|
مقارنة بكل من الثورتين في تونس ومصر تكتسب الثورة في ليبيا طابعاً مختلفاً ودرامياً مردّه عناصر الاجتماع والاقتصاد والجغرافيا السياسية. فالمجتمع الليبي ما زال قبلياً ويتسم بغياب المؤسسات السياسية والاجتماعية والأمنية، وإن وجدت فهي ضعيفة جداً وشبه معدومة التأثير. المؤسسات التي ترتكز عليها الدولة والتي تستطيع ان تكون صمام أمان بدرجات متفاوتة وسرعات مختلفة وان تحيط بالتغيير وتواكبه ولو بعد تردد وتمنع حدوث الفوضى الكلية المفتوحة على كل الاحتمالات والسيناريوات. فغياب المؤسسات أو ضعفها يزيد مخاوف تطور الاوضاع نحو الأسوأ وتعقدها خلال النزاع ويجعل الآفاق المستقبلية مفتوحة على المجهول في مرحلة ما بعد النزاع. المؤسسات تحمي الدولة وتحافظ عليها عندما تتغير السلطة بشكل ثوروي. وبالنسبة للاقتصاد فرغم قلة الإنتاج النفطي لليبيا، وهي الدولة المنتجة الأولى في افريقيا، إلا أن توقف ضخ النفط وتصديره يخلق مخاوف عدة في الاقتصاد العالمي من ارتفاع أسعار النفط أكثر بكثير مما هو حاصل في وقت ما زالت تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية قائمة ولتلك التداعيات انعكاسات سيئة، وذلك رغم ان المملكة العربية السعودية ودول منتجة اخرى قادرة ان تحل محل الانتاج الليبي للسيطرة على سعر النفط. الجغرافيا السياسية هي مصدر القلق الرئيسي من مخاوف انتشار الفوضى على أبواب أوروبا وفي قلب المغرب العربي الذي يعيش اضطراب التغيير في تونس ومصر بشكل خاص وعلى الطريق بين افريقيا وأوروبا. فتهديد القذافي باحتمال تحول ليبيا، فيما لو سقطت وتحولت قاعدة للقاعدة، وان لم يؤخذ بكليته على محمل الجد كما يصوره أو يحذر منه العقيد، لكن احتمال استفادة القاعدة من انتشار الفوضى وتكريسها لتركز ذاتها في الصحراء الليبية أمر يمكن حصوله، ويثير المخاوف المغاربية والأوروبية بشكل خاص. أوروبا أيضاً تبدي تخوّفها في ظل انتشار الاسلاموفوبيا من تدفق المهاجرين فيما لو انهار "السد الليبي" ومن مخاطر ونتائج الفوضى والحروب المختلفة التي قد تستقر في المشهد الليبي ما لم تحسم الامور بسرعة على الأمن الأوروبي وأمن البحيرة المتوسطية. المفارقة الكبرى تكمن في انه بقدر ما تبرز الحاجة إلى ضرورة الحسم السريع لأسباب أخلاقية وإنسانية وبالطبع أمنية بالمفهوم العام والشامل للأمن والانتهاء من السلطة القائمة ومن العنف الذي تمارسه ضد شعبها، بقدر ما ان الوضع يزداد تعقيداً كما يزداد دموية ويبدو أن التخلص من النظام ليس بالأمر السهل لا عبر الخروج ولا عبر السقوط. السلطة الليبية أطلقت حرباً مفتوحة ضد شعبها. فلا الجغرافيا ولا المعارضة غير المنظمة وغير المسلحة بشكل فاعل قادرة عبر مواجهة رادعة وضمن موازين القوى القائمة على الأرض على وضع حد لسياسة السلطة، هذه السياسة القائمة على فرض حل عبر القتل والمذابح. الحالة الليبية فرضت على المجتمع الدولي والاقليمي تحدياً مختلفاً كلياً عن الحالتين التونسية والمصرية، فاللجوء إلى استراتيجية عقوبات سياسية واقتصادية وقانونية قد تكون رادعة لدرجة معينة، وخاصة في اضعاف النظام في الخارج ومحاصرته، ولكنها لا تستطيع فرض التغيير المطلوب في الداخل فيما يقوم النظام عبر القوة المطلقة بتغيير معاكس على الأرض ضد الثورة. الموقف الأميركي بشكل خاص، والغربي بشكل عام، ولو بدرجات متفاوتة، كما بدا من خلال محادثات ومشاورات مجلس الأمن والاجتماعات الأوروبية وقمة بروكسيل واجتماعات مجموعة الثمانية في باريس ومختلف الاتصالات الجارية، ما زال محكوماً بعقدة العراق التي حلت محل عقدة فيتنام وبشكل أقوى. عقدة العراق تهيمن على صانع القرار الأميركي وعلى المؤسسة الاستراتيجية الأميركية المتخوّفة من الغرق في رمال ليبيا وأميركا غارقة في رمال افغانستان والعراق حتى لو كان الغرق سيستند إلى الأمم المتحدة كما يطالب الجميع ولو لم يتفق الجميع على ما يجب أن يكون عليه قرار الردع الأممي، علماً ان روسيا الاتحادية والصين الشعبية ضد اعتماد قرار ذات طبيعة عسكرية في مجلس الأمن حول اقامة حظر جوي أو اللجوء إلى سياسة الضربات الجراحية، الآلية الأولى لم تعد تجدي والثانية لن تكون كافية لتغيير مسار حرب النظام الليبي ضد شعبه طالما انه يلجأ إلى قوات برية. فرنسا وبريطانيا تقودان مجموعة المتحمسين للخيارين بشرط أن يستند القيام بهما أو بأحدهما إلى مجلس الأمن الذي يفترض أن يوفر الأرضية القانونية فيما الشرعية الاقليمية العربية تحديداً وفرها قرار جامعة الدول العربية ولو بشروط واضحة. فرنسا وبريطانيا تدعوان إلى اجتماع ثلاثي عربي أوروبي افريقي بمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة لبلورة استراتيجية عمل بعد صدور قرار جديد من مجلس الأمن ما زالت ملاحمه غير واضحة كلياً، فيما المانيا تقود تيار رفض الخيار العسكري. في ظل هذا التردد والخلاف والاتفاق على الهدف وهو تغيير النظام دون الاتفاق على وسيلة ذات مصداقية لتحقيق هذا الهدف، يبدو أن ليبيا تتجه للدخول فيما يعرف "بالصراع الاجتماعي الممتد" أو حرب أهلية داخلية ذات وتيرة متغيرة فيما تزداد المخاوف من المزيد من الدماء ومن احتمال لجوء السلطة الليبية في مرحلة ما إلى سياسة "حلبجة ليبية" لتحقيق نصر نوعي ورادع على الأرض. فيما ستزداد العقوبات شدة ومعها حالة الحصار وقد تبدأ عملية تسليح المعارضة لإحداث بعض التوازن على الأرض، تقف ليبيا امام الاحتمالات التالية:
أولاً: انتصار عسكري ولو غير حاسم للسلطة الليبية وسيطرتها على أكثر أجزاء الأراضي الليبية والعودة إلى نموذج العقوبات والحصار مثلما كانت هذه في "فترة لوكربي" وتحول ليبيا إلى دولة مارقة مجدداً مع فارق هذه المرة هو وجود وضع أمني متوتر ومفتوح على اشتباكات مختلفة.
ثانياً: الاعتراف الدولي بسلطة المجلس الوطني الانتقالي الذي قد يبقى مسيطراً على بنغازي كسلطة شرعية لليبيا ونقع في سيناريو شاطئ العاج مع وجود سلطتين واحدة تملك القوة وواحدة تملك الشرعية.
ثالثاً: صوملة كاملة وحروب مفتوحة وسقوط ليبيا في نموذج الدولة الفاشلة. فهل يشهد الربيع العربي الذي انطلق من تونس شتاء عاصفاً في الحالة الليبية أم ان الغيوم الملبّدة الحاملة للعواصف في سماء ليبيا قد يتغلب عليها وينهيها مناخ دولي واقليمي جديد ما زلنا ننتظر بشائره؟
|