن ينتخب الشيعة مرشحهم لرئاسة مجلس النواب، وينتخب السنة مرشحهم لرئاسة الحكومة؟
أياً تكن الأجوبة عن الأسئلة المطروحة تبقى في لبنان قوى فاعلة ترضى أن تكون أدوات، وحجارة متحركة، بين أيدي اللاعبين على لوحة الشطرنج.
فمن أصول هذه اللعبة الذكية، التي تجمع لاعبين من مختلف الدول والجنسيات، أن يأخذ اللاعب وقته الطويل قبل أن يحرّك حجره، وعينه على حجر الخاتمة.
وكما يبدو، فإن اللعبة على لوحة الشطرنج اللبنانية سوف تأخذ وقتاً طويلاً قبل أن يقول اللاعب الفائز: كش رئيس.
وخلال الوقت الذي ضاع، ويضيع، يتذكر الحكماء اللبنانيون قولاً قديماً: عند تطاحن الدول احفظ رأسك. ويدرك العقلاء أن رأس لبنان هو الآن «في الدق». وما الرأس إلا رئيس الجمهورية، أي رئيس النظام السياسي المركّب، والمستمر، منذ نحو ثمانية عقود، برئاسة لبناني ماروني، وليس بـ رئاسة مارونية»
ولعلها سابقة في تاريخ لبنان الحديث أن ترسو المسؤولية عن مستقبل رئاسة الجمهورية في لبنان على الأقطاب السياسيين والروحيين من الموارنة. فثمّة شبه إجماع لبناني وعربي ودولي على أن أقطاباً موارنة، في مقدمهم الجنرال ميشال عون، هم الذين عطلوا انتخاب رئيس الجمهورية الجديد في المهلة الدستورية، فدخلت الدولة والمؤسسات في فراغ تملأه الآن المراهنات والمكائد والمطامح المتربصة بمصير لبنان، جمهورية، وشعباً.
مع ذلك لا تزال هناك فرصة قصيرة متاحة قبل أن يستعصي الأمر على من يريد فعلاً بقاء لبنان جمهورية مدنية موصوفة بأنها ديموقراطية.
وليس المطلوب سوى أن يذهب جميع نواب الموارنة إلى جلسة جديدة لانتخاب رئيس، وليتحمل المسؤولية بعد ذلك من يقاطع.
... وإلا فإن النتيجة ستكون تعطيل نظام هذه الجمهورية «المعطلة» وفرط مؤسسات الدولة المهلهلة... فتبقى الكرسي للموارنة، ويذهب القرار الرئاسي إلى أي موقع آخر يملك قوة السيطرة على الأرض.
* كاتب وصحافي لبناني
|