الثلثاء ٣١ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: حزيران ٢٩, ٢٠١٤
المصدر: جريدة الحياة
أزمة الديموقراطية العالمية - السيد يسين
هناك إجماع بين علماء السياسة المعاصرين على أن الديموقراطية العالمية تمر بأزمة خانقة. ونحن نستخدم مفهوم الديموقراطية العالمية على أساس أن حصاد القرن العشرين في مختلف أنحاء العالم أثبت أن الديموقراطية هي النظام السياسي الأفضل لتحقيق إرادة الشعوب، سواء في مجال الحرية السياسية أو في ميدان العدالة الاجتماعية. ذلك أن خبرة الممارسة العملية أثبتت بغير شك أن الشمولية كنظام سياسي سقطت تاريخياً، وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان رمزاً لها. كما أن السلطوية بأنماطها المتعددة في الشرق والغرب والشمال والجنوب قد هوت على رغم أن بعض قلاعها ما زالت تقاوم رياح التغيير.

وعلى ذلك لم يبق سوى الديموقراطية باعتبارها النموذج المثالي لأي نظام سياسي معاصر يأخذ في حسبانه التغيرات السياسية والحضارية الكبرى التي شملت العالم، وخصوصاً في بداية القرن الحادي والعشرين.

غير أن الديموقراطية - ربما منذ نشأتها الأولى – واجهت أزمات متعددة، غير أن هناك بحوثاً معتبرة تركز على أن الأزمة الكبرى للديموقراطية المعاصرة بدأت مع مقدم حقبة السبعينات. غير أنه لا بد لنا من أن نميز بين أزمة الديموقراطية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية وأزمة الديموقراطية في عديد من بلاد العالم الثالث وفي مقدمها البلاد العربية. وذلك للاختلاف الجوهري في التاريخ السياسي والاجتماعي بين الدول الغربية وباقي الدول.

ونريد اليوم أن نتعمق في أسباب أزمة الديموقراطية الغربية من خلال بحث منهجي يركز على ثلاثة محاور. المحور الأول هو العرض النقدي للنظريات السياسية الأساسية التي عالجت الموضوع، والمحور الثاني ضرورة تحرير المفاهيم الخاصة بالديموقراطية والأزمة، والمحور الثالث هو التساؤل عن أنسب الاستراتيجيات البحثية التي ينبغي تطبيقها للإجابة عن سؤالنا الرئيس وهو هل هناك حقاً أزمة في الديموقراطية المعاصرة؟

وسنعتمد في عرضنا على أشمل دراسة في العلم الاجتماعي المعاصر التي عالجت الموضوع بعمق نظري واقتدار منهجي، وهي التي حررها البروفيسور وولفغانغ ميركل Wolfgang Merkel في جامعة همبولدت في برلين.

ويمكن القول إن نظريات أزمة الديموقراطية ظهرت في السبعينات من القرن الماضي، وكان قطبها البارز هو الفيلسوف الألماني الشهير هابرماس الذي نشر في العام 1973 كتاباً نقدياً بالغ الأهمية عنوانه «أزمة الشرعية في الرأسمالية المعاصرة». وتضاف إليه مؤلفات عالم سياسة آخر هو كلاوز أوف والتي نشرت في أعوام 1971، 1979، 1984. وبعد كتاب هابرماس بثلاث سنوات، نشرت «اللجنة الثلاثية» تقريراً شهيراً كتبه كل من ميشيل كروزيه الفرنسي وصمويل هنتنغتون الأميركي وواتاناكي الياباني بعنوان «أزمة الديموقراطية» كان له صدى عالمي كبير. وبعد ذلك بثلاثين عاماً ظهر مفهوم ما بعد الديموقراطية والذي ابتدعه ثلاثة من علماء السياسة هم: كولن كروس (2004) وجاك رانسييه 2002، 2007، وكولن هاي 2007.

ومن دون الدخول في مناقشات نظرية ومنهجية لا يسعها هذا المقال يمكن القول إن حصيلة هذه النظريات جميعاً تتمثل في تحديد الأسباب العميقة لأزمة الديموقراطية الغربية المعاصرة. ومنذ البداية يقرر البروفيسور ميركل الذي قام بالمسح النظري لهذه النظريات الثلاث أنها جميعاً لم تقدم أفكاراً محددة. ومع ذلك يمكن القول إن خلاصة نظرية هابرماس هي أن الأزمات الاقتصادية تهدد استقرار الديموقراطية ونوعيتها. ولعل «أزمة اليورو» التي ظهرت في العام 2008 تشير إلى أهمية هذه الفكرة.

ومن ناحية أخرى، فإن نظرية كولن كروس والتي يمكن إجمالها في السؤال من يحكم؟ تقرر أن العولمة من جانب والتكامل الأوروبي الذي تم بالتطبيق لنظرية الليبرالية الجديدة تشير إلى تحديات متعددة للنظام الديموقراطي، والسؤال المطروح هنا هو هل المؤسسات الديموقراطية الشرعية هي التي تحكم فعلاً أم هي الشركات الكونية الكبرى والأسواق المالية العالمية والبنوك المركزية أم جماعات الضغط هي التي تحكم فعلاً من وراء ستار؟

ومن ناحية أخرى أشار عدد من كبار الاقتصاديين العالميين ومنهم من حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد مثل ستيغلتز (2012) وكروغمان (2012) إلى تصاعد ظاهرة عدم المساواة في العالم الغربي. ويلفت النظر أن هذين العالمين على وجه الخصوص هما اللذان وافقا بشدة على نظرية الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي والتي نشرها في كتابه الذي أثار ضجة عالمية وعنوانه «رأس المال في القرن العشرين».

في هذا الكتاب الهام خلص مؤلفه – بناء على دراسة تطور رأس المال في القرون الثلاثة الأخيرة وفي 23 بلداً - إلى أن ظاهرة «عدم المساواة» تصاعدت إلى معدلات غير مسبوقة، بحيث ان عشر السكان الذين يمثلون أصحاب رؤوس الأموال يحصلون على عوائد تفوق كل ما يحصل عليه العاملون بمختلف فئاتهم في صورة أجور.

غير أن النتيجة الخطيرة التي توصل إليها بيكيتي هي أن أصحاب رؤوس الأموال بهذه الصورة سيمتلكون الثروة والسلطة أيضاً، على أساس أن النظام الديموقراطي سيتحول إلى نظام «أوليغارشي»، أي حكم القلة، ومعنى ذلك نهاية الديموقراطية كنظام سياسي!

وهذا الوضع يثير تساؤلات جوهرية لعل أهمها: من الذي لا زال يشارك في العملية السياسية، وما هي المصالح التي تتم حمايتها والدفاع عنها، وهل هي مصالح الجماهير العريضة من الذين يتقاضون أجوراً أم مصالح كبار الرأسماليين الذين ينهبون الثروة القومية في صورة عوائد رأس المال؟

وهل نحن نتجه – في العالم الغربي - إلى اتجاه يتمثل في تهميش ثلثي السكان في المجتمع لحساب الثلث الذي يملك الثورة والسلطة معاً؟

ولو رجعنا إلى الموجة الأولى للبحوث التي أجريت عن أزمة الديموقراطية والتي أشرنا إليها في صدر المقال، وفي مقدمها التقرير الشهير للجنة الثلاثية «أزمة الديموقراطية»، لاكتشفنا أنه يحلل أسباب الأزمة في كون أن الحكومات الغربية أصبحت مثقلة بمطالب المشاركين في العملية السياسية والتي لم تستطع الأنظمة السياسية البيروقراطية أن تلبيها، وبالتالي أصبحت المؤسسات الديموقراطية عاجزة عن القبض على مقاليد الحكم. وفي ما يتعلق بالولايات المتحدة الأميركية، فإن التقرير يقرر «أن نبض الديموقراطية من شأنه أن يجعل الحكومة أقل قوة وأكثر نشاطاً مما يدفعها إلى زيادة الوظائف التي تقوم بها، وهذا في حد ذاته يؤدي إلى التقليل من سلطاتها». ويخلص التقرير إلى أن «فائض الديموقراطية» إن لم يتم احتواؤه، فإن ذلك سيؤدي إلى أن تكون الحكومة الأميركية أقل قدرة على الحفاظ على التجارة الدولية وضمان التوازن في الموازنة وينقص من قدرتها على أن تكون قوة مهيمنة في العالم!

ولعل هذا التوصيف الزائف لأزمة الديموقراطية والذي صاغته مجموعة من المفكرين المحافظين هو الذي جعل المفكر الأميركي الشهير نعوم تشومسكي يعلق عليه قائلاً «إن هذا التقرير نموذج للسياسات الرجعية التي صاغها الجناح اليميني في النخبة السياسية الحاكمة المتحكمة في الدولة الرأسمالية».

وهكذا يمكن القول إن النظريات السائدة في علم السياسة المعاصر عن «أزمة الديموقراطية» يمكن أن تنحرف دفاعاً عن السياسات الرجعية للدولة الرأسمالية المعاصرة، باصطناع أسباب وهمية مثل فائض الديموقراطية! وهذه الأسباب الوهمية هي التي نسفها نسفاً توماس بيكيتي حين صاغ قانونه الأساس وهو «أن ظاهرة عدم المساواة المتصاعدة في الدول الغربية ستقضي على الديموقراطية كنظام سياسي إلى الأبد، وستفتح الباب أمام تحالف الثروة والسلطة ليصبح النظام معبراً عن حكم القلة من أصحاب رؤوس الأموال الكبرى»!

* كاتب مصري


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
من "ثورة الياسمين" إلى "الخلافة الإسلامية"... محطّات بارزة من الربيع العربي
لودريان: حرب فرنسا ليست مع الإسلام بل ضد الإرهاب والآيديولوجيات المتطرفة
نظرة سوداوية من صندوق النقد لاقتصادات الشرق الأوسط: الخليج الأكثر ضغوطاً... ولبنان ‏الأعلى خطراً
دراسة للإسكوا: 31 مليارديرًا عربيًا يملكون ما يعادل ثروة النصف الأفقر من سكان المنطقة
الوباء يهدد بحرمان 15 مليون طفل شرق أوسطي من الحصول على لقاحات
مقالات ذات صلة
المشرق العربي المتروك من أوباما إلى بايدن - سام منسى
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
إردوغان بوصفه هديّة ثمينة للقضيّة الأرمنيّة
إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها - حازم صاغية
عن تسامح الأوروبيين ودساتيرهم العلمانية الضامنة للحريات - عمرو حمزاوي
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة