الأحد ٢٩ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آذار ٢١, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
 
الانتفاضات وأحزاب المعارضة - أحمد بعلبكي

أولاً: حول تفجر الانتفاضات بعد عقود من الإستبداد


لم يُشعل محمد البوعزيزي التونسي ومقلدوه في مصر والجزائر وموريتانيا النار بأنفسهم إنتصاراً لا للعروبة ولا للإسلام في جهاد مُعلن من أجل غزة والقدس. لقد أقدموا على قتل الذات، وهو فعل يمقته رجال الدين فلا يجيزون الصلاة على أرواحهم ولا يرون فيهم شهداء وأمراء لأهل الجنة. لقد قتلوا ذواتهم عندما نفد في نفوسهم النزر الأخير من صبر المؤمنين القانطين على أنظمة الإذلال والافساد والافقار. فبعثوا عبر لهيب أجسادهم رسائل صاعقة إلى الملايين في مجتمعاتهم مفادها أن لا نعمة في حياة يعجزون فيها عن تحصيل كرامة العيش مهما أقاموا من الشعائر وتجملوا بالصبرعلى اقدارهم. فكانت رسائل ألهبت شاشات خارجية معارضة للأنظمة راحت تستعجل إنهيارها وشاشات أخرى كانت مساندة لها ثم راحت تستلحق التنصل والتبرؤ من احتضان استبدادها طيلة عقود. كما استثارت الرسائل أصحاب المدونات والمواقع على شبكات التواصل الاجتماعي وهم من نخب شباب الفئات المتوسطة ومنهم خاصة الخريجون ممن تصل معدلات البطالة المُعلنة في صفوفهم خلال العقد 2000 – 2009 إلى ما بين 25 و35 % مقارنة بمعدل 13.6 % في تركيا. ويمثلون ما بين 10 و15 % ضمن إجمالي القوى العاملة. إنها النخب الأكثر تحسساً وتضرراً من إنسداد آفاق الأمل بالحصول على فرص العمل والإستقرار السكني والعائلي في مواطن عيشها. وهي النخب الأكثر تحسساً بالحرمان اليومي من فرص الوصول إلى عروض الإستهلاك التي يروِّج لها إعلام السوق. وإذا كانت مواقيت إشعال البوعزيزي وأمثاله للنار بأجسامهم قد شكلت المفاجآت الصاعقة في سياق الرتابة المزمنة لحياة الأنظمة والناس والإعلاميين والباحثين على السواء، إلاّ أن التفاجؤ في الزمن لا يُعفي أهل المعرفة والحدس من الباحثين من توقع حصوله أو حصول ما يشبهه في فترة ضاق خلالها حصار الأزمات الداخلية والخارجية من حول النظام وفي طليعتها:


• أزمة إنفلات شهوات التسلط الإستفزازي المتمثلة في تمديد الحكم وصولاً إلى توريثه، وهذا ما جرى في تونس ومصر أخيراً بفعل إحتكار التمثيل السياسي لمصلحة قيادة الحزب الحاكم.
• وأزمة تفاقم إحباط النخب الشبابية المهمشة والناقمة على نهج تكيف قيادات أحزاب المعارضة التقليدية مع النهج الإستبدادي للنظام.
• وأزمة تزايد إحباط القوى الخارجية الداعمة لهذه الأنظمة من قدراتها الذاتية على الصمود في استبدادها والتزاماتها. أجل ان حصول الانتفاضات يمثل ضرورة تاريخية لدرء مخاطر الاختلالات البنيوية المهددة بانفجار الحروب المدمرة للمجتمعات. يهجس بتوقعها المتبصرون في تاريخ أنظمة الإستبداد وتدرجها إلى أعلى مآزق قوتها المتمثلة بفجور نزوات التسلط.

ثُانيا – جديد الاعلام في تحديد مصادر الوعي والفعل السياسي


في ظل التحولات الهيكلية التي أدت إلى فتح الأسواق العربية أمام المنافسات الإغراقية وإلى رجحان الإقتصاد الريعي بعد تدهور قطاعي الإنتاج السلعي في الزراعة والصناعة، ومع توسع البطالة والإفقار والنزوح الريفي والإحتشاد في الضواحي الفقيرة حول المدن وفي عشوائيات دخلت في القاهرة إلى فسح ضيقة في المقابر، شهدت مجتمعاتنا عولمة الإعلام الرقمي العابر للقارات وتوسع أنواع مصادره التي لم تعد مقتصرة على الوكالات الاعلامية ووسائط النشر والبث العامة على أنواعها بل تعدتها إلى مشاركات الأفراد الناشطين من حملة الهواتف الخليوية المجهّزة بكاميرات متطورة قادرة على نقل المعلومات المصورة الى اي مكان في العالم دون الخضوع لأي رقابة. وهذا ما عزز من شفافية العلاقات والتحركات والسلوكات وحتى النوايا بين الدول وبين المنظمات وداخلها. غير ان توسع امكانات الاتصال والتواصل التي توافرت للفئات الشعبية على الصعيد الشعبي، تظل قاصرة عن مواجهة الهيمنة الثقافية – السياسية للاحتكارات الاعلامية النيوليبرالية العابرة للقارات.


وهنا تجدر الإشارة إلى أن تعددية وسائل الإعلام النيوليبرالي المتعولم وقدراته على التأثير في ترسيخ الأشكال الموروثة في الوعي والهويات العصبوية لدى الفئات الشعبية في البلدان الفقيرة خاصة، باتت أكبر، بما لا يُقاس، من تأثير وقدرة الوسائل التقليدية التي ما زالت تعتمدها أجيال الستينات والسبعينات من قيادات التنظيمات الحزبية والنقابية للمعارضات التقليدية في أنظمة الإفقار والإفساد.


في سياق هذه المواجهة الإيديولوجية غير المتكافئة في البلدان الفقيرة تجهد مراكز الإعلام الرأسمالي المحلي والدولي على تثمير سرعة وشفافية الإرسال الرقمي للمعلومات بهدف إزاحة الوعي السياسي للفئات المهمشة من مستوى اختلاف المصالح مع قوى رأس المال الدولي والمحلي إلى مستوى الخلاف بين الإنتماءات الإتنية والطائفية. وانعكست جهود تلك المراكز الإعلامية في تعطيل الفاعلية السياسية لأحزاب المعارضة التقليدية وفي انحسار جاذبية خطابات قياداتها التي يتجدد لها الولاء فتواصل أشكالا من التعبئة ترتكز على أولوية مفترضة للوعي المهني الاجتماعي المباشر في الاستقطاب والمواجهة مع الحكومات ومع تنظيمات أرباب العمل فتزداد ضمورا في صفوف قواعدها. إنها تعبئة لا يُصغي لها اليوم فقراء الطوائف والإتنيات وقد فقدت صدقيتها بسبب تحول القيادات الى أهل جاه وزعامة ومالوا للمساومات في التكيُف مع سلطات الاستبداد والتزاماتها الخارجية.

ثالثا - التحديات المشتركة في انتفاضات الشباب والشعوب 


 وغني عن البيان أن تراكم تعوق أحزاب المعارضة التقليدية تلك المقترن بأطروحات التكيف مع الأنظمة على امتداد عقود من الزمن في مجتمعات المشرق والمغرب كان كافياً لاستثارة نخب جديدة من المعارضة في أوساط الفئات المتوسطة. إنها النخب المتضررة من استئثار البرجوازيات الطفيلية بالثروة ومن تكيف حكوماتها ومخابراتها بشكل أو بآخر مع الحلف الأميركي - الإسرائيلي. هذا الحلف الذي استعان ببعض الحكومات العربية لتحقيق الاستتباع السياسي والاقتصادي لبعضها الآخر. فربط، ولو في مستويات متفاوتة، بين مشاعر الشعوب وتحدياتها ومصائرها وضرورات التناصر التي تجلت في الترابط الوجداني لانتفاضاتها التي هزت المنطقة والعالم خلال شهر واحد.


وهذا ما برر ويبرر القول بالترابط القومي لروافد الإستنهاض بين الإنتفاضات الشعبية القطرية وداخل كل منها. وهي إنتفاضات تراوح مشاربها وهواجسها وطروحاتها الشبابية بين نزعات التجديد القومية واليسارية المنفعلة على تبعية الأنظمة واستبدادها من جهة وبين نهوض الليبرالية التعددية المنفعلة على احتكار الحكم لمصلحة زبائنية الحزب الحاكم من جهة ثانية وبين أصولية منفعلة على استبداد لطالما برر دعمه الدولي والإقليمي بمحاصرة ومطاردة تنظيماتها بحجة مكافحة الإرهاب من جهة ثالثة.

 

لقد عاشت الأنظمة عقوداً مديدة من الإفقار والإفساد وهي تحاول التعويض عنهما من خلال رفع لواء قضية الشعب الفلسطيني داعمة التنازلات في المفاوضات الجارية بِإسمه. تنازلات فضحت عجزها فساهمت في ترجيح هيمنة اليمين الإسرائيلي المتطرف. إنها عقود ما كان يمكن لأهل الثقافة والحدس التاريخي إلاّ أن يتوقعوا في خواتيمها ظهور نخب جديدة من الشباب الناقم على الأنظمة داخل الفئات المتوسطة وهم الأكثر صدقية والأقدر معلوماتيا وميدانيا على تحريك غالبية الشعب من خلال خدمات الهواتف الخلوية والأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. نخب متعددة الميول ترجح، لإنجاح إنتفاضاتها، أولوية التوحد السياسي لانتفاضاتها وإستبعاد الإختلافات التقليدية بين إيديولوجياتها.

رابعا - المصادر المرجعية وثقافة التواصل التعبوي اليومي مع الجماهير


إنها المرحلة الأصعب التي تواجهها القيادات الشابة في المعارضات الجديدة وهي التي لم تكن بعيدة ثقافياً عن فهم الآليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لاستبداد الأنظمة وتجددها ولا بعيدة ثقافياً عن فهم التعوق السياسي والتنظيمي لأحزاب المعارضة التقليدية كما يصورها أحد المحللين في الاجتماع السياسي باعتبارها قيادات عفوية وغير منشغلة بقراءة الصحف  وبعيدة عن مفاهيم أساسية في النصوص اليسارية منها والقومية والإسلامية مع العلم بأن هذه القيادات توزعت بفعل ميولها الإيديولوجية المتفاوتة التبلور في مصر مثلا إلى تسع تشكيلات سياسية تعبر عن مروحة الإختلافات الثقافية ضمن تعدديتها. وقد بلغ التفاؤل الشعبوي بصاحبنا المُحلّل إلى حد التذكير بأن "عقل الناس... مثل عقل أرقى خلق الله في المدينة والحضارة ..." وأن "الناس على ما هم عليه في واقعهم المخزون والمُعاش مارد يصنع الأعاجيب المذهلة إذا تحملت النخب السياسية والثقافية مسؤوليتها وأثبتت صدقيتها... وأن على النخب أن ترتقي في تجاربها ومعارفها كي تكتشف ميكانيزمات هذه المدنية الحضارية في مسار مجتمعي..." كما رأى في طموحات القيادات الشابة من خلال ما ورد عنها في لحظات التعبئة الميدانية "ميولها الى اسلوب عمل الديموقراطية التشاركية في الاحتكام الى القاعدة العريضة في كل قرار، لا الديموقراطية التمثيلية في تفويض قيادة منتخبة تقرر وتقود". وفاته ان ما ينتظره من مثل هذه القيادات يُفترض فيها ان تقوم يوميا بقراءات وافية للصحف أن يكون قد تكوّن لديها فهم تحليلي لآليات استبداد الأنظمة ولمعوقات نهوج المعارضات التقليدية. كما فاته أن لغة التنسيق الانتفاضي بين القيادات المختلفة لابد ان تأخذ في الاعتبار، في عملية اعادة تركيب السلطة، مستوى نمو الثقافة السياسية في المجتمعات التي تغلب فيها العلاقات والموروثات الاهلية ولم تتدرج كثيرا في اتجاه ثقافة المجتمع المدني والديموقراطية التشاركية.


وقد ذهب أحد المحللين السوسيولوجيين من قدامى الماركسيين إلى حد الإندهاش بـ"لغة البساطة والجرأة التي جذبت الشعب كله وأحزاب المعارضة التونسية للإنضمام إليها" بالرغم من أنها "لم تخرج من نصوص ولم ترجع إلى الماركسية واللينينية لتنتقي كلماتها...". وقد نسي السوسيولوجي الزميل أن البساطة والجرأة في اللغة جذبت وتجذب الشعب إلى أنظمة الإستبداد أحياناً كثيرة وأن الخيارات السياسية في العدالة الاجتماعية والديموقراطية السياسية المتبلورة لدى القيادات الشبابية في ساحات الإنتفاضات الثورية للشعوب والمعبّر عنها بصياغات الثقافة الشعبية لا يمكن إلاّ أن ترجع أو تستوحي من نصوص مرجعية معينة يسارية كانت أو قومية أو إسلامية، يستلهم منها القادة صياغاتهم التعبوية اليومية فيتلمس فيها الناس معاناتهم وآمالهم وينجذبون إليها بحدسهم أملاً في خلاصهم. 
  



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة