السبت ٢٨ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ٢٠, ٢٠١١
لبنان
لبنان يتدحرج إلى الأسوأ... بلا كوابح

| بيروت ـ من وسام حرفوش |

 

... من يتجول في شوارع بيروت، المصابة بـ «قلق استثنائي»، او يقرأ ما هو خلف كلامها المنشور على الاسطح، او يراقب وجوه ناسها المحبوسة الانفاس، يدرك ان البلاد التي تصارع المجهول سقطت في... المحظور.
المساعي الديبلوماسية لكبح الانزلاق في «القعر المفتوح» تكاد ان تلفظ انفاسها، والازمة السياسية مرشحة لـ «اقتحام» الشارع، والايحاءات المتزايدة بـ «حرق المراكب» يعزز الانطباع بان الاتجاه هو لـ «الهروب الى... الهاوية».


فلبنان بلا حكومة حتى اشعار «طويل» وبرلمانه «كأنه لم يكن» ورئاسة الجمهورية فيه «مغلولة اليدين» بالتوافق وجيشه بالكاد يحمي نفسه من الانهيار، والعالم يتنازع فيه وعليه ومن حوله، اما مصيره فمن غير المستبعد ان يذهب مع الريح.


«حزب الله» الذي دشن فجر اول من امس مرحلة «ما بعد» القرار الاتهامي في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري بـ «مناورة» للسيطرة على الداخل، يلوح بواحد من خيارين: إما «انقلاب سلمي» وإما «قلب الطاولة» عبر الشارع.


وهذا يعني ان الاستشارات النيابية الملزمة الاثنين المقبل لمعاودة تسمية رئيس حكومة «تصريف الاعمال» سعد الحريري رئيساً مكلفاً، بحسب التوازنات الحالية، لن تمر، بالتأجيل اذا امكن، وربما بـ «التفجير» بعدما قال الحزب «لا كبيرة» لعودة الحريري الى السرايا الحكومية.


هذا المشهد، الذي من المتوقع ان يتعامل معه المجتمع الدولي على انه «انقلاب موصوف» في وجه العدالة الدولية بعدما سلم المدعي العام الدولي دانيال بلمار قراره الاتهامي عصر الاثنين الماضي الى قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين، سيجعل لبنان بين «فكي كماشة»، من المرجح ان تضيق عليه.


ولم يكن ادل على هذا الانزلاق الدراماتيكي للوضع اللبناني من الموقف الحاد الذي اعلنه وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل الذي تحدث عن ان المملكة رفعت يدها عن الوساطة في لبنان، في اشارة الى حجم المأزق الذي ينتاب العلاقة السورية ـ السعودية، وهو الموقف الذي «باغت» رئيس الوزراء القطري الشيح حمد بن جاسم ووزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو اللذين كانا وصلا الى بيروت في مهمة تحت سقف مبادرة «السين السين»، وسرعان ما اتضح ان افق تحركهما... مقفل.


وفي موازاة حركة الموفديْن القطري والتركي في بيروت والدخول السعودي المفاجىء على خط اعلان رفع الرياض يدها عن الوساطة التي أجرتها مع سورية لحل الأزمة في لبنان، تلقفت بيروت باهتمام 3 تطورات اقليمية ودولية متصلة بالوضع اللبناني:


* «المحادثات الهاتفية» التي جرت بين الرئيسيْن باراك اوباما وحسني مبارك والتي تناولت الوضع في كل تونس ولبنان، حيث شكر اوباما نظيره المصري على دعم القاهرة للمحكمة الخاصة بلبنان «التي تحاول إنهاء عهد الإفلات من العقاب في الاغتيالات السياسية في لبنان وتحقيق العدالة للشعب اللبناني».


واكتسبت المحادثات بين اوباما ومبارك أهميتها في ما خص الوضع اللبناني لأنها جاءت وسط المعلومات عن تحفظ اميركي عن الاقتراح الفرنسي بتشكيل مجموعة اتصال عربية دولية تواكب الازمة اللبنانية، واعتراض سوري على مشاركة مصر فيها وسط استمرار القطيعة بين القاهرة ودمشق، واستياء مصري من تقدم الدور التركي على حساب الادوار العربية.


* تحذير الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد الكيان الاسرائيلي والدول الغربية «من التدخل في الشأن اللبناني والتونسي»، مشدداً على «ان القوى اللبنانية قادرة على حلّ مشاكلها بالتفاهم والعدالة، وعليها الحذر من الايادي الشيطانية التي تريد تفرقتها»، ومؤكداً «أن الكيان الاسرائيلي يقوم بالاغتيالات وسيسعى لاتهام الابرياء لاثارة الخلافات والتمهيد للهجوم على لبنان».


وفي السياق نفسه، برز انتقاد رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني (اتصل امس برئيس البرلمان اللبناني نبيه بري) في شدة «التدخل الاميركي - الاسرائيلي لعرقلة الوفاق اللبناني»، مؤكداً خلال استقباله الوفد اللبناني المشرك في المؤتمر الثاني لاتحاد مجالس الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي في ابو ظبي «ان بلاده تدعم التقارب والوفاق بين اللبنانيين بحيث لا يفسحون في المجال امام احد للدخول على خط الخلافات بينهم»، ولافتاً الى انه «رغم وجود تعقيدات جديدة، فان هناك من ينفخ في نار المحكمة الدولية ليس من اجل كشف المجرمين بل للنيل من لبنان ووحدة اللبنانيين».


ووسط هذا المشهد الاقليمي والدولي من حول لبنان، واصل حمد بن جاسم واوغلو لقاءاتهما «الصامتة» في بيروت والتي «اختفيا» فيها امس، عن «الصوت والصورة»، فيما رُجّح ان يكونا التقيا شخصيات في قوى 8 و14 مارس، علماً انهما زارا ليل اول من امس الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله حيث جرى، حسب بيان صادر عن العلاقات الاعلامية في حزب الله «التداول في الأزمة السياسية الراهنة في لبنان، وخصوصا موضوعي المحكمة الدولية والحكومة الجديدة، وتم عرض للأفكار والحلول المطروحة».
وتحدثت تقارير عن اصطدام جهود حمد بن جاسم واوغلو بجدار سميك من التعقيدات و«التمترسات» خلف «مقتضيات» مرحلة ما بعد القرار الاتهامي، علماً ان ما رافق محادثات الموفدين القطري والتركي أمكن اختصاره بالآتي:


* انهما لم يحملا مبادرة محددة، إنما بحثا مع المسؤولين اللبنانيين في ما ينبغي القيام به واستمعا إلى أفكار، في محاولة لتقريب وجهات النظر وإيجاد قواسم مشتركة يمكن البناء عليها تحت سقف «سين - سين»، مع تأكيد ضرورة الحفاظ على الأمن وتفادي الحوادث وإتاحة فترة من الوقت للمشاورات الناشطة داخلياً وخارجياً.


* ان قوى 8 مارس تعاطت بإزاء المسعى القطري - التركي على اساس ان دفتر الشروط لانجاز التسوية تبدل، وان قاعدة المقايضة التي كانت معتمدة بين مطالب المعارضة ومطالب الرئيس سعد الحريري، تحت سقف «السين سين»، قبل تسليم القرار الاتهامي الى دانيال فرانسين سقطت، وبالتالي فإن مبدأ المساومة على مطلب وقف التعاون مع المحكمة لم يعد مطروحا، كما نُقل عن مصدر بارز في 8 مارس أشار الى انه بدءا من يوم الثلاثاء بدأ التطبيق العملي لمعادلة مرحلة ما بعد صدور القرار الاتهامي.


* ان فريق الثامن من مارس رسم معادلة «أن لا عمليات إجرائية لمحكمة من دون حكومة لبنانية، ولا حكومة لبنانية من دون موقف واضح لرئيسها من التسييس الحاصل في المحكمة»، وهو تبعاً لذلك تعاطى مع ما قيل ان الموفدين القطري والتركي نقلاه اليه من الرئيس سعد الحريري (مطالب تفصيلية وكثيرة لقاء السير ببنود السين السين) على قاعدة «اننا بتنا في مرحلة جديدة بالكامل». علماً ان تقارير اشارت الى ان حمد بن جاسم واوغلو تأبطا نسخة تختلف عن تلك التي تملكها المعارضة عن التفاهم السوري - السعودي الذي كان قائماً، الأمر الذي فُسر انه انطلق من ان المبادرة السورية ـ السعودية بصيغتها السابقة فشلت، ولا بد من صيغة معدلة تنطلق من بعض نقاط المبادرة، على ان يكون المدخل توافق لبناني ـ لبناني «حول جدولة التقديمات والتنازلات المتبادلة والواجبة على الأفرقاء اللبنانيين في سبيل إدخال التسوية المستعصية حتى الساعة حيز التنفيذ» على ما نُقل عن مصادر مطلعة.


في هذه الأثناء، برز موقف لبري ردّ فيه عبر اوساطه على ما اعلنه وزير الخارجية السعودي، موضحاً أن رئيس وزراء قطر ووزير الخارجية التركي «اكدا اثناء التشاور معهما في بيروت انهما لم يتحركا الى لبنان الا بعد ان تقرر ذلك في قمة دمشق وبعد اجراء اتصال مع الجانب السعودي الذي اكد على القرار بالتحرك الى لبنان بموافقة سعودية كاملة».
وبالتالي استغربت اوساط رئيس البرلمان «ان يكون هذا الكلام صادراً عن وزير الخارجية السعودي».


على ان اللافت للانتباه امس على المستوى السياسي اللبناني كان «حركة التصريحات» غير الاعتيادية لرئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط الذي كان «ابتدع» كمخرج للإحراج الذي وجد نفسه فيه مع حلول «ساعة الاختيار» بين الحريري او 8 مارس ان تصوّت كتلته (11 نائباً) للحريري مع التعهّد بألا يشارك في اي «حكومة لون واحد»، علماً ان الزعيم الدرزي بدا تحت وطاة ضغوط كبيرة في الايام الفاصلة عن موعد الاستشارات النيابية الجديدة لتسمية رئيس الحكومة الاثنين المقبل، وسط تساؤلات عن مدى قدرته على «الصمود» بعد جعل المعارضة عدم عودة الحريري الى رئاسة الحكومة «معركتها الكبرى» في إطار «الهدف الأكبر» الرامي الى إسقاط المحكمة الدولية لبنانياً.


وبعد اعلانه إن «الجو عاطل جداً»، موضحاً أنه كان على تنسيق مع الرئيس السوري باشر الأسد «الذي أعطاني حرية الحركة (في تسمية رئيس الحكومة الجديدة) لكن الأمور تطوّرت سلبياً، فلا يحمّلني أحد المسؤولية»، اكد جنبلاط انه «مستعد لزيارة دمشق مرة جديدة بهدف بحث الازمة اللبنانية مع الرئيس الاسد»، مضيفاً: «لم اتوقف عن ارسال موفدين الى دمشق، وانا مستعد للعودة والاجتماع مع الرئيس الاسد».


واذ أمل «في إفساح المجال امام الجهود القطرية ـ التركية التي جاءت لتكمل المبادرة العربية التي اطلعنا على عناصرها هذا الاسبوع»، اشار الى أن الخيار الوحيد يبقى الحوار لمعالجة المشاكل القائمة والخروج من الازمة الراهنة، لافتاً الى «ان المرحلة الراهنة هي عالية الحساسية وتتطلب مواقف مسؤولة تتخطى حسابات الاصطفاف السياسي التقليدي لتصب في المصلحة الوطنية العليا وتساهم في اخراج البلاد من حالة التأزم العميق الذي تعيشه».


وتابع: «لكل المشككين الذي يريدون توزيع وتحميل المسؤوليات، قد يكون من المفيد التذكير بإننا كنا أول من حذر من الاستغلال السياسي للمحكمة الدولية، وأول من دق جرس الانذار عند نشر مقالة «دير شبيغل» وعندما توالت بعد ذلك سلسلة التسريبات الاعلامية المشبوهة، وحصل ذلك قبل المصالحة مع «حزب الله» من موقع الحرص على المقاومة ورفض ان يقحم لبنان في لعبة الامم بضرب وحدته واستقراره ومقاومته، لاسيما بعد الانتصار التاريخي للمقاومة في العام 2006 بعد العدوان الاسرائيلي».


وعلى خطّ متصل، وبعد «مناورة الفجر» لـ «حزب الله» التي سرعان ما تلقّفها فريق «14 مارس» على انها «الإنذار الاخير» قبل قلب الطاولة ميدانياً اذا لم تضمن المعارضة استبعاد الحريري عن رئاسة الحكومة، تسارعت وتيرة الاتصالات التي اجراها رئيس الجمهورية ميشال سليمان لضمان تمرير الاستشارات النيابية الاثنين هو العالق «بين مطرقة» صعوبة الموافقة على إرجائها مجدداً، وسندان عدم قدرته على تحمُّل تبعات إجرائها «قيصرياً».


وكان لافتاً ان سليمان استقبل امس قائد الجيش العماد جان قهوجي العائد من زيارة لدمشق حيث التقى الاسد، علماً ان قهوجي زار ايضاً الحريري.
كما برز لقاء الرئيس اللبناني، رئيس كتلة نواب «حزب الله» محمد رعد حيث عرض معه التطورات الراهنة «واهمية التوصل الى حلول سياسية ودستورية للوضع القائم» بحسب ما جاء في بيان «القصر».


وترافقت اتصالات سليمان مع استمرار المخاوف الأمنية، وسط تقارير تخوّفت من ان تكون الغاية من «الرسالة» الميدانية فجر الثلاثاء التمهيد لخطوات «عملية» تحول دون إجراء الاستشارات النيابية اذا كانت ستعيد الحريري أو اجرائها في ظل دخان كثيف وضاغط.


وبرزت الاجراءات الأمنية «الاحتياطية» غير الاعتيادية التي اتخذت خصوصا في السرايا الحكومية ومحيطها، والقصر الجمهوري في بعبدا وبيت الأمم المتحدة «الاسكوا» في وسط بيروت ومحيط مقر سيار الدرك في الأشرفية ومراكز رسمية وحزبية عدة.


ولفتت ايضاً المعلومات عن أن مؤسسات تابعة لـ «حزب الله» أو تدور في فلكه، بادرت في شكل مفاجئ إلى الغاء أو إرجاء احتفالات أو نشاطات كانت مقررة هذا الأسبوع «لدواع خاصة، ونظراً الى الأوضاع الراهنة».


وكانت كتلة «المستقبل» البرلمانية (يترأسها الحريري) استنكرت «التجمعات المنظمة» التي قامت بها عناصر من «حزب الله» وحلفائه، واعتبرت ان «لجوء البعض الى القيام بتحرك في شكل مشبوه في الشارع، ليست بنظرنا إلا صيغة مغلقة وغير ناجحة لانقلاب مسلح لن يسكت عليه اللبنانيون او يخضعوا او يقبلوا به، وهو لن يغير من قناعاتنا وسيزيدنا تمسكاً بثوابتنا المحقة».
بدورها، اكدت الامانة العامة لقوى 14 مارس بعد اجتماعها الاستثنائي امس، الذي ناقشت فيه «الفصل الجديد والخطير من فصول الأزمة اللبنانية، جراء إستقالة وزراء الثامن من مارس»، انها «ثابتة في الدفاع عن لبنان في وجه مشروع إنقلابي يرمي إلى تحويله قاعدة إيرانية على شاطئ المتوسط، والإلتزام بالمحكمة الدولية المحققة للعدالة والتمسك بالعيش المشترك».



 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة