|
اقتربت مصر بقوة أمس من نموذج التمرد الشعبي التونسي الذي تكلل قبل أقل من أسبوعين بخلع الرئيس السابق زين العابدين بن علي وإجباره على الهروب من البلاد، وتواصلت لليوم الثاني في القاهرة وعدد كبير من المدن والمحافظات المصرية التظاهرات الصاخبة التي ترفع شعارات الحرية السياسية والعدالة الإجتماعية وكبح جماح الفساد وتشترط لتحقيق هذه الأهداف رحيل الرئيس حسني مبارك (83 سنة) ونجله جمال عن سدة الحكم التي تربع عليها 30 سنة.
وعلى رغم التهديدات والتحذيرات الصارمة التي أطلقتها وزارة الداخلية وأجهزة الأمن بـ"التصدي الفوري" لإجهاض أي محاولة للتظاهر وفي ظل صمت مطبق ومدهش لاذت به كل المؤسسات السياسية الرسمية في البلاد، نجح عشرات الآلاف من الشباب في مراوغة الحشود الأمنية الضخمة التي تمركزت وانتشرت بكثافة في العاصمة والمدن الأخرى ،وأنطلقت تظاهراتهم من عشرات البؤر في أكثر أحياء العاصمة التي تحولت طرقها وشوارعها الرئيسية وخصوصا في منطقة وسط المدينة، ما يشبه ساحة حرب عصابات ضروس دارت مدى ساعات النهار وحتى المساء بين المواطنين المحتجين وقوات الشرطة بعدما نفذت هذه تهديداتها وبادرت الى استخدام القوة لدى مشاهدتها أية تجمعات، إذ كانت تهاجمها فورا بقنابل الغاز والرصاص المطاط والعصي المكهربة مخلفة حصيلة ثقيلة من المصابين والجرحى الذين تجاوز عددهم المئات، استنادا الى مصادر حقوقية ومصادر طبية في المستشفيات العامة، إلى قتيل واحد على الأقل.
فأما حصيلة الموقوفين والمعتقلين فبلغت نحو ألف شخص في القاهرة وحدها منهم أكثر من عشرة صحافيين بعضهم أعضاء في مجلس إدارة نقابتهم أختطفوا من أمام مبناها الذي ظل حتى ساعة متأخرة من الليل خاضعا لحصار بوليسي صارم أدى إلى تحويل المبنى معتقلاً مغلقا على مئات الصحافيين والمثقفين والكتاب.
وكانت قوات ضخمة من الشرطة أنهت بالقوة بعد منتصف ليل الثلثاء، إعتصاما نفذه عشرات الآلاف من الشباب في ميدان التحرير أكبر ميادين العاصمة المصرية بعد يوم احتجاجي طويل لم تشهده البلاد منذ عقود.
ولم يختلف الوضع في المدن والمحافظات في الإسكندرية والدقهلية والمحلة الكبرى وكفر الشيخ والإسماعيلية والجيزة وأسيوط عما جرى في القاهرة، فقد تجددت المظاهرات فيها جميعا، وتحدى آلاف المواطنين حشود الشرطة التي أشتبكت في معارك كر وفر دامية مع المحتجين أستمرت في بعض المناطق إلى منتصف الليل.
غير أن مدينة السويس التي سقط فيها العدد الأكبر من القتلى (5 مواطنين) الذين قضوا برصاص الشرطة خلال تظاهرات الثلثاء، كانت أمس مسرحا للأحداث الأكثر صخبا ودموية في سياق التحركات الشعبية الغاضبة وغير المسبوقة التي تفجرت في مصر خلال اليومين الاخيرين، وبدأت أمس التظاهرات العارمة في المدينة منذ ساعات الصباح الأولى لدى تشييع جثمان احدى الضحايا، إذ سرعان ما تحولت الجنازة تظاهرة صاخبة شارك فيها نحو 20 ألف مواطن حاولت الشرطة تفريقهم بالقوة فكانت النتيجة أن تفجرت موجات متتالية من الغضب الشعبي عمت كل أحياء المدينة وتطورت بسرعة إلى عنف كاسح ومتبادل ظل مشتعلا حتى الليل وبلغت حصيلته نحو عشرة قتلى ومئات الجرحى وحرائق واعتداءات طاولت عددا كبيرا من المباني الحكومية منها مركز شرطة حي الأربعين ومقر الحزب الوطني الحاكم.
إلى ذلك، توعد المحتجون النظام باستمرار التظاهر في الأيام المقبلة، ونشرت مئات المواقع على شبكة المعلومات الدولية "إنترنت" دعوة للمواطنين الى تحويل يوم غد الجمعة يوم غضب وحداد عام على "الشهداء الذين سقطوا في الإنتفاضة ورفع الصوت عاليا بضرورة محاكمة المجرمين المسؤولين عن قتلهم". وعلى الصعيد السياسي، بدت أجهزة الحكم ومؤسساته، عدا الأمن والشرطة، غائبة تماما عما يجري في البلاد، مما عزز التكهنات عن أن النخبة الحاكمة التي فاجأتها ضخامة الاحتجاجات الشعبية واتساعها وتفاقمها المستمر تعاني مظاهر تخبط وارتباك واضحين.
أما قوى المعارضة التي أشترك معظمها مع نخبة الحكم في شعور بالمفاجأة مما حدث في الشارع، فعلى رغم أنها تسابقت كلها لاعلان التأييد للمطالب السياسية والاجتماعية التي يرفعها الشباب الغاضب، إلا أنها توزعت بين عدد من المواقف. ففي حين اكتفت أكثر الأحزاب الرسمية المتهمة على نطاق واسع بأنها "مجرد أدوات للنظام" بتأييد عمومي للتحركات الشعبية الغاضبة متناسية أنها أستخفت بالشباب الذي دعا لها عبر الفضاء الألكتروني بل وناصبتهم العداء علنا، فإن قوى وحركات المعارضة الأخرى الأكثر جذرية أعلنت برامج مطلبية اعتبرت أنها "تجسد أهداف الإنتفاضة الشعبية"، فدعت "الجمعية الوطنية للتغيير" التي يشارك فيها الكثير من القوى السياسية اليسارية والليبرالية إلى ممثلين لجماعة "الإخوان المسلمين"، بلسان منسقها الدكتور عبد الجليل مصطفى، الرئيس مبارك إلى إعلان واضح وفوري أنه لن يترشح هو أو ابنه جمال في الانتخابات الرئاسية المقبلة والمقرر إجراؤها في أيلول، وحل البرلمان بمجلسيه (الشعب والشورى) المزورين، وإلغاء حال الطوارئ المعلنة في البلاد منذ 30 سنة، وتأليف حكومة إنقاذ وطني إنتقالية تكون مهمتها إجراء إنتخابات رئاسية ونيابية جديدة حرة وإتخاذ إجراءات تعديل الدستور القائم وتنقيته من "ترسانة البنود التي تؤسس وتكرس الحكم الاستبدادي".
ودعا حزب الوفد بعد إجتماع طارئ عقدته هيئته العليا مساء أول من أمس، إلى إلغاء الطوارئ وحل مجلس الشعب وإجراء إنتخابات نيابية جديدة يشرف عليها القضاء وفقا لنظام القائمة النسبية، وإعداد دستور جديد للبلاد يرسي أسس نظام حكم ديموقراطي منفتح.
واشنطن • في واشنطن (رويترز، و ص ف) قالت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون خلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الاردني ناصر جودة إن على الحكومة المصرية أن تتحرك الآن إذا أرادت تجنب نتيجة مشابهة لما حدث في تونس وحضتها على عدم قمع الاحتجاجات السلمية أو تعطيل المواقع الاجتماعية على الإنترنت التي تساعد في تنظيم الاحتجاجات والاسراع بوتيرتها. وأضافت: "نحن نعتقد بشدة أن أمام الحكومة المصرية فرصة مهمة في الوقت الحاضر لتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية للاستجابة للحاجات والمصالح المشروعة للشعب المصري... وندعو السلطات المصرية الى عدم منع الاحتجاجات السلمية أو منع الاتصالات بما في ذلك مواقع الاتصال الاجتماعية". ودعت مبارك الى تبني إصلاحات.
واتخذ الناطق باسم البيت الأبيض روبرت غيبس موقفا مشابهاً، فأوضح أنه يراقب عن كثب وأنه يؤيد تماماً حق الشعب المصري في الاحتجاج السلمي. وقال على متن طائرة الرئاسة الأميركية: "نحن نؤيد حق التجمع والتعبير حقاً عاماً لكل البشر. سنشدد مجددا وبوضوح تام لكل المعنيين أن التعبير ينبغي أن يكون خالياً من العنف... هذا وقت مهم كي تظهر الحكومة مسؤوليتها لشعب مصر بالاعتراف بذلك الحق العالمي".
الاتحاد الاوروبي • في بروكسيل، صرّحت مايا كوتسيانشيتش الناطقة باسم الممثلة العليا للاتحاد الاوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الامنية كاثرين آشتون بان "الاتحاد الاوروبي يتابع عن كثب التظاهرات التي تجري حالياً في القاهرة ويعتبرها مؤشراً لتطلعات العديد من المصريين عقب احداث تونس". وقالت انه مع تجمع الاف المصريين في الشوارع "للاعلان عن رغبتهم في التغيير السياسي"، يدعو الاتحاد الاوروبي السلطات المصرية الى احترام وحماية حق المواطنين في التعبير عن تطلعاتهم من خلال تظاهرات سلمية. كما حضت على "الانتباه الى رغبتهم (المصريين) المشروعة" في اتخاذ قرارات سياسية "لمعالجة المشاكل التي تؤثر على حياتهم اليومية".
باريس • في باريس، سئل وزير الدفاع الفرنسي الان جوبيه على شبكة "كانال +" عن الوضع في مصر، فاجاب: "في مصر ليس هناك ديموقراطية تتناسب والمعايير التي نعتمدها... انه بالتأكيد نظام متسلط". لكنه تساءل: "هل يتعين على فرنسا ان تمنح كل دول العالم شهادات في الديموقراطية؟... في ما يتعلق بالمصريين، يجب ألا نحل محل الشعوب نفسها في القرارات التي تتخذها والتحركات التي تقوم بها". واكد ان الحكومة "ليست لا مبالية اطلاقاً"حيال ما يجري في البلدان العربية، قائلاً: "قلنا بوضوح شديد في ما يتعلق بتونس، اننا ندعم جهود الشعب التونسي". وان "التونسيين اصدقاؤنا ونأمل في ان يسيروا نحو الديموقراطية".
برلين • في برلين، اعلن وزير الخارجية الالماني غيدو فيسترفيله ان الحكومة الالمانية "قلقة جداً" من الوضع في مصر وتدعو "الاطراف كافة الى ضبط النفس"، مؤكداً "ضرورة نشر الديموقراطية" في مصر. وتحدث عن "وجوب احترام حقوق الانسان وحقوق المواطنين وكذلك حرية التعبير وحرية الصحافة في مصر".
روما • في روما، قال وزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني في تصريح اذاعي: "نأمل في ان يستمر الرئيس مبارك في حكم بلاده كما فعل دوماً بحكمة وتبصر... العالم يعتبر مصر مرجعا لعملية السلام" في الشرق الاوسط. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المواجهة تنتقل إلى "الجبهة" الإلكترونية لم تقتصر مواجهات المصريين امس مع النظام الحاكم على "ميدان التحرير" و"شارع ابو سليمان" في القاهرة، او الساحات والشوارع الرئيسية في عدد من المدن الكبرى. خلف كل هذه التحركات، وربما في مقدمها، كانت وسائل التواصل الالكترونية، وخصوصاً موقعها "فايسبوك" و"تويتر"، اللذان استخدمهما المصريون في الداخل والخارج للدعوة الى التظاهر والتجمع، وحتى لتبادل المعطيات عن اماكن المواجهة "الاكثر ضراوة"، واي منها تتطلب "دعماً". امس عاد المصريون الى ما اكتشفه الايرانيون من قبلهم في التظاهرات التي تلت الانتخابات الرئاسية عام 2009. وجد المصريون في "فايسبوك" و"تويتر" وسيلتيهما الاعلاميتين بالمعنى الابلاغي، اذ توفران لهم القدرة على اعلان التحركات دقيقة بدقيقة، وايصال صوت عابر للحدود الجغرافية. بدت السلطات المصرية مدركة لخطورة ما يمثله التواصل الالكتروني المفتوح في ظل نظام يرفض ان تصدر وسائل الاعلام التقليدية من غير ان يكون على دراية كاملة بمحتواها.
المراحل الاولى من "الحرب الالكترونية" بدأت امس بين النظام المصري وشعبه الغاضب، اذ بدأ منذ منتصف النهار تواتر الانباء عن منع السلطات امكان الدخول الى "فايسبوك" و"تويتر"، مما يعني حرمان المصريين وسائل التواصل غير الخاضعة للرقابة الحكومية المباشرة.
ومع تعاظم حركة الاحتجاج، بدأ المصريون يتبادلون عناوين بروتوكولات انترنت (IP) تسمح بتجاوز القيود التي فرضتها السلطات، من طريق الافادة من "خوادم بديلة" (proxy)، قامت السلطات ايضاً بمحاولات متواصلة لحجبها والتأثير على عملها. اما آخر "جبهات" المواجهة الالكترونية فكانت مساءً مع تداول دعوة عبر "فايسبوك" موجهة الى العاملين في قطاع الاتصالات بشركاته الخاصة والتي تملكها الدولة، لـ"دعم التحركات الاحتجاجية" عبر "القرصنة على القيود التي تفرضها السلطات، وتوفير كلمة السر (passwords) لعموم المصريين، مما يسمح لهم بالتواصل مع مواطنيهم والعالم عبر الوسائل الالكترونية". ("النهار")
|