الأثنين ٣٠ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: حزيران ٢٢, ٢٠١٤
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مابعد دستور تونس - مهى يحيى
كانت عملية صوغ الدستور، التي تعرِّف وتُحدِّد العقد الاجتماعي الجديد بين الدولة وبين المواطنين، عملية طويلة ومديدة في تونس. فهي بدأت العام 2011 بعد انتخاب الجمعية الوطنية التأسيسية في 23 تشرين الأول. وبحلول حزيران أصدرت الجمعية المسودة الدستورية الثالثة وعرضتها على مشاورات عامة.

بيد أن الأزمة التي أفرزتها سلسلة من أعمال العنف السياسي والتظلمات الاجتماعية - الاقتصادية، سرعان ما هددت المسيرة السلمية نسبياً لعملية الانتقال التونسية. فالبلاد أُخذت على حين غرة حين تم اغتيال قائدين سياسيين من حزبين يساريين علمانيين - شكري بلعيد في شباط 2013 ومحمد ابرهيمي في آب 2013.

تحقق الخروج من الطريق المسدود بفضل الوساطة التي قامت بها أربع منظمات مجتمع مدني رئيسة - عُرِفت بشكل جماعي باسم "الرباعية" - وهي: الاتحاد العام التونسي للشغل، ورابطة حقوق الإنسان، ونقابة المحامين، واتحاد أرباب الأعمال. وقد أُعلن عن خريطة طريق تضمنت الدعوة إلى إقرار المسودة الأخيرة من الدستور في نهاية كانون الثاني. استقالت حكومة النهضة كجزء من بنود خريطة الطريق وحلّت مكانها حكومة تكنوقراط، ما أفسح في المجال أمام انتخابات برلمانية ستجرى في وقت لاحق من العام 2014. ويعتبر العديد من المراقبين في تونس، ان هذه تسوية هشّة اضطرت الاحزاب السياسية الرئيسة، خاصة "النهضة"، إلى إبرامها بضغط من لاعبين إقليميين ومن سياقات الأحداث. وعلى وجه الخصوص، كان لـ"أثر مصر" الذي نجم عن إطاحة الرئيس المصري محمد مرسي في تموز2013 وما تبعه من حملة قمع صارمة ضد جماعة الإخوان، تأثير على موقف حزب "النهضة" من قضايا رئيسة ومنها كيفية الاستجابة للمطالبة باستقالة الحكومة. هذا علاوة على أن الحرب الأهلية في الجزائر، غير البعيدة جغرافيّاً عن تونس، في حقبة التسعينات، تركت بصماتها هي الأخرى على راشد الغنوشي، زعيم حزب "النهضة"، وعلى الموقف السياسي البراغماتي عموماً لحزبه. ففي قراءته الخاصة لهذه الحرب، رأى الغنوشي أن الغالبية التي حصدها الإسلاميون في الجزائر في كانون الأول 1991، تبخّرت بسرعة وبعنف بسبب الخطوات المتسارعة التي اتخذها هؤلاء لفرض عقائدهم على المجتمع، في وقت كان فيه الإعلام، والاقتصاد، والجيش تحت سيطرة المعارضة اليسارية والليبرالية، ولذا، لم يُرد تكرار الأخطاء نفسها.

شعب يصنع تاريخه

من الواضح أن ثمة الكثير مما يجب عمله لمعالجة التظلّمات التي دفعت التونسيين إلى الانتفاض. بيد أن ذلك يجب ألا يحجب واقع أن الدستور الجديد فتح آفاقاً مهمة لتحقيق مطالب الانتفاضة التونسية في "الحرية، والكرامة، والعدالة". ووفق تعبير عياض بن عاشور، رئيس اللجنة العليا للإصلاح السياسي، فإن الدستور التونسي يبجّل "حماية حقوق وحريات المواطنين... وفي مقدمها حرية الضمير".

تحدد مقدمة الدستور التونسي عدداً من المبادئ التي تعتبر أساسية للديموقراطية. فهي تحتضن فكرة الدولة المدنية، والشعب كأساس للشرعية، ومفهوم التعددية. وتعتبر حياد الدولة والحوكمة الرشيدة أساسا للتنافس السياسي. ومن خلال الدستور، تضمن الدولة بأن الحريات الأساسية، وحقوق الإنسان، واستقلالية القضاء والمساواة بين المواطنين، نساء ورجالا، في الحقوق والواجبات، سيتم احترامها.

فضلاً عن ذلك، أسفرت المفاوضات السياسية، والمساومات، والتسويات الكامنة في عملية الصياغة، عن دستور هو الاول من نوعه (في العالمين العربي والإسلامي) بما يتضمن من مواد تتمتع بميزة قد تعتبر مَعْلماً فارقاً. وهذا أكثر وضوحاً في الفصل الأول الذي يحدد المبادىء الأساسية للدستور التونسي. فالمادة الثانية، على سبيل المثال، تعرّف تونس بأنها "دولة مدنية تستند إلى مبدأ المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون"، وهي (المادة) غير قابلة للتعديل في أي مراجعة مستقبلية للدستور. وبالمثل، المادة السادسة بالغة الأهمية لأنها تمنع اتهامات الردة، وهي أول مادة من نوعها في أي دستور في العالمين العربي والإسلامي.

الفصول التالية تتضمن عدداً من المواد المبتكرة والرائدة. فعلى سبيل المثال، المادة 46 تعترف بالحقوق المكتسبة للمرأة، وبالتالي فهي تغلق الباب أمام أي تراجع عن قانون الأحوال الشخصية، وتجعل المساواة أساس مشاركة النساء في المعتركين السياسي والاقتصادي. وهذه أول مادة من نوعها في بلد عربي. كما أن هذه المادة تلزم الدولة بوضع حد لكل أشكال العنف ضد المرأة. كما حقق الدستور إنجازاً نوعياً في المنطقة العربية عبر المادة 73 والتي تنص على حق كل ناخب تونسي، سواء كان ذكراً أو أنثى، في خوض الانتخابات لمنصب الرئيس.

علاوة على ذلك، يعترف الدستور بأن المعارضة السياسية عنصر رئيس في أي نظام سياسي (المادة 60)، وأن الهيئة القضائية المستقلة ضرورة لتعزيز الحكم الديموقراطي. والحال أن مختلف الأحزاب السياسية ناضلت طويلاً وبقوة للحصول على هذا الاعتراف. كما أن الوثيقة تُلزم الدولة بتأسيس عدد من الهيئات المستقلة، بما في ذلك اللجنة الدستورية لحقوق الإنسان، واللجنة الدستورية للتنمية المستدامة وحقوق الأجيال المستقبلية، واللجنة الدستورية للاتصالات المرئية والمسموعة التي ستُشرف على الإعلام.

محاور الصراعات المقبلة

في حين يبدو أنّ الطبيعة المدنية للدولة ودور الدين في الحياة العامة قد حُسما، أفرزت المفاوضات بين الأحزاب السياسية إشكالات وتناقضات بين بعض مواد الدستور. ويوضّح بن عاشور، إنّ هذه التناقضات "هي مرآة لتناقضات المجتمع التونسي". كما أنها ترسم ملامح ثلاث معارك سياسية رئيسة مقبلة.

لعلّ أكثر هذه المعارك إلحاحاً، هو النقاش المتواصل حول شكل قوانين الانتخاب الجديدة. سوف يشهد هذا العام انتخابات أساسية أربعة هي: الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية وانتخابات مجالس الولايات (المحافظات) والانتخابات البلديّة. وما يجعل هذه الانتخابات على قدرٍ أكبر من الأهمية، صيغة تقاسم السلطة بين مناصب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان، إضافةً إلى دور البرلمان الجديد في الحفاظ على مبادئ الدستور الأساسية وفي ترجمة المواد والهيئات الدستورية بأطر تشريعية واضحة.

برزت أهمية عملية إنشاء هذه الأطر التشريعية لتطبيق مبادئ الدستور في حوار مسرّب بين راشد الغنوشي وبين أئمّة سلفيّين دار حول غياب ذكر الشريعة كمصدر أساسي للشرعية، عن المادة الأولى من الدستور. وقد برّر الغنوشي موافقة "النهضة" على حذف ذكر الشريعة باعتبارها خطوة تكتيكية، في ضوء التوازن الحالي للسلطة بين مختلف المكونات السياسية التونسية، وأيضاً في ضوء سيطرة المعارضة على قطاعات أساسية، مثل الإعلام والاقتصاد. تنصّ المادة الأولى على هوية تونس الإسلامية التي حاجج الغنوشي أنها كافية في الوقت الراهن، لأنه لا يريد أن ينقسم التونسيون إلى معسكر مؤيّد للشريعة ومعسكر معارض لها. كما أكّد أنّ التغيير التدريجي لقوانين الأحوال الشخصية في تونس، من ضمن قضايا أخرى مدرجة في الدستور، قد يصبح ممكناً في المستقبل، لأنّ "الذي يضع القانون ليس الدستور؛ فالقانون يفسّره القوي".

تكمن المسألة الأساسية الثانية في النضال من أجل الحرية. ذلك أنّ بنوداً أخرى قابلة للتأويل أيضاً. تكفل المادة 6 حرية الضمير وتحمي المقدّسات الدينية في آن واحد، وهو مبدأ استُخدم أحياناً كثيرة لفرض رقابة على المفكّرين والإنتاجات الفنيّة ومنتقدي المعتقدات والممارسات الدينية حول العالم. بعبارة أخرى، البند نفسه الذي يكفل حرية الضمير، يفرض أيضاً رقابة على حرية التعبير في المسائل الدينية. ويشعر البعض بالقلق من أن يسعى أعضاء البرلمان الذي سينتخب قريباً إلى تمرير قوانين تتعلق بدور الدين في الحياة العامة لأنهم لم يتمكّنوا من إدراج تلك البنود في الدستور.

تندرج المادة 39 في الروحية نفسها، وتدعو الدولة إلى ترسيخ الشعور بالانتماء العربي - الإسلامي في نفوس الشباب، وتجعل المعركة من أجل السيطرة على النظام التعليمي في تونس أكثر شراسة مما كانت عليه في الماضي. ويقف مناصرو التوجّه المدني للدولة ضد التيارات الأكثر محافظة في اجتهاداتها الدينية.

(أقسام من دراسة أطول)

باحثة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
احتجاجات ليلية قرب العاصمة التونسية ضد انتهاكات الشرطة
البرلمان التونسي يسائل 6 وزراء من حكومة المشيشي
البرلمان التونسي يسائل الحكومة وينتقد «ضعف أدائها»
الولايات المتحدة تؤكد «دعمها القوي» لتونس وحزب معارض يدعو الحكومة إلى الاستقالة
«النهضة» تؤيد مبادرة «اتحاد الشغل» لحل الأزمة في تونس
مقالات ذات صلة
أحزاب تونسية تهدد بالنزول إلى الشارع لحل الخلافات السياسية
لماذا تونس... رغم كلّ شيء؟ - حازم صاغية
محكمة المحاسبات التونسية والتمويل الأجنبي للأحزاب...
"الديموقراطية الناشئة" تحتاج نفساً جديداً... هل خرجت "ثورة" تونس عن أهدافها؟
حركة آكال... الحزب الأمازيغيّ الأوّل في تونس
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة