الخميس ٢٦ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: شباط ٨, ٢٠١٥
المصدر: جريدة الحياة
تونس: الاستقرار ما اتفق عليه الشيخان - محمد الحدّاد
نالت الحكومة التونسية الجديدة ثقة مجلس النوّاب بغالبية مريحة، لكنّ ذلك لم يحسم الجدل وتضارب التأويلات حول تحديد الخاسر والرابح من الصيغة التي استقرّت عليها عملية تشكيل الحكومة.

إذا طرحنا الأمر بواقعية، سنقول إنّ تونس هي الرابح الأكبر من هذه النهاية «السعيدة» للتجربة الانتقالية، وهي سعيدة إذا ما قارنّاها بتجارب البلدان الأخرى التي شهدت انهيار أنظمتها السابقة، لا بالطموحات التي أطلقتها ثورة 2011، والأهداف التي ظلّت تتردّد بعد ذلك. وإلى حدّ ما، حقّقت هذه الحكومة ما يريد الشعب، أي الاستقرار وليس الثورة، فبعد أربع سنوات من الخطابة الثورية الجوفاء، لم تعد مسألة الثورة محوريّة إلّا لدى بعض النخب التي لا تتأثّر كثيراً بتواصل معضلة البطالة والارتفاع الجنوني للأسعار وتردّي الخدمات العامة. وفي ما عدا ذلك، فإنّ الشعب، بالمعنى المحسوس لا المجرّد، ذاك الذي يجمع من المواطن صاحب الدخل المحدود إلى رجل الأعمال الثري الذي تعطّلت استثماراته منذ سنوات، أصبحت مطالبه أكثر واقعيّة.

وتعتبر هذه النهاية انتصاراً شخصياً كبيراً للسيد الباجي قائد السبسي الذي أثبت أنه صاحب حنكة ودهــــاء سياسيين قلّ نظيرهما بين الطبقة السياسية الجـــديدة. فهذا الرفيق السابق للزعيم بورقيبة الذي اعتزل السياسة لأكثر من عشرين سنة عاد سنة 2011 ليرأس الحكومة الانتقالية ونجح في توفير الظروف المـــلائمة لتنظيم الانتخابات الحرّة الأوّلى، وأشرف على عمــــلية الانتقال السلمي للسلطة إلى حكومة ذات غالبــــية «نهضاوية»، وقد ظنّ الحكّام الجدد أنهم تخلّصوا منـــه إلى الأبد (وكذلك ظنّ بن علي لمّا عزله سنة 1991!) لكنّه عاد مجدّداً للساحة لينغّص عليهم حكمهم، ونجح فيما كان يبدو قبل سنتين مهمّة مستحيلة وهو أن يهزم «النهضة» في الانتخابات الأوّلى بعد صياغة الدستور.

بيد أنّ نجاح السبسي لا يعني نجاح حزبه «نداء تونس» الذي سيعاني من تبعات الوضعية السياسية الجديدة، لأنه لا يوفّر في الواقع مقوّمات التنظيم الحزبي الحقيقي، وإنما قام على أساس جمع الرافضين لحكم «النهضة»، وبما أنّ زعيمه قد اختار نوعاً من الوفاق معها، وبما أنّ الطموحات الشخصية في هذا الحزب أكبر بكثير من المناصب المتوافرة لإرضائها، فإنّ التحدّي الأكبر الذي سيواجهه يتمثّل في لملمة صفوفه قبل موعد الانتخابات البلدية المقرّرة في آخر السنة أو بداية السنة القادمة.

بالمقابل، حقّق حزب «النهضة» نجاحاً مزدوجاً، نجاح الحزب ونجاح زعيمه السيد راشد الغنوشي. لقد فوجئت القيادة النهضوية بالهزيمة الانتخابية الأخيرة وكان يمكن هذا الحدث أن يدفع إلى تغييرات جذرية في التنظيم ويدعم الأصوات المنادية بتخلّي القيادة التاريخية والحرس القديم لفائدة شباب الحركة، لكنّ الغنوشي كان قد افتتح مساراً سياسياً موازياً بلقائه الباريسي مع قائد السبسي في آب (أغسطس) 2013، واتفاقهما على تغليب منهج التراضي، وهذا ما استفادت منه «النهضة» اليوم. فلئن كانت مشاركتها في الحكومة محدودة (وزير واحد وثلاثة «كتّاب دولة») فإنها قد حقّقت خمسة أهداف استراتيجية: أوّلاً، أن تكون في موقع المتابع لكلّ تفاصيل العمل الحكومي. ثانياً، أن تثبّت موقعها كطرف سياسي أساسي في الخريطة التونسية. ثالثاً، أن تنسف أطروحة نهاية الإسلام السياسي في تونس. رابعاً، أن تتجنّب الاختلافات التنظيمية الحادّة والطعن في قيادتها الحالية وتمكن هذه القيادة من دخول مؤتمر الحركة المقرّر في بداية الصيف من موقع الثقة والقوّة. خامساً، أن تفتح شرخاً داخل نداء تونس خصوصاً، وداخل التيارين البورقيبي واليساري، بين موال لحكومة الوفاق ومعارض لها عموماً. ثم إنّ ما حصلت عليه «النهضة» لا يقتصر على الوزير وكتّاب الدولة، فقد اختير رئيس الوزراء من بين الشخصيات التي تحظى برضاها (ولا ينتمي إلى الحزب الفائز في الانتخابات) واختير وزير الداخلية على الأساس نفسه (رغم المعارضة القوية ضدّه داخل المجتمع المدني)، إضافة لترضيات أخرى عدة.

وعلى عكس ما يقال، لم يكن «نداء تونس» مضطرّاً لهذا التحالف إذا اعتمدنا العمليات الحسابية لعدد النوّاب، وإنما كان هذا الاختيار مدفوعاً أساساً باقتناعه أنّه سيواجه وضعاً اقتصادياً واجتماعياً منهاراً يستدعي قرارات «مؤلمة»، كما يصفها الخبراء، وهو يدرك أنّه لن يستطيع أن يعتمد في ذلك على «الجبهة الشعبية» (تحالف اليسار الراديكالي). فبين التحالف على أساس أيديولوجي (معارضة «النهضة») والتحالف على أساس سياسي (طبيعة السياسة التي ستسلكها الحكومة)، كان اختيار السيد قائد السبسي حاسماً ومنتظراً، كما جاء تقبّل الغنوشي سريعاً ومفاجئاً (وهو الذي وصف «نداء تونس» بأنه أخطر من السلفية الجهادية في سنة 2012!). ولئن أحدث خيار كلّ منهما تململاً لدى جزء من القواعد، فإنّ «العبرة بما اتّفق عليه الشيخان»، كما يقول التونسيون بنوع من التهكّم الممزوج بالتسليم لهذه الطبقة السياسية الهرمة بالقدرة على طمأنتهم على مصيرهم بعد سنوات من الخطابة الثورية وفي سياق وضع إقليمي ضاغط ومهدّد.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
احتجاجات ليلية قرب العاصمة التونسية ضد انتهاكات الشرطة
البرلمان التونسي يسائل 6 وزراء من حكومة المشيشي
البرلمان التونسي يسائل الحكومة وينتقد «ضعف أدائها»
الولايات المتحدة تؤكد «دعمها القوي» لتونس وحزب معارض يدعو الحكومة إلى الاستقالة
«النهضة» تؤيد مبادرة «اتحاد الشغل» لحل الأزمة في تونس
مقالات ذات صلة
أحزاب تونسية تهدد بالنزول إلى الشارع لحل الخلافات السياسية
لماذا تونس... رغم كلّ شيء؟ - حازم صاغية
محكمة المحاسبات التونسية والتمويل الأجنبي للأحزاب...
"الديموقراطية الناشئة" تحتاج نفساً جديداً... هل خرجت "ثورة" تونس عن أهدافها؟
حركة آكال... الحزب الأمازيغيّ الأوّل في تونس
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة