|
لم تكن كلمة الرئيس سعد الحريري التي توجه بها مساء امس إلى اللبنانيين من "بيت الوسط" تأكيد مواصلته الترشح لرئاسة الحكومة، بقدر ما شكلت مصارحة للبنانيين في مسار التطورات السياسية والمبادرات العربية وما اثير حولها من لغط.
وجاء كلامه الذي أكد انه لن يذهب الى الشارع بل الى المؤسسات والدستور، ليبقي الباب مفتوحا امام الحلول. واذ كشف انه قرر الخوض في التسوية الى ابعد مدى ممكن، ملتزما بنود الجهود القطرية - التركية، قال: "المطلب واحد: غير مقبول بسعد الحريري رئيسا للحكومة"، مستعيدا بذلك، تجربة عام 1998، وداعيا اللبنانيين الى "ان يتذكروا الحملة السوداء التي استهدفت الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتلك الأبواق التي اندلعت لتنادي باقتلاع رفيق الحريري من السلطة". واذ رأى ان المشهد يتكرر "والأبواق عادت هي نفسها، ومعها جهات أعماها الجموح الى السلطة" قال "ان الهدف من كل ذلك واحد: محاكمة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وإخراج سعد الحريري من المعادلة الوطنية والإعلان عن اغتياله سياسياً".
تحدث الحريري في حضور رئيس كتلة "المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة وأعضاء الكتلة وأعضاء المكتب السياسي وكوادر "تيار المستقبل"، وقال:" قبل نحو ست سنوات، حملتني الأقدار الى الحياة السياسية اللبنانية. وما كان لهذا ان يحصل، لو لم تكن هناك، جريمة ارهابية اودت بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقة الأبرار.
لقد اتخذتُ مع العائلة، قراراً بخوض هذا المعترك، بهدف العمل على خطين: المحافظة على الإرث الوطني للرئيس الشهيد، ومنع الجهات التي خططت للجريمة، من تحقيق اهدافها باقتلاع حالة رفيق الحريري من الحياة الوطنية اللبنانية. والوصول الى الحقيقة وتحقيق العدالة في جريمة الاغتيال الارهابية، وسائر الجرائم السياسية، التي طالت العديد من قيادات لبنان ورموزه الفكرية والإعلامية والعسكرية. المحافظة على الارث الوطني للرئيس الشهيد، لا تقل شأناً عن التزام قضية العدالة، بل هما عنوانان لقضية واحدة، اسمها حماية لبنان، وهي القضية التي نذرتُ نفسي للدفاع عنها، وأقسمت امام الله واللبنانيين انني لن اتخلى عنها، مهما تبدلت الظروف وتعاظمت التحديات.
اليوم، نحن امام منعطف مصيري جديد في تاريخ لبنان. وسبق لي ان اعلنت قبل عشرة ايام، ان كرامة اهلي وأبناء وطني هي عندي اغلى من اي موقع وسلطة. وهذا ليس مجرد موقف للاستهلاك السياسي او العاطفي، لأنه في اساس اقتناعاتي الوطنية، وفي اساس التربية التي نشأت عليها والتي تدفعني الى تجديد هذا العهد امام جميع اللبنانيين.
إن نقطة دم واحدة تسقط من اي لبناني، هي عندي اغلى من كل مواقع السلطة. فلا سلطة يمكن ان تعلو بالنسبة لي، على التزامي عهود العيش المشترك بين اللبنانيين، وعلى تمسكي بالنظام الديموقراطي البرلماني، سبيلا لتنظيم العلاقات بين المجموعات اللبنانية.
فعندما نقول ان لبنان امام منعطف مصيري، فهذا يعني ان علينا ان نحدد الاختيار: في اي وجهة يجب ان نتحرك؟ وفي اي اتجاه نتحمل مسؤولية السير بلبنان؟ نحن قيادات لبنان، السياسية والروحية، نملك بأيدينا المصير الذي سيذهب اليه لبنان. وليس صحيحاً على الإطلاق ان مخططات الخارج، هي التي ترسم لنا خريطة الطريق الى الهاوية. اذا قررت قيادات لبنان ان يتحرك الوطن نحو الهاوية، فإن الوطن سيقع حتماً في هذه الحفرة، وإذا قررت ان تنأى بالوطن عن الهاوية، فإن لبنان سيبقى على بر الأمان. لعبة الشارع، واستخدام الشارع، والتهديد بالشارع، هذه لعبة لا تمت الى تربيتنا الوطنية بأي صلة.
نحن لن نذهب الى الشارع، لأننا في الأساس اخترنا الذهاب الى المؤسسات. ولن نلجأ الى سياسة الويل والثبور وعظائم الأمور، لأننا اخترنا في الأساس الاحتكام الى الدستور، ولا ضيم علينا، في ان نتقبل النتائج السياسية، لأي مسار ديموقراطي، حتى ولو كانت هذه النتائج، تحصل بفعل موجات متتالية من الضغوط.
لقد جاهدت، على مدى الشهور الماضية، في سبيل درء الفتنة عن لبنان، سواء بالكلمة الطيبة، او بالممارسة السياسية المسؤولة، واخترت سلوك الطريق، الذي اختاره خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، منذ قمة الكويت، وقدمت المبادرة تلو المبادرة، والتضحية تلو التضحية، ووجدت في المساعي المشتركة للمملكة العربية السعودية وسوريا، سبيلاً لخروج لبنان من نفق التجاذبات السياسية والمذهبية، وجسراً للعبور نحو مرحلة جديدة في علاقاتنا الوطنية.
إنما، ويا للأسف الشديد، توقف العبور على هذا الجسر، وانتقلنا الى مرحلة جديدة من المساعي الأخوية والصديقة المشكورة، ارتكزت على جهود قام بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ثم على التحرك المشترك، لكل من صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني امير دولة قطر، ودولة رئيس الحكومة التركية السيد رجب طيب اردوغان ومباركة خادم الحرمين الشريفين.
واتيح لكل اللبنانيين والأشقاء العرب، ان يكونوا على بينة من هذا التحرك الذي بدأ في دمشق، وأعاد انتاج حركة ديبلوماسية جديدة، على قاعدة الالتزامات التي توصلت اليها المساعي السعودية - السورية، فكانت الزيارة المشتركة التي قام بها لبيروت كل من دولة رئيس الحكومة القطري الأخ الشيخ حمد بن جاسم ومعالي وزير خارجية تركيا الأخ احمد داود أوغلو.
والأمانة تفرض عليَ ان اصارح اللبنانيين جميعاً، لا فئة واحدة او جهة سياسية واحدة من اللبنانيين فحسب. الأمانة، توجب عليَ، ان اتوجه الى الجميع من كل الفئات والاتجاهات، لأقول، لقد ارتقينا في تعاملنا، مع كل المساعي، ولا سيما المساعي السعودية - السورية، ثم مع الجهود التركية - القطرية، ارتقينا الى مستوى الشهادة الكبرى التي يمثلها الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وهذا يعني، أنني قررت الدخول في التسوية الى أبعد مدى ممكن، وأنني تجاوبت مع توجهات خادم الحرمين الشريفين، والتزمت كل البنود التي توصلت إليها الجهود القطرية - التركية المشتركة للحفاظ على العيش المشترك. ولكن، مرة جديدة يتوقف قطار الحل بفعل فاعل، ويعودون مع ساعات الفجر، لإبلاغ الموفدين القطري والتركي بمطلب واحد لا ثاني له: غير مقبولة عودة سعد الحريري الى رئاسة الحكومة. ركنوا بنود الحل جانباً، ولم يتقدموا بأي ملاحظة او اي تعليق، وطالبوا فقط بإقصاء سعد الحريري عن تكليف رئاسة الحكومة.
ربما من حق اللبنانيين، ان يستعيدوا من خلال هذه التطورات، تجربة عام 1998. وان يتذكروا الحملة السوداء التي استهدفت الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتلك الأبواق التي اندلعت لتنادي باقتلاع رفيق الحريري من السلطة. المشهد يتكرر هذه الأيام، والأبواق التي كانت، عادت هي نفسها، ومعها جهات أعماها الجموح الى السلطة، والهدف من كل ذلك واحد: محاكمة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وإخراج سعد الحريري من المعادلة الوطنية والإعلان عن اغتياله سياسياً.
اضاف: "لا أشعر في هذه الساعات، بأننا امام حائط مسدود. بل خلاف ذلك، اشعر بأن المسؤولية الوطنية توجب عليّ العمل على إيجاد ثغرة كبيرة في هذا الحائط المسدود. إذا كان المطلوب إبعاد سعد الحريري عن رئاسة الحكومة، فلا بأس. هناك مسار دستوري، نرتضي اي نتائج يمكن ان تنشأ عنه، بغض النظر عن مناخات الترهيب التي تحيط بهذا المسار في الشارع وغير الشارع. نحن سنذهب الى الاستشارات النيابية التي سيجريها فخامة رئيس الجمهورية يوم الاثنين المقبل، بإذن الله، وسندلي برأينا وفقاً للاصول، ملتزماً ترشيحي لرئاسة الحكومة من كتلة نواب المستقبل وسائر الحلفاء.
المهم، بالنسبة الينا، ان يكون الاحتكام الى الدستور والمؤسسات الدستورية قاعدة يعمل بموجبها الجميع، والا يكون هناك صيف وشتاء على سطح واحد، فتصبح العملية الديموقراطية رهينة لإرادة الشارع.
لقد كنت في الثالثة من العمر، عندما اندلعت الحرب الأهلية، وأنا الآن في الأربعين، ما يعني انني عشت 37 سنة من عمري، اي 90 في المئة من هذا العمر، في وطن يترجح بين الحرب والسلام، بين الانقسام والوحدة، وبين الأمان والقلق.
اليوم استعيد هذه المسيرة وأرى نفسي في كل شباب لبنان وشاباته، أتطلع الى الخلاص من هذه المحنة التاريخية، التي طالت بيوتا ومناطق وطوائف من جميع اللبنانيين من دون استثناء، ورافقت خلالها، أباً جاهد في سبيل تقدم وطنه وأمته، وواجهت من موقعي في العمل السياسي ظروفاً وتحديات ومتغيرات تشبه الى حد كبير، تلك التي واجهت والدي الرئيس الشهيد، وحملته في غير مناسبة وموقع، على إعلاء شأن العقل، وتحكيم المصلحة العامة على المصالح الشخصية الضيقة.
إننا ننتمي الى مدرسة وطنية وسياسية وأخلاقية، اسمها مدرسة رفيق الحريري، التي اختارت في احلك ساعات الغضب، ان تقفل طريق الثأر والانتقام، وان تسلك طريق الحقيقة والعدالة. ورفيق الحريري، تعرفونه جيداً فتىً عربي الأحلام، تدرج في حقول النجاح الوطني والقومي والإنساني، ولمع في ميادين الإقتصاد والإعمار والسياسة، فترك أثراً طيباً في العمل العربي المشترك، وأطلق حيوية كبرى في الحياة الوطنية اللبنانية، الى ان اختاره الله شهيداً في سبيل امته ووطنه وكرامة شعبه.
لقد رفض لعبة الدم، في السلطة وخارجها، ووهب عمره لقضية السلام في وطنه، فصارع الحرب الأهلية، حتى صرعها، بهمة الأشقاء، والشركاء في الوطن، من خلال اتفاق الطائف، ورسم بعد ذلك، خريطة الطريق لتجديد الثقة بلبنان وإعادته الى موقعه الطبيعي في العالم.
لقد اغتالوه، واغتالوا معه، ومن بعده، نخبة من رجال لبنان، لكنهم لم يتمكنوا من اغتيال روح العيش المشترك بين اللبنانيين. لأن دماء رفيق الحريري، لم تكن ولن تكون، حقلا تشتعل فيه صيغة الوفاق الوطني، ولأن قضية رفيق الحريري لن تكون، عاصفة يغامرون من خلالها بمصير لبنان. والفتنة، ليست هي الثمن المطلوب للحقيقة والعدالة. لعن الله الفتنة ومن يوقظها ويتسبب بها. نحن لم نقطع كل هذه المسافة، ولم نقدم كل هذه التضحيات ولم نتصدر واجهة العمل لإعمار البلد، وندعم اسس النمو الإقتصادي والإجتماعي، وصمود لبنان وشعبه في وجه العدو الإسرائيلي، كي نسلم كل هذه المكاسب الى الفتنة.
إن نظامنا السياسي، القائم على تداول السلطة وصيغة العيش المشترك، لا يعني شيئاً، ولن يعني شيئاً إذا سلمنا مستقبل اولادنا لمزيد من النزاعات والحروب. نحن امناء على مسيرة وطنية، وسنبقى بإذن الله، اوفياء لها ولشهدائها الأبرار. سنبقى اوفياء لوحدة لبنان وعروبته، وكرامة شعبه، وستبقى اولويات الناس الإجتماعية والإقتصادية والإنمائية في صدارة اهتمامنا، سواء كنا في السلطة او خارجها. لن نتخلى عن مسؤولياتنا وواجباتنا، لا في المجلس النيابي، ولا في الحياة السياسية، ولا في تيار المستقبل، ولا في العمل مع كل الأصدقاء والحلفاء، في سبيل العبور نحو دولة متقدمة وحديثة، سيدة عربية حرة ومستقلة. إن الظلم لن يمنعني عن مواصلة المسيرة، طالما اراد الله لي ان اواصل العمل بها".
• اتصل النائب تمام سلام بالحريري بعد انتهاء كلمته مشيدا بالموقف الايجابي والبناء" الذي اعلنه ومبديا تضامنه معه. • استقبل الحريري امس رئيسة بعثة الاتحاد الاوروبي في لبنان السفيرة انجيلينا ايخهورست وعرض معها الاوضاع.
|