السبت ٢٨ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ٢٩, ٢٠١٥
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
تحليل لخطاب الرئيس السيسي في دافوس - السيد يسين
يعد منهج تحليل الخطاب من بين أهم المناهج المستحدثة في علم الاجتماع المعاصر لأنه تجاوز بمسلماته النظرية وفئاته التحليلية المنهج التقليدي لتحليل المضمون والذي كان يقوم أساساً على فئتين رئيستين للتحليل هما ماذا قيل؟ وكيف قيل؟
 
منهج تحليل الخطاب يحاول في الواقع مجابهة القصور النظري في منهج تحليل المضمون، لأنه يعتمد أساساً على تفكيك الخطاب للكشف عن بنيته العميقة، والدليل على ذلك القاعدة المعروفة له وهي "أن ما سكت عنه الخطاب قد يكون أهم مما ذكره الخطاب"! وقد لفت نظرنا من قبل عالم الإسلاميات الشهير الدكتور محمد أركون أنه من بين الفئات الأساسية للتحليل هي ما أطلق عليه "ما لم يفكر فيه الخطاب".

لا نريد أن يجرفنا الحديث عن مناهج البحث وهي أحد اهتماماتي الأكاديمية الرئيسة عن التحليل المنهجي لخطاب الرئيس السيسي في "داﭬوس"، والذي أعتبر أنه يقدم فيه لأول مرة رؤية استراتيجية متكاملة لمصر بالمعنى الدقيق للكلمة.

وقد تناول الرئيس السيسي ست موضوعات رئيسة هي محكات الشرعية السياسية وكيف طبقها الشعب المصري، وحرب مصر على الإرهاب وأهمية التعاون الدولي في مواجهته، وبناء المؤسسات الديموقراطية، والرؤية التنموية المصرية والإصلاح المؤسسي، وموقف مصر من الصراعات السياسية في الشرق الأوسط، وتمكين الشباب، والنقد العنيف لمن يزعمون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة.

وموضوع الشرعية السياسية يكاد يكون أخطر الموضوعات قاطبة التي آثارها الرئيس السيسي، لأنها على المستوى النظري وعلى المستوى العملي تثير إشكاليات متعددة ليس في العالم العربي فقط ولكن عالمياً.

ولعل مرد ذلك إلى القصور الشديد في صيغة الديموقراطية التمثيلية التي تنص - في الانتخابات الرئاسية مثلاً- أنه من حصل على 50% +1 يعتبر منتصراً ويصبح رئيساً. وهكذا بتطبيق هذه القاعدة المعترف بها عالميا حصل الرئيس السابق محمد مرسي على 52% بالرغم من كل محاولات التزوير الثقافي والمعنوي الذي مارسته جماعة الإخوان المسلمين وخصوصاً خلطها بين الدين والسياسة، وبالرغم من تحالف لفيف من الليبراليين السذج مع مرسي ضد المرشح المنافس الفريق أحمد شفيق. ومعنى ذلك أن حوالى نصف الشعب المصري لم يوافق على أن يصبح مرسي رئيساً.

وهذا الوضع الناشئ من نظرية الديموقراطية التمثيلية عادة ما تكون له آثار سلبية وخصوصاً حين ينزع الرئيس المنتخب – كما فعل مرسي- إلى أن يستأثر بالسلطة وينفرد باتخاذ القرار في مخالفة صارخة لقيم الديموقراطية والتي لم يعترف بها حين ركز فقط على آليات الديموقراطية، وهي تعني أساساً نتيجة الصندوق الانتخابية. والسؤال هنا: ماذا قال الرئيس السيسي بصدد الشرعية السياسية؟ قال بالنص" التاريخ القريب يشهد على قدرة ووعي شعب مصر الذي أزال حكم الفرد عندما تجاوز الشرعية، ولم يتردد عن نزع هذه الشرعية عمن أرادوا أن يستأثروا بها ويطوعوا من خلالها الهوية المصرية والانحراف بها عن سماتها التاريخية من تنوع وإبداع وانفتاح على العالم".

ومعنى ذلك أن الرئيس يميز بين حالتين هي حالة "ثورة 25 يناير"، والانقلاب الشعبي الذي قامت به الجماهير في "30 يونيو".

في "25" يناير قامت الثورة أساساً ضد حكم الفرد ومثله الرئيس مبارك الذي احتكر اتخاذ القرار وألغى عملياً كل المؤسسات، ومن ثم اعتبرت جماهير الشعب المصري التي التحمت بالانتفاضة الجماهيرية التي أشعل فتيلها شباب الناشطين السياسيين أن الرئيس السابق قد تجاوز – بسلوكه السياسي- الشرعية ومن ثم حق إسقاطه بالثورة.

أما الحالة الثانية - وقد تكون أهم من الحالة الأولى والتي تعد تكراراً لما حدث في تونس وغيرها من بلاد الربيع العربي- فهي أن الشعب المصري خرج في "30 يونيو" بناء على مبادرة من حركة "تمرد" ودعم جسور من القوات المسلحة المصرية ضد رئيس الجمهورية الإخواني المنتخب لأنه – حسب عبارات الرئيس- نزع الشرعية عمن أرادوا أن يستأثروا بها ويطوعوا من خلالها الهوية المصرية والانحراف بها عن سماتها التاريخية من تنوع وإبداع وانفتاح على العالم.

والفهم العلمي الدقيق لهذه العبارات هو أن جماعة الإخوان المسلمين وعلى رأسها ممثلها في الحكم الرئيس السابق مرسي اعتمدت على آليات الديموقراطية فقط في الوقت الذي ألغت فيه تماماً قيم الديموقراطية، وأهمها على الإطلاق الحوار مع المعارضة وعدم إقصائها الكامل من العملية السياسية وتطبيق الحلول الوسط.

ويشهد على ذلك إستئثار حكم جماعة الإخوان المسلمين بالسيطرة الكاملة على اللجنة التأسيسية للدستور، والحرص على صوغه بما يحقق أهداف الجماعة وليس تعبيراً عن جموع الشعب المصري.

كل ذلك بالإضافة إلى العدوان المنهجي على مؤسسة القضاء ومحاولة تفكيك نظام الشرطة والنفاذ إلى القوات المسلحة. ويمكن القول أن هذه المثالب يمكن أن تساعد في سياق النقد السياسي العنيف لنظام الحكم الإخواني الذي ظل وما زال حتى الآن يلوك كلمة "الشرعية" مع أنه عمل ضدها بشكل منهجي.

غير أن عبارة الرئيس المهمة تنطلق من نقد ثقافي عميق للممارسة الإخوانية المريرة، لأن الجماعة الإرهابية- في سبيل تحقيق مخططها في أخونة الدولة وأسلمة المجتمع – أرادت أن تعييد صوغ الهوية المصرية، والتي هي نتاج تراكمات تاريخية تشكلت عبر العصور ومرت بحقبات أساسية ثلاث هي المرحلة الفرعونية التي شهدة ولادة الضمير الإنساني، والمرحلة القبطية التي قدمت للعالم نظام الرهبنة، والمرحلة الإسلامية التي حددت المعالم الرئيسية للهوية المصرية والتي قامت على أساس تجربة فريدة في العالم هي تجربة "العيش المشترك واحترام الآخر المختلف دينياً". والدليل على ذلك هو تعايش المسلمين والأقباط واليهود في مصر المحروسة. هذا التعايش لم تنل منه محاولات الفتنة والوقيعة سواء جاءت من قبل قوى استعمارية أو من جانب تنظيمات دينية متشددة.

لقد كان من بين سمات الهوية المصرية التقليدية الانفتاح على العالم. ويشهد على ذلك أنه منذ تجربة محمد علي مؤسس مصر الحديثة والذي أقام جسرا طويلاً للتبادل الثقافي بين مصر والغرب لم تتوقف عن التفاعل الحي الخلاق مع كل الدوائر السياسية والثقافية العالمية.

ويكفي أن نشير بهذا الصدد إلى دور مصر في عهد جمال عبد الناصر في تأسيس حركة عدم الانحياز، بالإضافة إلى الصلات الثقافية الوثيقة التي أقامتها مصر مع روسيا والصين والهند واليابان ودول اميركا اللاتينية.

كل هذا الانفتاح أرادت جماعة الإخوان المسلمين أن تلغيه في ضوء أممية إسلامية وهمية لا تقدس حدود الوطن، وتقوم على معاداة الآخر، والعجز عن فهم منطق حوار الثقافات الذي يميز عصر العولمة، وليس صراع الحضارات كما زعمت بعض الأصوات العنصرية.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة