|
يمكننا أن ندّعي، في إيجاز سوسيولوجي، أنه إذا كانت الحركة القومية العربية الأولى التي انطلقت مع عبد الناصر ورفاقه في مصر في مطلع الخمسينات من القرن الماضي وأطاحت في بضع سنوات عدداً كبيراً من الأنظمة العربية الموروثة من الحقبة الاستعمارية هي وليدة لقاء بين ضابط شاب في الجيش، من أصول ريفية نوعاً ما، ومفكّر قومي مثل ساطع الحصري أو ميشال عفلق، فإن التحرّك الراهن على مستوى القواعد الشعبية الذي انطلق في تونس هذه المرّة و"فتك بشدّة" في غضون بضعة أشهر نظراً إلى السرعة غير المسبوقة لتداول المعلومات والصور، يستمدّ شرارته على ما يبدو من لقاء فريد بين الهامشي "الهش"، أي محمد بو عزيزي التاجر المتجوِّل الذي أساءت الشرطة المحلية معاملته فأحرق نفسه، والمشترك في الفايسبوك الذي يقيم في المدينة وقد تشرّب الخطاب "العالمي" عن الديموقراطية وحقوق الإنسان، ويُقدِّم وائل غنيم نموذجاً عنه.
وهذا ما يُفسّر كيف أن التحوّلات السياسية في الموجة القومية العربية الأولى كانت تشبه إلى حد كبير الانقلابات في حين أن التحرّكات الحالية هي ثورات مدنية جماهيرية حيث يكتفي الجيش في معظم الأحيان بتأدية دور الحكَم. وقد فات القطار الأحزاب السياسية المعارضة في وجه هذه الموجة مع العلم بأن برنامجها بسيط: الحرية، التعاقب على السلطة، الشفافية... باختصار، رغبة في الانضمام إلى العالم من جديد. ولا تترك هذه الوصفة شبه المُعدَّة سلفاً متّسعاً من المكان للمثقّفين الذين أُخِذوا هم أيضاً على حين غرّة، إلا إذا وجب علينا أن نعيد تعريف الدور الطليعي بزيارة مقاهي الإنترنت أكثر من تردّدنا إلى المكتبات أو الندوات الجامعية.
إذا كان الروائي علاء أسواني الذي يحظى بشعبية واسعة قد انخرط باكراً في معارضة جذرية لنظام مبارك في مصر، مما يجعل منه نجماً إعلامياً في اللحظة الراهنة، فإن التغيير المباغت فاجأ وجوهاً بارزة في النخبة المثقّفة العربية التي روّضتها لا بل دجّنتها عقود من الديكتاتورية. وخير مثال على ذلك جابر عصفور، هذه الشخصية المحترَمة في النقد الأدبي في القاهرة، الذي قبِل منصب وزير الثقافة فيما كان مبارك لا يزال "صامداً" ليستقيل بعد يومَين، تماماً مثل الروائي الليبي ابرهيم الكوني الذي اكتشف للتو فظائع النظام في طرابلس بعد سنوات من الصمت المدفوع بمصالح شخصية. بيد أن الكتّاب أو الرسّامين أو السينمائيين الشباب لبّوا النداء وبأعداد غفيرة. إنهم ينزلون إلى شوارع تونس، ويتظاهرون في صنعاء أو الرباط، ويخيّمون في ميدان التحرير أو دوار اللؤلؤة في المنامة. ويتسمّرون أمام شاشة الكمبيوتر أو شاشة هاتفهم الخلوي ليشاركوا على مدار الساعة في التعبئة أو في الإعلان عن مواعيد الاعتصامات أو في كتابة بيانات استنكار تجمع في بضع ساعات ألف توقيع من شخصيات معروفة في عالم الآداب والفنون، وفي إطلاق حركات (حركة خالد سعيد في مصر، حركة 20 فبراير في المغرب...)، وحتى في تقديم دعم لوجستي، على غرار الروائية الشابة المصرية التي توجّه رسائل محدّدة مع أرقام هواتف لتنظيم مساعدة الثوّار الليبيين انطلاقاً من مرسى مطروح: "مطلوب شباب لنقل قوافل المساعدات إلى ليبيا، أمام مسجد رابعة العدوية في مدينة نصر...". حتى إن المجلة الأسبوعية المصرية "أخبار الأدب" تجري تقصّياً شاملاً للعثور على الشعراء والروائيين المصريين المصابين أو المسجونين على يد النظام ووصف نشاطاتهم النضالية المختلفة في يوميات الانتفاضة.
مع النجاحات الأولى لهذه الانتفاضة العربية، سادت نشوة الفايسبوك. تُحدّد مها حسن، الكاتبة والصحافية السورية، النبرة على صفحتها حيث كتبت "ولّى زمن المستحيل. نعيش في مرحلة ما بعد الفنتازيا. لو قرأنا في روايات الواقعية السحرية تفاصيل ما نشهده، لاستمتعنا كما نفعل عند قراءة قصة خيالية... تكتب هذه الشعوب فناً يتخطّى مخيّلتنا... الآن قد نستيقظ ذات صباح لنرى كرسي رئيس أو عرش ملك معلّقاً في الهواء... التحيّة للشعوب الخلاّقة".
من تونس، نقطة انطلاق الانتفاضة، يقول طه بكري، وهو شاعر وطالب جامعي يعيش في باريس، مغتبطاً "يخطّ نفَس جديد – كنّا قد اعتقدنا أنه اختفى – ملحمة كبرى. دقّت ساعة أنظمة لا تتمتّع بالشرعية، وتمسّكت بالسلطة ضد إرادة الشعب. المعجزة التونسية هي النجاح في إسقاط ديكتاتور، تقريباً بقوّة بيتٍ من قصيدة لأبي القاسم الشابي كان يُردَّد صباحاً ومساء في مختلف أنحاء البلاد، على الرغم من الرصاص والدم: إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر".
أما الروائي والناقد الأدبي الشاب، كمال رياحي، الذي يقيم في العاصمة تونس، فيستعيد أحاسيس جديدة في شوارع العاصمة، ولا يبدو حاقداً كثيراً على المثقّفين الذين يبدّلون مواقفهم بعد التعاون مطوّلاً مع النظام المخلوع: "الشارع هو حبيبتي المحرَّرة. ليس باستطاعتي تركها للعودة إلى مكتبي كما تطلب الحكومة الموقّتة... أعتمر قبّعة بألوان العلم التونسي، أركض باتّجاه محطة الجمهورية للمترو. يكتب رسّامون أجواء الحرية في الشارع ويرسمونها، وينشد مغنّو راب بأعلى صوت أغاني محظورة أو مستلهَمة من الثورة. ويرفع آخرون صور الشهداء. يحاول صحافيون وكتّاب من أزلام الديكتاتور أن يجدوا مكاناً لهم في العاصفة الشعبية...".
بالنسبة إلى أحمد عبد اللطيف، وهو روائي ومترجم، كانت الثورة المصرية تتحرّك "في داخلنا" وفقاً لمبدأ أساسي "يستحق هذا البلد أن يكون أجمل". وخاطب والده المتوفّي الذي توقّع حدوث ثورة جوع في مصر قائلاً إنه يعتقد أن الأسباب الاقتصادية تأتي في أسفل القائمة: "إنها حقاً ثورة جياع، أبي، إنما جياع للحرّية والديموقراطية".
ونجد شعور "النهضة" نفسه والأولوية نفسها الممنوحة للقيم الإنسانية قبل أي اعتبار أيديولوجي آخر على صفحة الروائية والصحافية منصورة عز الدين على الفايسبوك: "ها هي مصر تستعيد وجهها في المرآة وتتعرّف من جديد على سماتها المشوَّهة بفعل عقود من الديكتاتورية، منذ عام 1954 وليس فقط منذ وصول مبارك إلى رأس الدولة... نحن نتملّك لغتنا من جديد لتحريرها من كل الانحرافات التي أدخلها النظام إليها بهدف إعطاء الكلمات مدلولات مناقضة لمعناها الأصلي". وما تعلّمتْه في ميدان التحرير هو "قبول اختلافاتنا وردم الهوّة التي تفصلنا عن إنسانية متسامية، والتي تشكّل أساساً للانقسامات الثقافية والاجتماعية والمهنية".
في البلدان التي لا تزال بمنأى نسبياً عن موجة الانتفاضات حتى الآن، ترتفع الأصوات أملاً في انتقال العدوى إليها. تعتبر الروائية السودانية رانيا مأمون أن "زمن الصمت قد ولّى"، وأن السودان الذي يعيش منذ عشرين عاماً تحت سيطرة نظام إسلامي توتاليتاري، "يقف الآن على حافة بركان قد يثور في أي لحظة". ويعتقد منصور سوايم، وهو صحافي وروائي من دارفور، أن الشعوب ستأخذ بنفسها زمام المبادرة في التغيير، من دون أن تكون بحاجة إلى قيادة ثقافية أو سياسية.
تتسارع الأحداث، ونحاول أن نلعب دور "الأخطبوط بول" ونتوقّع من سيكون "المخلوع" التالي. تريد بعض الأنظمة التحاور مع المعارضة، فيما تحاول أنظمة أخرى "شراء" رضى مرؤوسيها من طريق المليارات وتُمعن بعض الأنظمة في العنف الذي يبلغ أحياناً درجات شديدة الفظاعة. لكن مثقّفين يريدون إيجاد معنى عاماً لما يجري. وهكذا نشهد، وفقاً للروائي اللبناني المعروف، الياس خوري، بروز شكل جديد من القومية العربية أو بالأحرى العروبة "الخالية من اللغة القومية المغلقة على نفسها، والتي تملك لغة واحدة ومصالح متشابكة. لا حاجة إلى منظِّرين ولا إلى نموذج يحتذى، إنها عروبة واقعية متواضعة. عروبة الشرعية الديموقراطية والعدالة وحقوق الإنسان التي تعيد الجيش إلى دوره في الدفاع الوطني ومقاومة الهيمنة الإسرائيلية. عروبة تمنح العالم العربي من جديد حق القرار والسيادة على أرضه وثرواته". هكذا، وباختصار، نشهد مع مؤلّف "باب الشمس" على "ولادة عروبة الناس الذين يريدون بناء أوطان العرب كي تكون مكاناً للحرية والكرامة الإنسانية".
أما مروان علي فلا يغوص من جهته في الاعتبارات التاريخية ولا في التوقّعات السياسية، وعلى الرغم من أنه يبدو أن الوضع في بلده سوريا يراوح مكانه في الوقت الراهن (لا يزال يُحكَم على المدوّنين والكتّاب بالسجن لفترات طويلة، كما في إيران)، يُطلق الشاعر الكردي الشاب من منفاه في ألمانيا صرخة فرح مؤثِّرة: "لن يعود العالم العربي مسرحاً للقمع والاستبداد. لقد انتهينا من أنظمة القتل. سوف ترفرف رايات الحرية من الأطلسي إلى الخليج. سوف نشارك في الأمسيات والمهرجانات، ونقرأ ونغنّي باللغة الكردية. لم نكن يوماً أقلية بل أكثرية تحبّ الحرية وتطير نحوها".
(روائي لبناني - ترجمة ن. ن. عن الفرنسية)
|