السبت ٢٨ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ٣٠, ٢٠١٥
المصدر: جريدة الحياة
ملاحظات مصرية: ذكرى ثورة يناير ورحيل العاهل السعودي ونعي «الإخوان» المتناقض - كرم سعيد
مياه كثيرة جرت في نهر السياسة المصرية منذ ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2011 التي رفعت شعار «عيش- حرية- عدالة اجتماعية»، لكن يبقى الجمود والتراشق المجتمعي وتباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدل البطالة وتمدد خط العوز عناوين بارزة في المشهد المصري.

وتتزامن الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير مع وفاة العاهل السعوي عبدالله بن عبدالعزيز الذي لعب دوراً واضحاً في مساندة الدولة المصرية عقب ما حدث في 30 حزيران (يونيو)، حيث قدمت السعودية والإمارات ومعهما الكويت دعماً مالياً وسياسياً بلا حدود لإقالة الاقتصادي المصري من عثراته فضلاً عن تكريس صورة ذهنية ايجابية لنظام الرئيس عبدالفتاح السياسي في الذهنية الدولية وكان آخرها فتح مسار للتقارب المصري القطري وغلق قناة الجزيرة مباشر مصر في محاولة للقفز على دعاوى وصفت ما حدث في القاهرة يوم 3 تموز (يوليو) 2013 بـ «الانقلاب العسكري».

وعلى رغم أن الدولة السعودية نالت نصيباً وافراً من هجوم جماعة الإخوان وكـتائبها الالكترونية، إلا أنه كان مثيراً للحــيرة والعجب في آن نعي جماعة الإخوان الملك عبدالله الذي وافته المنية يوم الجمعة الماضي داعية له بالرحمة والمغفرة وقالت الجماعة في تغريدة لها باللغة الانكليزية على مواقع التواصل الاجتماعي «تويتر» «تعازينا الصادقة للعائلة الحاكمة بالسعودية في وفاة الملك عبد الله».

نعي الجماعة الملك عبدالله يكشف عن توتر مأزوم في صفوف نخب الجماعة من جهة وبينها وبين قواعدها التنظيمية على الأرض، ففي الوقت الذي دعت الجماعة بالرحمة والمغفرة، حاولت قواعد الجماعة إفشال صلاة الغائب على الملك التي دعت إليها وزارة الأوقاف المصرية.

وبدا الاستقطاب أكثر وضوحاً داخل الجماعة وجيوبها مع نقد سعد فياض القيادي في تحالف «دعم الشرعية» مسلك الإخوان في نعي الملك عبدالله وقال في صفحته على «الفايسبوك»: «لا شك في أن مسلك جماعة الإخوان في التعزية معيب ويستوجب النقد، خصوصاً أنهم لم يصدروا تعزية في وفاة محمد قطب، وهذا يضفي أجواء من القلق على رؤيتهم». من جانبه شن القيادي البارز في الجماعة جمال حشمت على مواقع التواصل الاجتماعي هجوماً حاداً على السعودية على رغم تعزية الإخوان في الملك فيما وصف وصفي أبو زيد أحد منظري الجماعة التعزية بـ «الغباء والحماقة».

والأرجح أن التعامل السعودي مع تيار «الإخوان المسلمين» طوال العقود الثمانية التي خلت ظل يعتمد مقاربة البراغماتية، إذ بدأ نشاط الجماعة في السعودية في شكل عملي زمن الملك فيصل (1964- 1975) حيث كان التوتر العنوان الأبرز للعلاقة بين قاهرة جمال عبد الناصر والرياض، بالنظر إلى تباين طبيعة النظامين السياسيين وتباين اتجاهاتهما وتوجهاتهما الإقليمية والدولية.

وجود «الاخوان» آنذاك في المملكة ساهم في تجذير وجودهم سياسياً ومجتمعياً في الشارع المصري، خصوصاً في عهد السادات الذي فتح الباب على مصراعيه أمام تنامي نفوذهم» لقضم التيار الناصري.

غير أن العلاقة بين الطرفين دخلت مناخ الشحن في فترة حرب الخليج الثانية وانقلبت معادلة الاحتضان إلى مواجهة صريحة، ووصلت ذروتها في السابع من آذار (مارس) 2014 حين أعلنت وزارة الداخلية السعودية أن جماعة الإخوان المسلمين في السعودية وخارجها جماعة «إرهابية».

ويبدو أن سلوك الجماعة وتطلعاتها إلى تغيير البناء السياسي في العالم العربي باعتباره لبنة أولى لاستعادة حلم دولة «الخلافة» ظل محل شكوك سعودية وخليجية.

واتسمت العلاقات المصرية - السعودية طوال عام جماعة «الإخوان» في الحكم بالفتور والحذر مع توجه الجماعة ناحية إيران وتركيا، والسعي الى تصدير نموذج سياسي مغاير في المنطقة يكرس منطق التثوير، الأمر الذي ساهم في اتساع الرتق بين الجماعة والملك عبدالله الذي أفتى بعض مشايخ الجماعة بعدم جواز صلاة الغائب عليه، وضحايا رابعة وشهداؤها كانوا هم الأولى بذلك.

والأرجح أن سلوك الجماعة إزاء تطويع فتاوى دينية تتسق ومواقفها السياسية لم يكن هو الأول من نوعه، فقد سبق لها أن أحلت عاماً التهنئة للأقباط على لسان مفتي الجماعة عبدالرحمن البر وحرمته عاماً بعد إقصائها عن السلطة.

ويبدو أن ارتباك الجماعة وتفاعلاتها مع المشهد السياسي الإقليمي وتغيراته الطارئة ألقى بظلال سلبية على عملية الحشد والتعبئة التي سعت إليها الجماعة طوال الأسابيع التي خلت لخلق موجة ثورية ثالثة في الذكري الرابعة لثورة يناير أملاً في استعادة صدارة المشهد أو على الأقل الحضور ضمن مكوناته.

وراهنت الجماعة وحلفاؤها على ذكرى 25 يناير لكسر ما تسميه «الانقلاب» واستعادة السلطة الشرعية ممثلة في الرئيس محمد مرسي، وعزفت على أوتار إطلاق سراح أبناء مبارك قبل يومين في قضايا فساد وما أثير عن حوادث بشرية وكوارث هندسية وفنية في مشروع قناة السويس الجديد لخلق بيئة ضاغطة على النظام.

وإذا كانت سياسة عبدالفتاح السيسي بعد وصوله قصر الاتحادية لم تحرك المياه الراكدة في نهر السياسة المصرية بشكل كبير، إذ سارت البلاد طوال الشهور التي خلت في طريق متعرج، غير أن قطع شوط معتبر على صعيد توثيق العلاقات العربية، وفي الصدارة منها تعضيد العلاقة مع الرياض والأمارات ساهم في تخفيف حدة توتر النظام وإمساكه بمفاصل الدولة وأعصابها الحساسة.

على صعيد ذي شأن تبقى وفاة الملك عبدالله الملمح الأهم في الذكري الرابعة لثورة 25 يناير، إذ كشفت عن طبيعة السلوك السياسية للنظام ومناهضيه، ففي الوقت الذي أعلنت الدولة تنكيس الإعلام وإعلان الحداد العام فضلاً عن إلغاء الاحتفالات بذكرى 25 يناير، كان سلوك الجماعة أكثر إيلاماً، وكان بارزاً، هنا، شخصنة وفاة العاهل السعودي، ومحاولة صبغها صبغة سياسية بعيداً عن قراءتها الأهم إنسانياً.

وكان لافتاً أيضاً هجوم المواقع الالكترونية المناهضة للنظام السياسي المحسوبة على جماعة «الإخوان» أو المتعاطفين معها إلى تشويه صورة الملك عبدالله، وزعم رفض مبايعة الأمير سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير مقرن بن عبدالعزيز.

في هذا السياق العام يمكن القول إن وفاة الملك عبدالله وتداعيات السلوك السياسي والمجتمعي في التعامل معها كانت هي المحدد الرئيسي لطبيعة تفاعل المصريين مع ذكرى ثورة 25 يناير التي لم تحقق الجزء المعتبر من أهدافها، فباستثناء إعادة صوغ القاهرة لعلاقاتها الإقليمية والدولية، تظل العدالة الاجتماعية والحرية مضامين غائبة ناهيك عن تصاعد الاستقطاب المجتمعي بين المسلمين والأقباط وعجز القوى السياسية عن تجاوز محلة الشك في ما بينها، فالتناحر السياسي بين المهمومين بالسياسة في مصر وبينهما حزب «الكنبة» يظل لافتة بارزة في ذكرى الاحتفال بـ 25 يناير.

* كاتب مصري



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة