الثلثاء ٣١ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: حزيران ٢٧, ٢٠١٤
المصدر: جريدة الحياة
عن تبادل الجهاديين وانسحابهم من سورية ولبنان: «تلازم المسارين» - عبدالله أمين الحلاق
كادت الرواية هذه المرة أن تكون متمايزة عن رواية النظام السوري في ما خص الإرهاب، لتنحصر في إطار الداخل اللبناني، لولا أن الرواية الأولى لم تصمد أمام الرواية الثانية. فقد قالت مصادر إعلامية من مكان التفجير في ضهر البيدر وبعد التفجير بحوالى ساعة، إن الهوية التي اكتشفت في مكان التفجير، والتي تدل على هوية الانتحاري، هي لشابٍ من عرسال، قبل أن يتم التصريح لاحقاً ونقلاً عن مصادر أمنية، بأن الانتحاري ليس من عرسال وأن البطاقة الموجودة في مكان الانفجار لشخص من أبناء بلدة عرسال واسمه طارق لطفي الجباوي (مواليد 1984، عرسال)، تبين لاحقاً أنه حي يرزق. وبعدما جرى الاتصال به حضرَ إلى فصيلة درك عرسال وأدلى بإفادته، فيما قال وزير الداخلية نهاد المشنوق: «إن لهجة الانتحاري المشتبه فيه بتفجير ضهر البيدر ظهرت بأنها سورية، ولدينا صورته والتحقيقات لمعرفة هويته مستمرة».

في كل الأحوال، ليس ثمة فارق كبير بين عرسال وسورية من وجهة نظر الكثير من السوريين واللبنانيين، ومن وجهة النظام السوري وحلفائه تحديداً في البلدين، ناهيك عن التداخل الجغرافي الكبير بين عرسال وجبال القلمون السورية والذي جعلها ممراً للنازحين السوريين الهاربين من بطش النظام و «حزب الله» في سورية.

وأن يكون منفّذ التفجير من سورية أو من عرسال، أمرٌ قد يؤدي وبشكل غير مقصود، إلى التقاء بين فرضية «حزب الله» بخصوص «يهودية السوريين» وبين ما تم تسريبه من أن المخابرات الإسرائيلية هي التي قامت بالتفجير. لكنّ «حزب الله» اعتاد أن يكون فوق الدولة اللبنانية وسبّاقاً لها في كل شيء، فهو أعلن في مناسبات مختلفة سابقاً وقبل أشهر، عن مضمون معركته مع السوريين، الأمر الذي لم تكن أغنية «احسم نصرك في يبرود» إلا أحد أكثر مظاهر بروباغندا قتاله لـ «السوريين اليهود» كاريكاتوريةً وتهافتاً.

وهذا ليس للقول الساذج بترفُّع سوريين عن ارتكاب أعمال إرهابية في سورية أو لبنان أو أي مكان في العالم، حالهم في ذلك حال لبنانيين وفلسطينيين وإسرائيلييين وإيرانيين وعناصر من «حزب الله» أو «داعش»، كما أنه ليس للقول بأن اللواء عباس ابراهيم لم يكن مستهدفاً بالفعل بالتفجير الإرهابي، وهذا أمر قد يوضحه مسار التحقيقات التي تقوم بها الدولة اللبنانية في الحادث. لكن العناية الإلهية المناط بها رعاية عناصر الدولة الإسلامية في «جهادهم» كرّست هذه المرة ما سوقه إعلام «حزب الله» وسائر الممانعة، من أن لبنان مستهدف من جهاديين آتين من سورية، وسط استمرار تعويم هذا الإعلام لشبح «داعش» فيما كانت تجرى تحته أبشع الممارسات والانتهاكات بحق الفلسطينيين والسوريين في لبنان.

ولعل «حزب الله» الذي ثابر على تخويف جمهوره من «داعش»، أكثر من يعرف أنه يقاتل الشعب السوري داخل سورية من دون أي إزعاج من «داعش»، ومن دون أي تشويش منها على أداء مشروعه الجهادي المهدوي في بلدنا. وهو يعرف أن ربيبه وحليفه بشار الأسد لم يُخرج قادة «داعش» أو جبهة النصرة من سجن صيدنايا كي يضربوا «حزب الله» في لبنان. هؤلاء قد يضربون لبنان لكنهم بالتأكيد لن يضربوا «حزب الله» نتيجة وجودهم وإياه في مواجهة «تنويرية» واحدة مع المشروع «الظلامي» للشعب السوري متمثلاً في الحرية والخلاص من الحكم الوراثي للعائلة «العلمانية» وملحقاتها من «رواد التنوير» في المنطقة.

ويدرك هذا الحزب أكثر من غيره معنى أن يمارس السوريون إرهاباً في لبنان، وهو ما تشهد له ممارسات حليفه «الجيش العربي السوري» أثناء دخوله إلى «الخاصرة الرخوة» بغطاء دولي وضوء أخضر من هنري كيسنجر، ليضرب الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية أولاً، قبل أن ينقض على المسيحيين ومنهم حليفه اللبناني الأول وحليف النظام السوري الثاني في لبنان: الجنرال ميشيل عون. أما الدمج أو الفصل بين ممارسات الجيش السوري في لبنان وبين الشعب السوري فهو يحضر بدوره وبقوة في خطاب «حزب الله»، ليمسي كل السوريين «دواعش أو يهوداً»، إلا من أيّد منهم الجيش السوري والنظام. وهو ما يشابهه كثيراً خطابٌ لبنانيٌ عنصري يدمج بين السوريين كشعب والنظام وما فعله باللبنانيين و «السوريين والفلسطينيين طبعاً».

وليس بلا دلالة أن السلطات اللبنانية شددت على «وضع آلية لتحديد وتنظيم أماكن تواجد السوريين بالتنسيق مع البلديات والمجتمع المدني، ومواصلة قمع كل المحال التجارية المخالفة والمستثمرة من جانب النازحين السوريين والعمل على إقفالها».

ومن الواضح أن هذه التعليمات التي تلت مباشرةً تفجير ضهر البيدر الإرهابي، تختزن ما يمكن أن يكون تضييقاً أكثر من ذي قبل على سوريين يعملون أو يملكون معامل أو مؤسسات تجارية، ولا ناقة لهم في الأحداث المأسوية الجارية ولا جمل.

وقصارى القول إنه ما من شعب إرهابي بطبعه، وما من جماعة طهرانية بطبعها إلا في مخيلة من آثر تصديق رواية «أشرف الناس»، وها هي «داعش» تكاد تبتلع بلاد الرافدين بعد أن ابتلعت أراضي سورية حررها الثوار السوريون بدمائهم وعرقهم، ليمسي شبح القاعدة مخيماً على المشرق العربي بأسره (باستثناء إيران ومعاقل النظام السوري ومواقعه).

وبناء على ما سبق، نعيد ما قلناه سابقاً وما قاله كثيرون معنا وقبلنا، من أن التفكير الصحيح ومحاولة إيجاد الحلول لدرء هذا الكابوس الأسود عن لبنان يبدأ بقرار حاسم يقضي بانسحاب الكابوس الأصفر من سورية، ودخول «حزب الله» في عملية سياسية لبنانية لا يبدو انه سيقبل بها وفقاً لبنيته ومشروعه، عملية تجعله تحت سقف الوطن والدولة لا فوقهما، والأهم من ذلك وكشرط لازم وغير كافٍ، أن تطوى صفحة النظام المجرم في سورية وحكم الأبد... إلى الأبد.

* كاتب سوري



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة