|
هل سقطت معادلة 'س – س' الى غير رجعة، فيما تسعى الوساطة القطرية – التركية الى محاولة نفخ الروح فيها عبثاً من جديد؟ الواقع ان الأزمة الداخلية بدت امس كأنها تجاوزت الجواب الفوري عن هذا السؤال الذي حيّر الاوساط السياسية، الى حقيقة ثابتة فجّرها اعلان مدوّ لوزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل بأن المملكة العربية السعودية 'رفعت يدها' عن الوساطة السعودية – السورية، ذاهباً الى التحذير من 'الانفصال وتقسيم لبنان'.
وتسبب هذا الموقف بصدمة كبيرة أرخت بظلالها الثقيلة على مجمل المشهد الداخلي واثارت تساؤلات جدية عن مآل الوساطة القطرية – التركية، وقت كان رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني ووزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو يمضيان يومهما الثاني في بيروت في اطار هذه الوساطة، من غير ان تتضح آفاقها وفرص نجاحها.
ولعل ما استرعى الانتباه في كلام سعود الفيصل انه افضى الى تفسيرات يصعب دحضها من حيث انتقال الخلاف بين فريقي الصراع في لبنان الى طرفي الوساطة الام، اي السعودية وسوريا مباشرة، اذ رأت الاوساط الداخلية المعنية ان مستوى الرسالة التي عبّر عنها المسؤول السعودي لم يكن موجهاً الى فريق داخلي بقدر ما كان مرتبطاً بالتعقيدات التي ادت الى تخلي العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز عن توليه شخصياً هذه الوساطة.
وكان سعود الفيصل قد اشار بوضوح الى هذا البعد اذ صرّح للقناة الاولى في التلفزيون السعودي: 'في البداية لا اقول شخصياً اني اقود هذا الموضوع، فهذا الموضوع يقوده شخصياً الملك عبدالله بن عبد العزيز وهو اتصل مباشرة، الرأس بالرأس، بالرئيس السوري (بشار الاسد) فكان الموضوع بين الرئيسين (اللبناني ميشال سليمان والاسد) لالتزام انهاء المشكلة اللبنانية برمتها، ولكن عندما لم يحدث ذلك ابدى الملك عبدالله رفع يده عن هذه الاتفاقات'.
ووصف الوضع في لبنان بأنه 'خطير' وقال: 'اذا وصلت الامور الى الانفصال وتقسيم لبنان انتهى لبنان كدولة تحتوي على هذا النمط من التعايش السلمي بين الاديان والقوميات والفئات المختلفة وهذا سيكون خسارة للامة العربية كلها'.
وأبلغت مصادر سياسية مواكبة للموقف السعودي 'النهار' ان كلام وزير الخارجية السعودي بدا بمثابة وضع حد حاسم لموجة طويلة من توظيف المبادرة السعودية – السورية وتصوير مضمونها الحقيقي على غير صورته الواقعية، كما انه عكس في مقلب آخر 'صدقية' اعلان رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري عشية سفره الى نيويورك في زيارته الثانية ان التفاهم السعودي – السوري كان انجز قبل مرض العاهل السعودي، لكن 'الفريق الآخر' لم ينفّذ التزاماته. واضافت ان عامل السرية المطبقة الذي غلّف به ذلك التفاهم يعود الى تولي العاهل السعودي شخصياً التفاوض في شأنه ومتابعته مما حال دون تسريب اي معلومات حقيقية عن مضمونه سعياً الى انجاحه، لكن الامر اصطدم بمماطلة طويلة رأى معها العاهل السعودي وجوب رفع يده عن الوساطة وتولى وزير الخارجية اعلان ذلك امس لوضع حد للتداخل بين المرحلة السابقة والمرحلة الجديدة التي تطوّرت فيها الازمة عقب اسقاط حكومة الوحدة الوطنية في لبنان.
وكان لكلام سعود الفيصل تفاعلات قوية في بيروت، اذ اجرى رئيس الوزراء القطري اتصالاً هاتفياً بالوزير السعودي واطلعه على آخر ما توصلت اليه المحادثات القطرية – التركية في لبنان. كما اتصل الرئيس الحريري بسعود الفيصل الذي اكد له 'وقوف المملكة العربية السعودية مع اي جهد يبذل لتوفير عوامل الاستقرار في لبنان'.
وقالت اوساط قريبة من 'تيار المستقبل' ان موقف وزير الخارجية السعودي لا يعني تخلي السعودية عن التزاماتها حيال الشعب اللبناني ودعمه بما فيه صموده ووحدته الوطنية، لافتة الى ان السعودية تبارك المسعى القطري الذي هو مسعى جدي.
واوضحت مصادر ديبلوماسية مواكبة لتحرك الموفدين القطري والتركي الى لبنان لـ'النهار' ان اليوم الثاني من مهمتهما اتسم باتصالات كثيفة ظلّت بعيدة من الاضواء، حتى ساعات الليل. وقالت ان الصدمة التي اثارها تصريح وزير الخارجية السعودي لم تحل دون مضي الموفدين في مهمتهما استناداً الى المبادرة السعودية – السورية. واضافت ان الموفدين طالبا بتخلي 'حزب الله' وحلفائه عن معارضة اعادة تكليف الحريري تأليف الحكومة الجديدة تحت وطأة اشتراط اتخاذه موقفاً مسبقاً من المحكمة الخاصة بلبنان وإلغاء الاتفاق بين لبنان والمحكمة نظراً الى ان لبنان عضو غير دائم في مجلس الامن ولديه التزامات تجاه المجتمع الدولي على ان تتخذ الخطوات الملائمة بعد صدور القرار الظني. وركّزا على الحفاظ على السلم الاهلي والاستقرار السياسي بتسهيل تأليف الحكومة.
وقد امتنع المعنيون عن تأكيد هذه المعلومات او نفيها، فيما اكتفى وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو بالقول لـ'النهار': 'اننا نجري الاتصالات من اجل التوصل الى مخرج' ولم يشأ الافصاح عما دار في لقائه ورئيس الوزراء القطري مع الامين العام لـ'حزب الله' السيد حسن نصرالله مساء أول من أمس. وفهم ان الوزير التركي غادر بيروت ليلا لارتباطه باستقبال نظيره الروسي سيرغي لافروف في اسطنبول اليوم، فيما علم أن الشيخ حمد بن جاسم سيغادر بيروت اليوم وسيقوم بزيارة لباريس للتشاور مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في الوضع الناشىء في لبنان وامكانات تنسيق الوساطة القطرية – التركية ومبادرة فرنسا المتعلقة بتشكيل 'مجموعة اتصال' دولية – اقليمية لمعالجة الازمة اللبنانية.
وفيما قالت معلومات ان الموفدين القطري والتركي انتظرا أمس جوابا من 'حزب الله' عن أفكار طرحاها على السيد نصرالله، بثت قناة 'المنار' الناطقة باسم 'حزب الله' ان الوفد القطري – التركي قدم أفكارا الى السيد نصرالله لجهة معالجة ملفي المحكمة والحكومة الجديدة تقوم على اعادة صياغة البنود وجدولتها. ثم استمع من السيد نصرالله الى شرح لما آلت اليه التطورات ومسار المسعى السعودي – السوري وكيف أجهض بفعل التدخل الاميركي المباشر والمسؤوليات المترتبة على الرئيس سعد الحريري. ونقلت عن الامين العام للحزب تأكيده أن للمعارضة مقاربتها الجديدة بعد تسليم القرار الظني وما كان مطروحا قبل القرار لم يعد قابلا للتطبيق الآن، ووعد بدرس الافكار التي حملها الوفد وفي ضوء تقدير المعارضة للمصلحة الوطنية سيتخذ القرار المناسب.
سليمان في غضون ذلك، لازمت المخاوف من مزيد من المفاجآت الامنية اهتمامات المراجع المسؤولة والاوساط السياسية في ضوء مناورة 'الانتشار النظامي' التي نفذها عناصر من 'حزب الله' صباح الثلثاء في بيروت. ووسط 'تبشير' اوساط معارضة بمزيد من التصعيد بوجوه مختلفة ومباغتة، أفاد زوار القصر الجمهوري ان الرئيس ميشال سليمان تابع الاجراءات الكفيلة بالحفاظ على الامن باستقباله وزير الداخلية زياد بارود وقائد الجيش العماد جان قهوجي الذي أطلعه على نتائج محادثاته مع الرئيس السوري بشار الاسد. كما زار قهوجي الرئيس الحريري لهذه الغاية. ولاحظ زوار بعبدا ان الوضع السياسي المقلق ينعكس بدوره على الشارع ونقلوا عن سليمان ارتياحه الى الجهد الذي يبذله الطرفان القطري والتركي أملا في التوصل الى حلول ملائمة انطلاقا من الاتفاق السعودي – السوري واعادة ترميمه. وعن امكان ارجاء الاستشارات النيابية الملزمة مرة أخرى، قال زوار بعبدا انه لا يزال ثمة متسع من الوقت لتقرير الخطوة التالية انطلاقا من موجبات المصلحة الوطنية.
وتردد ليلا ان ثمة امكانا لقيام الرئيس سليمان بزيارة لدمشق في الساعات المقبلة. لكن مصادر معنية أكدت ان لدى الرئيس مواعيد مقررة اليوم في بعبدا مع ان شيئا لا يحول دون الغائها عند الحاجة، إذ لا يمكن استبعاد أي احتمال، خصوصا أن هناك معلومات عن زيارة يقوم بها أمير قطر لدمشق في الساعات المقبلة في شأن الوضع اللبناني.
أحمدي نجاد وفي طهران (ي ب أ) وجه الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد تحذيرا الى اسرائيل والولايات المتحدة وبعض الدول الاوروبية داعيا اياها الى 'وقف التحريض على الفتنة' في لبنان اذا كانت لا تريد ان ينقلب الشعب ضدها.
وقال في خطاب بثه التلفزيون مباشرة: 'أنتم على منحدر خطر يقودكم نحو الهاوية وطريقتكم في التصرف تظهر ان تداعيكم يتسارع'، في اشارة الى الولايات المتحدة واسرائيل ودول اوروبية لم يسمها. وأضاف: 'عبر تصرفاتكم هذه، تسيئون الى سمعتكم، أوقفوا تدخلكم واذا لم توقفوا تحريضكم على الفتنة (في لبنان) فان الامة اللبنانية ودول المنطقة ستقطع يدكم القذرة المتآمرة'. وفي وقت لاحق، أكد احمدي نجاد خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ان ايران 'ستبذل كل جهدها للمساعدة على حل الازمة' في لبنان. ونقلت عنه وكالة الجمهورية الاسلامية الايرانية للانباء 'ارنا' ان 'على دول المنطقة كلها تقديم المساعدة للمسؤولين والافرقاء اللبنانيين لتسوية الخلافات بينهم'.
|